الدستور
في العلاقة الأمريكية / الإسرائيلية، أيهما يخدم الآخر، هل تخدم أمريكا إسرائيل؟ أم العكس. ومن عودة الرئيس ترامب إلى البيت البيضاوي، والفريق المؤيد لإسرائيل في الإدارة الأمريكية يتقدم ويقترب كثيرًا من صناعة القرار الأمريكي في الشرق الأوسط.
وما يعني أن العلاقة الأمريكية / الإسرائيلية ذاهبة نحو أعمق في التحالف والشراكة، بل الانخراط الأمريكي المباشر في حروب إسرائيل في الإقليم، ودخول واشنطن في مواجهات ضد خصوم إسرائيل.
أمريكا بكل ما تملك من إمكانات استراتيجية ضاربة في الكرة الأرضية، تضعها في خدمة إسرائيل. وإسرائيل بكل إمكاناتها الأيديولوجية الضاربة في أعالي السماء.
وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت أطلقت على إسرائيل «طفلتنا الجميلة في الشرق الأوسط». وبن غفير وزير الأمن القومي الإسرائيلي قال: متى يفهم الأمريكيون لولانا لما كان هذا العالم؟
العلاقة الأمريكية / الإسرائيلية أبعد من مجرد دعم وإسناد أمريكي لإسرائيل في حروبها. بل إن أمريكا تتبنى الأيديولوجيا الإسرائيلية، وسياسات أورشليم، وذلك في غزة والضفة الغربية ولبنان واليمن وسورية وإيران.
في حرب 12 يومًا بين إيران وإسرائيل، أمريكا حسمت الحرب، وتدخلت في هجوم جوي استهدف المنشآت النووية الإيرانية. وفي تاريخ حروب إسرائيل في الإقليم لأول مرة تظهر أمريكا بشكل مباشر وتدخل في مواجهة حية مع خصوم وأعداء إسرائيل. وفي اليمن، اليوم إسرائيل تصعّد إلى مواجهة كبيرة. ويبدو أن واشنطن منحتها هامش دعم لتوسيع نطاق هجماتها العسكرية على اليمن والحوثيين تحديدًا.
وفي الملف السوري، يبدو أنه ثمة ارتباك بين أمريكا وإسرائيل حول تبني الصيغ الاستراتيجية لمستقبل سورية.
وإن كان الرئيس ترامب موقفه قد تحوّل واعترف بالقيادة الجديدة في سورية، ودعا إلى توفير الدعم السياسي والاقتصادي إلى سورية الجديدة.
ونجحت الوساطة التركية في عقد اجتماع بين ترامب والشرع في الرياض.
وبدا أن واشنطن راضية عن التحول الجديد في سورية، وتدعم توفير مظلة سياسية للنظام الجديد في دمشق.
وبيد أن إسرائيل وأنصارها في الإدارة الأمريكية أبدوا قلقًا وامتعاضًا من التقارب الأمريكي / السوري. ويربطون الملف السوري بصيغ الاستراتيجيات الإقليمية الإسرائيلية في ضوء حروبها المشتعلة في الإقليم.
الموقف الأمريكي، وعلى لسان السفير الأمريكي في أنقرة والمبعوث لسورية ولبنان توم باراك، لم يضع تصورًا حول مستقبل وحدة سورية، وهل أمريكا تعارض أم توافق إسرائيل في مشروعها الرامي لتقسيم سورية وفرض شروطها الأحادية على دمشق؟ ظهرت بشكل واضح إشكالية في الموقفين الأمريكي والإسرائيلي إزاء سورية. وفي تل أبيب إصرار على الموقف الرافض لأي انفتاح نحو سورية الجديدة، أو حتى إقامة علاقات أمنية وسياسية.
واليوم، إسرائيل تنظر إلى أنها القوة الإقليمية الوحيدة القادرة على التدخل الفاعل في سورية. وبعدما جردت سورية من الدور الإيراني وحتى الروسي.
وحتى ما بعد سقوط نظام بشار الأسد، فإن إسرائيل نجحت في تقليص النفوذ التركي، وأرجعت تركيا إلى مربع الشمال السوري حصريًا، وقطعت الطريق على حلم أردوغان في الوصول إلى دمشق.
كيف يفكر الأمريكيون في سورية في ضوء الصيغ والتصورات الاستراتيجية الحتمية الإسرائيلية؟ وهل يراهنون على قدرة النظام الجديد في إمساك البلاد والحفاظ على وحدتها، وما هي قدرات وإمكانات النظام في دمشق، وماذا يملك من إسناد إقليمي ودولي؟
من مفردات الاستعصاء السوري، المشكلة الكردية والدرزية والعلوية.
الاتفاق الذي وُقّع في دمشق بين الشرع وعبدي، ما زال موضع خلاف وتردد كردي، والفريق السياسي الكردي في «حركة قسد» ربط العلاقة والالتزام بتنفيذ الاتفاق مع دمشق بالراعي والوسيط الأمريكي.
وقد مرّ على الاتفاق أربعة شهور، وظهرت خلافات واضحة بين الطرفين، وخصوصًا ما يتعلق بمجالات الإدارة والتعليم والأمن، والاندماج العسكري في الجيش السوري الجديد، وطلب قسد من دمشق حل الفصائل والجماعات اللامركزية في شمال وغرب حلب وإدلب، وأيهما أسبق أولًا؟!
وما بين الخلافات «دمشق وقسد» تسرّب ما يشير إلى أن ثمة انقلابًا على الاتفاق الموقّع. وأن ظهيرًا سياسيًا كرديًا طالب عبدي بعدم الالتزام بالاتفاق، والعودة إلى حالة اللااتفاق والتفاهم والتنسيق مع دمشق.
وفي أزمة السويداء، التضارب الأمريكي / الإسرائيلي كان واضحًا. ورغم أن باراك أبلغ الزعامة الدرزية بعدم رغبة أمريكا في الانفصال الإداري والأمني الدرزي، وتهديد السلطة المركزية في دمشق، إلا أن إسرائيل تسعى لعكس ذلك، ولا ترغب في استقرار سورية، وتسعى إلى فرض سيطرة مباشرة، وتهشيم «سلطة دمشق». ولم تُخفِ إسرائيل دعمها المباشر والمتواصل للدروز، وتحديدًا جماعة الهاجري. وتحدث قادة عسكريون إسرائيليون علنًا عن خطوط التماس على الأراضي السورية، وأين ما هو مسموح للجيش السوري الاقتراب منه والابتعاد عنه، وهددوا بالرد والتحرك ضد أي جهة تتعرض لنفوذ إسرائيل وحلفائها في سورية. ماذا تريد إسرائيل؟ لربما هو السؤال الأهم، وخصوصًا في قراءة السياسة الأمريكية إزاء ملفات وأزمات وحروب الإقليم.
ويبدو أنها لا تسعى إلى حلول سلمية وتسويات نهائية واستقرار وسلم إقليمي، وحتى مع النظام السوري الجديد. وبقدر ما تسعى إلى فرض سياسة الأمر الواقع وتثبيت نفوذها واحتلالها الجديد في سورية، وترمي إلى ما هو أبعد في تقسيم سورية.
وطبعًا، إسرائيل تطرح نفسها صاحبة الولاية واليد العليا، تسعى إلى تمكين الدروز من حكم ذاتي، وكذلك الأكراد، وفتح معبر داوود التوراتي، وما يعرف أيضًا بالممر الإنساني، الرابط بين الجولان وجنوب سورية مرورًا بالسويداء، ووصولًا إلى القامشلي والشمال العراقي.