عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    19-Oct-2026

إيران تحت ضغط متعدد الجبهات: هل يقربها التصعيد من أزمتها الداخلية؟*د.عامر سبايلة

 الغد

لم تعد المسألة الَيوم تتعلق فقط بما تقوم به إيران عبر الحوثيين في اليمن، أو بمحاولات نقل الضغط باتجاه السعودية، وإنما بما يمكن أن يأتي بعد ذلك، خصوصًا في ظل تلويح الولايات المتحدة بتوسيع عملياتها النوعية في المواجهة مع إيران.
 
 
تسعى واشنطن إلى تعميق الأزمة الإيرانية من خلال الحصار البحري والجوي وزيادة الضغط الاقتصادي، بما يهدف إلى تقليص قدرة طهران على المناورة ودفعها إلى مراجعة حساباتها. وفي المقابل، تحاول إيران إعادة إنتاج التصعيد الإقليمي باعتباره إحدى الأدوات المتبقية لكسر الحصار وفرض معادلة جديدة على خصومها. لكن السؤال الأهم هو: إلى أي مدى يمكن أن تنجح هذه الإستراتيجية، وما الذي تملكه طهران فعلًا لتغيير مسار المواجهة؟
منطقيًا، يبدو أن هامش المناورة الإيراني يتقلص بصورة متزايدة. فبعد التصعيد الذي شهدته المنطقة، يصبح من الصعب تصور خطوات إضافية قادرة على دفع الولايات المتحدة إلى تغيير موقفها، خصوصًا أن الرهان الإيراني لم يكن عسكريًا فقط، بل ارتبط أيضًا بالرهان علي انفلات سوق الطاقة والعامل السياسي الأميركي، وباحتمال أن تدفع الحسابات الانتخابية الرئيس ترامب إلى تجنب التصعيد أو البحث عن تسوية.
لكن هذا الرهان يواجه اليوم اختبارًا مختلفًا. فواشنطن تبدو مصممة على الاحتفاظ بزمام المبادرة، فيما قد يتحول عامل الوقت، الذي تراهن عليه إيران لإرهاق خصومها، إلى مصدر استنزاف متزايد لها إذا استمر الحصار من دون تحقيق اختراق سياسي. وهنا تبرز المعضلة الإيرانية: كيف يمكن لطهران أن توسع دائرة الضغط الإقليمي من دون أن تتحمل كلفة أكبر من قدرتها على الاحتمال؟
الأخطر أن تداعيات المواجهة قد لا تبقى محصورة في الخارج. فالتطورات الأمنية في إقليم بلوشستان والمناطق الكردية تطرح تساؤلات حول قدرة النظام في ايران على احتواء التحديات المتزامنة، خصوصًا إذا ترافقت مع استمرار الضغوط الاقتصادية والاجتماعية. ولا تعني هذه التطورات بالضرورة اقتراب انهيار النظام، لكنها قد تصبح أكثر خطورة إذا تزامنت الأزمات المحلية مع استنزاف الدولة في مواجهة خارجية طويلة.
في مثل هذه الظروف، قد تتحول التحديات الأمنية المنفصلة إلى ضغط أوسع على قدرة طهران على إدارة الأزمة والحفاظ على الاستقرار الداخلي. وبالتالي، فإن نجاح إيران في احتواء الضغوط الخارجية لا ينفصل عن قدرتها على منع تراكم الأزمات الداخلية وتحولها إلى عامل إضافي يحد من خياراتها السياسية والأمنية.
في المقابل، تسعى إسرائيل إلى تثبيت ما تعتبره حكومة نتنياهو إنجازات الجبهات المتعدة التي حققتها خلال المواجهة، خصوصًا في ظل الحسابات السياسية المرتبطة بالانتخابات الإسرائيلية. وتبقى جبهة لبنان إحدى الساحات المهمة في هذا السياق، من خلال محاولة تحجيم قدرات حزب الله وتقليص التهديد الذي يمثله. لكن الحسابات الإسرائيلية لا تتوقف عند لبنان؛ فاستمرار الضغط على إيران وتراجع هامش المناورة أمامها قد يمنحان تل أبيب فرصة لتعزيز مكاسبها الاستراتيجية، سواء عبر استهداف قدرات إيرانية إضافية أو استثمار الظروف الحالية لفرض معادلات جديدة على طهران.
المعضلة هنا أن اتساع التصعيد لا يضمن بالضرورة تحقيق الأهداف الإيرانية. فإذا لم تتمكن طهران من كسر الحصار أو الوصول إلى تسوية تخفف الضغوط عنها، فقد تجد نفسها أمام أزمات متراكمة اقتصاديًا وأمنيًا وسياسيًا، في وقت تتسع فيه خيارات خصومها.
لم يعد السؤال إذن ماذا ستفعل إيران بعد التصعيد في اليمن والضغط على السعودية، بل ما إذا كانت لا تزال تملك أوراقًا قادرة على تغيير مسار المواجهة. فالتحدي الأكبر أمام طهران هو أن التصعيد الذي تراهن عليه لكسر الحصار قد يتحول إلى عامل إضافي في تضييق خياراتها، ونقل مركز الثقل تدريجيًا من الإقليم إلى الداخل الإيراني.