عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    12-May-2026

"شيطان برادا 2".. كيف تغير الإعلام بين سلطة المجلة والمنصة؟

 الغد- إسراء الردايدة

 في واحدة من أكثر لحظات "الشيطان يرتدي برادا 2" هدوءًا، تعترف ميراندا بريستلي (ميريل ستريب) أخيرًا بأن هذه المهنة لها ثمن باهظ. الجملة تبدو عاطفية بقدر ما هي مرهقة؛ اعتراف امرأة قضت عمرها تحافظ على سلطة كانت يومًا مطلقة، ثم اكتشفت أن العالم تغيّر أسرع من قدرتها على السيطرة عليه. هنا تحديدًا يكشف الفيلم فكرته الحقيقية، إذ لا يعود الجزء الثاني إلى عالم الموضة فقط، بل إلى عالم الإعلام نفسه بعد أن تبدّل بالكامل. 
 
 
في الجزء الأول من "الشيطان يرتدي برادا"، الذي صدر في 2006، خرج الفيلم في زمن كانت فيه المجلات الكبرى ما تزال تملك القدرة على صناعة الذوق وتحديد ما يجب أن يراه الناس. كانت مجلة مثل Runway تمثل سلطة حقيقية؛ مؤسسة تستطيع أن تمنح شخصًا مكانة أو تسحبه من المشهد تمامًا. رئيسة التحرير كانت أشبه بحارس بوابة يقرر من يدخل عالم النفوذ ومن يبقى خارجه. 
أما الجزء الثاني، فيأتي في زمن مختلف تمامًا، زمن لم تعد فيه المجلات وحدها تملك حق التأثير، ولم تعد فيه المؤسسات الإعلامية قادرة على التحكم بالصورة أو السرد أو حتى سرعة انتشار الأخبار. هذا التغيير يعكس صعود وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي، مما يضع ميراندا أمام تحديات جديدة تجبرها على إعادة تقييم مسيرتها. 
المخرج في الجزأين هو ديفيد فرانكل، الذي أعاد فريق الإنتاج الأصلي ليحافظ على روح الفيلم مع استكشاف هذه التطورات الحديثة. 
من سلطة المجلة إلى سلطة المنصّة 
في الجزء الأول من "الشيطان يرتدي برادا"، كانت مجلة Runway هي المركز الحقيقي لكل شيء. كل عنصر يمر عبرها: الموضة، الأسماء الكبيرة، الصور، وحتى الأحلام المهنية للجميع. الدخول إلى صفحاتها أو مكاتبها كان يعني الاقتراب من السلطة ذاتها، حيث كانت المؤسسة الإعلامية قادرة على صناعة "الترند" قبل أن يصبح هذا المصطلح شائعًا. صورة واحدة على الغلاف أو قطعة ملابس تختارها ميراندا كانت كفيلة بتغيير السوق بأكمله، مما يجعلها قوة لا تُقاوم في عالم الإعلام التقليدي. 
أما في الجزء الثاني، فالعالم لم يعد ينتظر غلاف مجلة ليقرر ما الذي سيشاهده أو يرتديه. المنصات الاجتماعية غيّرت قواعد اللعبة بالكامل، إذ أصبحت الصور تنتشر خلال ثوانٍ، والناس يحصلون على الموضة والأخبار والتحليلات مباشرة من هواتفهم، أحيانًا عبر مؤثرين لا يملكون أي خبرة صحفية أصلية. هذا التحول يضع Runway أمام واقع جديد، حيث لم تعد الإمبراطورية التي تفرض ذوقها على الجميع، بل مجلة تحاول النجاة داخل بيئة إعلامية يحكمها الخوارزميات والانتشار الرقمي. 
لهذا السبب، يبدو الفرق بين الفيلمين أكبر بكثير من مجرد فارق زمني بين الشخصيات. الجزء الأول يصور مؤسسة قوية تعرف موقعها في العالم، بينما الثاني يركز على مؤسسة تحاول فقط ألا تفقد مكانتها تمامًا. الفيلم يلتقط هذه الفكرة بذكاء من خلال حالة Runway نفسها، حيث تحولت الاجتماعات من التركيز على الجودة والرؤية التحريرية إلى التفاعل والأرقام والانتشار. لم تعد المجلة تسأل "ما الذي يجب أن ننشره؟"، بل "كيف يمكن أن يبقى الناس مهتمين أصلًا؟"، وهذا فرق ضخم يعكس تغيرًا جذريًا بين عصرين. 
ميراندا بريستلي ونهاية 
عصر الحارس التقليدي 
في الجزء الأول، كانت ميراندا بريستلي التجسيد الكامل لسلطة رئيسة التحرير التقليدية؛ امرأة تعرف الذوق قبل الجميع، وتدرك أيضًا أن الجميع سيتبعها مهما بدت قاسية أو متطلبة. كانت تتحكم بالمشهد لأن المؤسسة نفسها كانت تملك الهيبة الكافية لمنحها هذه القوة. 
