عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    21-Sep-2026

كانت حماس في الواقع براغماتية.. أما نحن فلا

 الغد

هآرتس
آفي – رام تسوريف وإيلي أوشروف
20/9/2026
 
من الخطاب العام في إسرائيل يظهر الانطباع بأن النقطة المحورية في تحقيق شلومي الدار وروت يوفال هي أن "نتنياهو كان يعرف"، ولم يُبلغ أعضاء المؤسسة الأمنية. إن الميل إلى قراءة التحقيق بهذه الطريقة يختزله إلى نقاش داخلي يحدد طرفين: نتنياهو مقابل المؤسسة الأمنية. بيبي يلغي التحذير الذي كان أعضاء المؤسسة الأمنية سيأخذونه على محمل الجد ويتصرفون بحسبه. وبنفس الطريقة، يتم أيضا تقليص الفترة الزمنية التي يجب تناولها: اللحظة التي سبقت 7 تشرين الأول (أكتوبر)؛ هل عرفوا أم لا؟ في هذا السياق، تبدو المؤسسة الأمنية ناصعة مثل الثلج. وبالطبع، هي أيضا متشددة ومستعدة أكثر لخوض المعركة ومنع المستقبل من الحدوث.
 
 
لكن هناك أمورا أكثر أهمية مخفية في التحقيق. لقد غطت نوعا ليمونا بعضها بالفعل في هذه الصحيفة. وهذا يقوض عدة افتراضات أساسية راسخة في الخطاب الإسرائيلي. الأول من بينها هو أن يحيى السنوار سيهاجم إسرائيل من أجل تحقيق رؤيته الجهادية الأصولية؛ أي أن حماس منظمة تسترشد بأوهام عن احتلال دولة إسرائيل وإقامة الخلافة الإسلامية. إن الجهادية والأصولية مفهومان خاطئان يهدفان إلى إنكار مسؤولية إسرائيل عما يحدث في قطاع غزة.
وحسب التحقيق، لم يكن الأمر تسريبا، بل رسالة متعمدة من السنوار. إذا كان السنوار مدفوعا فقط بطموح مجنون، وهو تدمير إسرائيل، فلماذا أرسل التحذيرات ولم يحافظ على تأثير المفاجأة؟
إلى جانب الإنكار، فإن خيال العدو غير العقلاني يساعد في تبرير أي عمل عسكري تقريبا. مصادر هذا الوصف تكمن فيما أطلق عليه وليام كفانا "أسطورة العنف الديني"، وهو الخطاب الذي يصنف العنف من نوع معين كأنه ينبع من اعتبارات غير عقلانية ويفتقر إلى هدف سياسي، خلافا للعنف الذي تمارسه الدولة، الناشئ عن اعتبارات "الدفاع" و"الأمن". هذه الأسطورة تساعد على إضفاء الشرعية على أي شكل من أشكال العنف الذي ترتكبه الدولة. مع ذلك، يظهر التحقيق أن حماس حركة مختلفة كليا عما يتم تصويره في العادة في الخطاب الإسرائيلي.
القصة الأساسية في المقال، التي تجاهلتها العناوين الرئيسة، ليست التحذير "كما يتلقى رؤساء الأجهزة الأمنية أخبار الصباح"، بل المحادثات التي جرت بين إسرائيل وحماس في العام 2023، والتي كان موضوعها، كما كتب الدار ويوفال، "الرفع التدريجي للحصار عن غزة وزيادة كميات المواد الغذائية والمواد الأولية التي ستدخل إلى القطاع"، ومسألة إطلاق سراح المواطنين الإسرائيليين المحتجزين في غزة.
وحسب التقرير، فإنه مقابل عودة أبرا منغيستو وهشام السيد وجثماني هدار غولدن وأورن شاؤول، طلب السنوار إطلاق سراح 500 سجين من حماس. وبعد ذلك كان مستعدا لخفض العدد إلى 250، وفي النهاية وافق على إطلاق سراح 50 سجينا.
كان الاتفاق على وشك التوقيع، لكن بعد ذلك بدأ نتنياهو يؤجل تنفيذه باستمرار. وتطلب الاتفاق عقد لجنة الأسرى والمفقودين، لكن نتنياهو امتنع عن عقدها. إن تجنبه تنفيذ الاتفاق كان أساس توجه السنوار إلى التحرك العسكري واسع النطاق الذي أعده. ويكشف التقرير أنه حتى اللحظة الأخيرة، في أيلول (سبتمبر) 2023، استمر السنوار في استخدام الوسطاء للضغط على نتنياهو من أجل تنفيذ الاتفاق. بكلمات أخرى، بالنسبة إلى السنوار، تم استخدام التهديد بهجوم غير مسبوق كأداة لتحقيق أهدافه السياسية.
أيضا، ناقش أعضاء في المؤسسة الأمنية التهديد بعد ذلك، واقترحوا القيام بـ"هجوم قوي ومفاجئ". بكلمات أخرى، لم يطالب أعضاء جهاز الأمن بالعودة إلى المفاوضات التي كانوا يعرفون أن نتنياهو يجريها ويماطل في تنفيذها. ولكن الشيء الوحيد الذي كان موجودا في جعبتهم هو قتل الشريك. إن عدم النظر بشكل جدي إلى تهديد السنوار هو الذي أدى إلى المحادثة التي أجراها محمد بن زايد مع نتنياهو، والتي لم يتم إبلاغ المؤسسة الأمنية بها.
التفسير السائد هو أن كل تحركات السنوار ضد نتنياهو كانت خدعة مصممة من أجل الوصول إلى 7 تشرين الأول (أكتوبر). ويشير التقرير إلى واقع مختلف كليا: تبين أن السنوار زعيم وطني لجيب محاصر، أجرى مفاوضات من أجل إنجازات معينة (الإفراج عن السجناء على دفعات صغيرة ورفع جزئي للحصار). ولم يستخدم الخيار العسكري إلا عندما لم يتمكن من تحقيقها.
ويجب أن يدخل بقاؤه الشخصي ضمن منظومة الاعتبارات. ومن كان في مكان السنوار يعرف أن معظم أسلافه في القيادة قُتلوا على يد إسرائيل. ومن لم يُقتل كان محظوظا، مثل خالد مشعل أو محمد ضيف. أجرى السنوار المفاوضات وهو يعرف أن سيف ديموقليص معلق فوق رأسه. صحيح أن معرفة أن الموت يمكن أن يأتيه في أي لحظة قد تدفع الإنسان إلى أحلام كبيرة أو إلى أخذ مخاطرة كبيرة. ولكن يمكن للمرء أيضا أن يتساءل: هل كان متعصب جدير بهذا الاسم سيقوم بإجراء مثل هذه المفاوضات الطويلة مع شخص يمكن أن يقتله حتى قبل انتهاء المحادثات؟
إن مناقشة التعصب الديني الذي تمارسه حماس تساعد معظم الإسرائيليين على إنكار مستوى خطأ إسرائيل في تخفيف الحصار.
إن المفاوضات التي قادها السنوار بشكل غير مباشر مع نتنياهو هي جزء من النمط العملي الذي هو أحد خصائص حماس، وأمها حركة الإخوان المسلمين عبر التاريخ. لقد كانت حماس دائما هي اليمين الفلسطيني المحافظ، وهي، مثل حركات اليمين المحافظة في أرجاء العالم، خلطت بين الدين والقومية. وفي إسرائيل، يتم كثيرا الاستشهاد بمثال حماس، ويبدو أننا نؤمن بهذا الميثاق أكثر من حماس. والحقيقة هي أن الميثاق لا يلعب تقريبا أي دور في سياسة الحركة، خلافا لميثاق م.ت.ف في ذلك الحين، أو إعلان استقلال إسرائيل، على سبيل المثال.