لكن الجزء الثاني يضع هذه السلطة في مواجهة عالم جديد لم يعد يعترف بالقواعد القديمة. ميراندا ما تزال قوية، لكن قوتها لم تعد مطلقة. وهنا تصبح جملتها بأن "هذه المهنة لها ثمن" لحظة محورية جدًا. الثمن لا يقتصر على ضغط العمل أو خسارة العلاقات الشخصية، بل يمتد إلى خسارة اليقين نفسه. ميراندا تنتمي إلى جيل كان يؤمن بأن الخبرة والمعايير والتحرير الجيد تكفي لصناعة النفوذ، بينما يكافئ العالم الجديد السرعة والظهور والقدرة على جذب الانتباه أكثر من أي شيء آخر. 
الفيلم لا يسخر من ميراندا، ولا يقدمها كشخصية انتهى زمنها، بل كامرأة تحاول فهم عالم لم يعد يشبه العالم الذي بنت فيه إمبراطوريتها. وهذا ما يجعل الشخصية أكثر إنسانية وتعقيدًا؛ فهي لا تواجه منافسًا محددًا، بل تواجه تحوّلًا كاملًا في معنى السلطة الإعلامية نفسها. 
وواحدة من أهم الأفكار التي يلمح إليها الفيلم هي صعود المؤثرين بوصفهم السلطة الجديدة المنافسة للمؤسسات التقليدية. في الماضي، كانت المجلات تصنع النجوم، أما اليوم فالنجوم يصنعون أنفسهم عبر المنصات الرقمية. لم يعد الجمهور بحاجة إلى وسيط يخبره من المهم ومن غير المهم، لأن التأثير أصبح يُقاس بعدد المتابعين وسرعة الانتشار أكثر من أي معيار تحريري. 
هذا التحول غيّر شكل القوة جذريًا. المؤثر لا يحتاج غرفة تحرير أو تاريخا طويلا ليمتلك نفوذًا هائلًا؛ يكفيه جمهور واسع وقدرة على جذب الانتباه المستمر. هنا يطرح الفيلم سؤاله الأعمق: ما قيمة الخبرة التحريرية حين يفوق نطاق شخص واحد على تيك توك جمهور مجلة عريقة؟ 
الفيلم لا يجيب مباشرة، لكنه يكشف أزمة Runway الحقيقية: لم تعد تحارب مجلات، بل بيئة استهلاك محتوى متسارعة. الموضة أصبحت رهينة الانتشار لا الرؤية الفنية، وفي قلب ذلك تقف ميراندا كرمز لعصر يحاول النجاة في عالم جديد. 
آندي ساكس والصحافة 
بعد انهيار المركز 
عودة آندي (آنا هاثاواي) إلى Runway في الجزء الثاني ليست مجرد إحياء لشخصية محبوبة، بل استعادة لفكرة الصحفي نفسه في مهنة تغيرت جذريًا. في الجزء الأول، دخلت آندي عالم الموضة من باب الفضول والطموح، ترى فيه سطحية قبل أن تكتشف تعقيده وتأثيره على الثقافة. أما الآن، فتعود بعد سنوات كصحفية ناضجة إلى عالم إعلامي غير مستقر، حيث تساعد المؤسسة على إعادة تعريف نفسها. 
الصحافة اليوم ليست رفاهية الجودة؛ بل ضغط الأرقام والانتشار والسرعة. آندي لم تعد تثق بالموهبة وحدها، بل تدرك أن المادة يجب أن "تعيش" على المنصات لتبقى. هكذا تحول الجزء الأول من تعلم لغة المؤسسة إلى محاولة إنقاذها في الثاني، حيث أصبح الإعلام جزءًا من السوق الرقمي. 
شخصية إيميلي تشارلتون (إميلي بلانت) تكشف هذا التحول بوضوح. في الجزء الأول، كانت جزءًا من هيبة Runway الداخلية؛ أما الآن، فهي مرتبطة بالعلامات التجارية والإعلانات والاستثمارات. تمثل انتقال القوة من غرفة التحرير إلى السوق، حيث حملة إنستغرام تفوق افتتاحية مجلة، والإعلام أصبح اقتصادًا يعتمد على المشاهدات والرعايات. 
من حارس بوابة إلى شخص يحاول النجاة 
حتى الموضة نفسها تغيّرت بين الجزأين. في الفيلم الأول كانت الأزياء تُقدَّم باعتبارها لغة خاصة بالنخبة، تحتاج إلى خبرة وفهم حتى تُقرأ بشكل صحيح. الملابس لم تكن مجرد ملابس، بل رموز مرتبطة بالسلطة والطبقة والمكانة الاجتماعية. 