لسنوات كثيرة، كان مؤسس حماس، الشيخ أحمد ياسين، يتمتع بعلاقات ودية مع الحكم العسكري الإسرائيلي وحكومات الليكود، وعمل بتشجيع منهم. وفي مقابلة مثيرة للاهتمام في العام 1998، نشرتها في الشبكة المراسلة أوشرات كوتلر، شرح أحمد ياسين الخطة السياسية لحماس باستخدام مفهوم "الهدنة" (وقف القتال). "أنا أترك الأرض التي احتلتها إسرائيل في العام 1948 للتاريخ وللأجيال القادمة، وأريد حلا بيني وبينكم الآن في هذه الفترة (فيما يتعلق بـ1967)، هو حل قادر على إنهاء الصراع ووقف سفك الدماء. أنا لا أقدم حلا أبديا ودائما. الأجيال القادمة ليست تحت سيطرتي. ولكن لا يمكنني أن أعطي وعدا وبعد ذلك لا أقوم بالوفاء به"، قال في المقابلة.
إن تأجيل مشاكل الحاضر إلى مستقبل مجهول هو نقيض الأصولية، بل هو في الواقع نوع من المحافظة.
أيضا، أظهر التقرير الذي نشرته "هآرتس" بعد أحداث 7 تشرين الأول (أكتوبر) أنه عندما أدرك السنوار نجاح الهجوم، سارع إلى عرض إطلاق سراح الأطفال وكبار السن المخطوفين. يمكن إدانة اختطاف المدنيين، كما فعل معظم العالم، بما في ذلك الكثير من الفلسطينيين. ولكن الأهم هو ملاحظة براغماتية السنوار. فقد شوّهت عملية الاختطاف سمعة حماس عالميا، الأمر الذي دفعها إلى تغيير موقفها، بعد أن كانت تتأرجح بين العنف والتسوية.
من أين ينبع عنف حماس؟ ليس من دوافع دينية أو أيديولوجية، بل هو نتيجة استمرار الاحتلال والحصار. كانت م.ت.ف قبل ذلك تتألف من لاجئين من الجيلين الأول والثاني، في حين تتألف حماس من أبناء وأحفاد هؤلاء اللاجئين. لسنوات كثيرة تعاونوا مع الاحتلال الإسرائيلي ولم ينقلبوا عليه إلا بعد ذلك، مع الاستمرار في التفاوض معه. ومثلما هي الحال مع معظم حركات التحرر الوطني الحديثة، استخدمت حماس العنف كأداة لتحقيق أهداف سياسية.
وقد ازداد عنفها مع ازدياد عنف إسرائيل. ففي عملية "الرصاص المصبوب"، قتلت إسرائيل أكثر من ألف فلسطيني. وفي عملية "الجرف الصامد"، قتلت أكثر من ألفين. وفي مسيرات العودة، قتلت إسرائيل 223 شخصا وأصابت 8 آلاف شخص. لا أحد يتذكر مرضى السرطان والأمراض المزمنة الأخرى أو الأطفال الخدج أو الذين ماتوا بسبب المياه الملوثة في قطاع غزة. ولا يتذكر أيضا آلاف السجناء في السجون. هؤلاء القتلى والسجناء والمحاصرون يفسرون أحداث 7 تشرين الأول (أكتوبر) بشكل أفضل بكثير من الأصولية الدينية.
توجد لإسرائيل أسرار كثيرة، أحدها يتعلق بالأعداء. فهم ليسوا حسودين أو غير عقلانيين، بل هم سياسيون يطمحون إلى حياة مزدهرة وكريمة وتحرر وطني، مثل الكثير من اليهود الإسرائيليين. إن طبيعة العدو الطبيعية هي سر محفوظ جيدا يتم تجنب ذكره، لكنه يظهر بين السطور.
إن النقاش الإسرائيلي التقليدي حول نتنياهو يطغى على استنتاج آخر ظهر في التقرير، وهو الإجماع الساحق على عدم الالتفات إلى مغزى تهديد السنوار، أي محاولة تنفيذ الاتفاق الذي تمت مناقشته. ربما كانت توجد خلافات بين القيادة الإسرائيلية والمؤسسة الأمنية حول جدية التحذير، لكن كان هناك إجماع على ضرورة مواصلة التدمير والقتل والخسارة، وليس الإنقاذ. إذا كان الأمر هكذا، فإن المشكلة ليست في جهلهم، بل في نظرتهم إلى حماس ككيان خارج على المنطق السياسي، وكيان يجب تدميره. هذا الإجماع لا يؤدي إلى الخلاص، بل إلى الإبادة الجماعية.