أما في الجزء الثاني، فالأزياء تبدو أقرب إلى "محتوى" سريع الحركة. الصور تُلتقط كي تُنشر فورًا، والعروض تُصمم لتتحول إلى لحظات قابلة للتداول على المنصات. لم تعد الموضة تعيش داخل المجلة فقط، بل أصبحت تعيش عبر الهاتف والشاشة الصغيرة وردود الفعل السريعة. 
وهذا ما يجعل الفيلم يبدو وكأنه يتحدث عن الإعلام أكثر مما يتحدث عن الموضة نفسها. لأن كل شيء داخل عالم الأزياء أصبح مرتبطًا بفكرة الظهور المستمر. المهم لم يعد فقط أن تكون القطعة جميلة أو مبتكرة، بل أن تكون قابلة للانتشار والمشاركة وإعادة التدوير بصريًا. 
حتى الحنين الذي يستخدمه الفيلم يعمل بهذه الطريقة. العودة إلى بعض ألوان وإطلالات الجزء الأول تبدو وكأنها محاولة لاستعادة زمن كانت فيه المجلات تملك الهيبة الكاملة. لكن الفيلم يعرف أن هذا الزمن انتهى، لذلك تبدو كل لحظات الحنين مشبعة بشعور واضح بالخسارة. 
أهم تحول يرصده The Devil Wears Prada 2 هو انتقال الصحافة من مرحلة "حراسة البوابة" إلى مرحلة "النجاة". في الماضي، كانت المؤسسات الإعلامية تقرر ما الذي يستحق الوصول إلى الجمهور. أما الآن، فالجمهور يرى كل شيء قبل أن تتدخل المؤسسة أصلًا. 
لهذا لم يعد دور الصحفي هو التحكم الكامل بالمشهد، بل محاولة إعطاء معنى للفوضى السريعة التي تصنعها المنصات يوميًا. وهذا ما يجعل الفيلم أكثر واقعية من الجزء الأول. لأنه لا يتعامل مع الإعلام بوصفه سلطة مستقرة، بل بوصفه مهنة تحاول إعادة اكتشاف نفسها كل يوم. 
ميراندا تمثل الجيل الذي كان يؤمن بأن الخبرة وحدها تكفي. آندي تمثل الجيل الذي يحاول التكيف مع التحولات الجديدة من دون أن يفقد معنى المهنة. أما إيميلي فتمثل العالم الذي فهم أن النفوذ اليوم مرتبط بالسوق والانتشار أكثر من أي شيء آخر. وبين هؤلاء الثلاثة يبني الفيلم فكرته الأساسية: السلطة الإعلامية لم تختفِ، لكنها تغيّرت بالكامل. 
لماذا يبدو الجزء الثاني أكثر حزنًا؟ 
رغم الأزياء الفاخرة والمكاتب اللامعة والجمل الساخرة، يحمل الجزء الثاني شعورًا حزينًا طوال الوقت. ليس لأنه يتحدث عن نهاية مجلة فقط، بل لأنه يتحدث عن نهاية زمن كامل. زمن كانت فيه المؤسسات الإعلامية تعرف موقعها بوضوح، وكانت تملك القدرة على صناعة المعنى والتحكم بالإيقاع العام. 
اليوم لم يعد أحد يملك هذه السلطة كاملة. المنصات فتحت المجال للجميع، لكنها في الوقت نفسه جعلت كل شيء أسرع وأكثر هشاشة. الخبر يختفي خلال ساعات، والصورة تُستهلك بسرعة، والانتباه نفسه أصبح سلعة نادرة. لهذا تبدو Runway داخل الفيلم وكأنها تحاول الدفاع عن حقها في الوجود أكثر من محاولتها السيطرة على العالم. 
الفيلم لا يقدم إجابة واضحة حول المستقبل. ولا يقول إن الصحافة انتهت، ولا يقول إن المنصات انتصرت بالكامل. لكنه يوضح أن العالم الذي عرفته ميراندا بريستلي لم يعد موجودًا، وأن المؤسسات الإعلامية القديمة لم تعد قادرة على التعامل مع السلطة بالطريقة نفسها. 
في النهاية، يقدم الفيلم رثاءً أنيقًا لعصر المجلات، لكنه لا يسقط في النوستالجيا الفارغة. هو لا يبكي الماضي لأن الماضي جميل وحسب، بل لأنه كان يمنح العمل الصحفي شكلًا واضحًا للشرعية: محرر، صفحة، توقيت إصدار، سلطة توقيع. أما الآن، فكل شيء يتحرك أسرع من أن يثبت. ومع ذلك، لا يسلم الفيلم بانتصار المنصة الكامل. على العكس، قيمته أنه يصرّ، من داخل هذا التحول، على أن الصحافة المهنية ما تزال تملك شيئًا لا تمنحه الخوارزمية بسهولة: الحكم، الذاكرة، الترتيب، والسياق.