عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    13-Jun-2026

هل استدرجت إسرائيل إلى الوحل اللبناني مرة أخرى؟

 الغد

شيرا عفرون – (فورين أفيرز)  2/6/2026
 
التصعيد الإسرائيلي في لبنان يمنح "حزب الله" فرصة لإحياء سردية المقاومة، بينما لا تستطيع القوة العسكرية وحدها نزع سلاحه أو إعادة السيادة اللبنانية بصورة مستدامة. والطريق الأنجع يمر عبر صفقة سياسية وأمنية متدرجة تربط انسحاب إسرائيل بترجيح كفة الدولة اللبنانية والجيش اللبناني وتجفيف شبكات الحزب العسكرية والمالية.
 
 
على مدار الأسبوع الذي سبق كتابة هذه السطور، تأرجح مسار الصراع في لبنان بشدة بين التصعيد ومحاولات العمل السياسي والدبلوماسي. ففي 30 أيار (مايو) الماضي، اجتمعت وفود عسكرية إسرائيلية ولبنانية في البنتاغون للتحضير لجولة رابعة من المفاوضات الدبلوماسية الرامية إلى إنهاء القتال بين إسرائيل و"حزب الله"، التنظيم المتمركز في لبنان والوكيل الإيراني. لكن بعد يوم واحد فحسب، شعر الإسرائيليون واللبنانيون بإحساس قاتم بتكرار الماضي، حين رفع جنود الجيش الإسرائيلي العلم الإسرائيلي فوق قلعة الشقيف (بوفور)، وهي حصن يعود إلى القرن 12 في جنوب لبنان، ويعد رمزاً مؤلماً للاحتلال الإسرائيلي الذي دام قرابة عقدين وانتهى في العام 2000 من دون تحقيق أي مكاسب استراتيجية. وقد أشاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو باستعادة الحصن معلناً: "لقد عدنا إلى الشقيف أقوى من أي وقت مضى". ثم بعد يوم آخر، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه توسط في اتفاق لوقف القتال بين إسرائيل و"حزب الله".
لكن إسرائيل و"حزب الله" فسرا بيان ترامب بصورة مختلفة، ولم تتوقف المواجهات بينهما، مما يشير، وفقاً للتجربة القريبة، إلى أن هذا التأرجح الاستراتيجي الحاد سيستمر. في منتصف نيسان (أبريل) الماضي، وعقب الجولة الثالثة من المفاوضات، أعلنت واشنطن تمديد وقف إطلاق النار في لبنان لمدة 45 يوماً، غير أن الصراع تكثف باطراد عقب ذلك الإعلان. ووفقاً لمركز "ألما"، وهو مركز بحوث إسرائيلي غير ربحي، شن "حزب الله" خلال الأسبوع الذي بدأ في 25 أيار (مايو) الماضي 227 هجوماً ضد جنود الجيش الإسرائيلي والمدنيين الإسرائيليين باستخدام الصواريخ، والنيران المضادة للدروع، والطائرات المسيرة، مقارنة بـ161 هجوماً في الأسبوع السابق، مع اتساع الرقعة الجغرافية للاستهداف. ونتيجة لذلك، تتعرض بلدات شمال إسرائيل لقصف مستمر أدى إلى نزوح عشرات الآلاف. وفي غضون ذلك، يواصل الجيش الإسرائيلي توسيع ضرباته في عمق لبنان مهدداً بضرب بيروت. ومنذ منتصف نيسان (أبريل) الماضي، دمر قرى كاملة، وقتل، بحسب تقديراته، ما يقارب 800 عنصر من "حزب الله" ومئات المدنيين اللبنانيين، ونشر وحدات كبيرة من فرقتين عسكريتين لإنشاء منطقة عازلة آخذة في التوسع.
يحاول القادة الإسرائيليون الجمع بين مسارين متناقضين عبر الانخراط في جهود دبلوماسية علنية رفيعة المستوى تزامناً مع مواصلة العمليات العسكرية، أملاً في إرضاء جبهات متعددة في آن واحد: إدارة ترامب والعواصم الأوروبية المتلهفة للدبلوماسية من جهة، والإسرائيليين القلقين على أمنهم، لا سيما سكان الشمال، إلى جانب اليمين الإسرائيلي المتطرف الصغير نسبياً، لكنه المؤثر سياسياً، الذي يطالب بالتوسع الإقليمي من جهة أخرى. ومع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية في الخريف، فإن أي إخفاق في الرد بقوة على "حزب الله" سيعرض حكومة نتنياهو لأخطار حقيقية، خاصة وأنها وعدت الإسرائيليين بنصر كامل على إيران وميليشياتها الوكيلة، لا بالتوصل إلى تسويات. وعلى الرغم من أن المضي في المسار الدبلوماسي لا ينطوي على كلفة سياسية داخلية لنتنياهو، إلا أن الالتزام الجدي به لا يمنحه هو الآخر مكاسب واضحة.
يستوجب فهم النهج الإسرائيلي تجاه لبنان استحضار التحول الذي طرأ على العقلية الإسرائيلية بعد السابع من تشرين الأول (أكتوبر). فقد غدت أخطار الانتظار ومراقبة التهديدات وهي تتراكم أكبر من أن تحتمل. ونتيجة لذلك، انتقلت إسرائيل من إعطاء الأولوية للردع إلى عقيدة أمنية تقوم على التأهب الدائم والعمل الوقائي المستمر. وهي تعطي الأولوية لما يسمى "الدفاع الأمامي"، عبر السيطرة على الأراضي، وإنشاء المناطق العازلة، والقبول بخوض حملات عسكرية متواصلة. ولذا أكد نتنياهو أن السيطرة على قلعة الشقيف تمثل "مرحلة دراماتيكية في السياسة التي ننتهجها: لقد كسرنا حاجز الخوف، ونحن نبادر ونعمل على الجبهات كافة، في سورية، وغزة، ولبنان".
غير أن هذا الاستعراض للثقة يخفي إحباطاً متزايداً. وإذا استمرت دينامية التصعيد الحالية، فإنها ستبدد فرصة نادرة أمام إسرائيل ولبنان لتحقيق هدف استراتيجي مشترك. فكلاهما يريد نزع سلاح "حزب الله" واستعادة سيادة لبنان. ومنذ أن هاجمت إسرائيل والولايات المتحدة إيران في أواخر شباط (فبراير) الماضي، أوضح "حزب الله" أكثر من أي وقت مضى أن ولاءه النهائي هو لإيران، لا للشعب اللبناني. لكن نزع سلاح هذه الميليشيات يتطلب دبلوماسية صبورة وخطوات متدرجة. فالدولة اللبنانية وحدها هي القادرة على نزع سلاح الحزب بصورة شرعية ومستدامة.
لا تستطيع إسرائيل أن تستبدل الشرعية بالقوة العسكرية، لكنها تستطيع المساعدة في تهيئة الظروف التي تمكن بيروت من استعادة سيادتها. ولهذا ينبغي أن تتحرك المفاوضات الجارية هذه الأيام بوتيرة أكثر إلحاحاً، وأن تهدف إلى ما هو أبعد من مجرد تمديد وقف إطلاق النار الهش واحتواء الصراع في جنوب لبنان. وإذا لم تفض هذه المحادثات إلى نهج مختلف جذرياً وتحقق فوائد ملموسة للبنانيين والإسرائيليين على حد سواء، فإن عودة الحرب الشاملة ستكون حتمية، وستتلاشى الآمال في إضعاف "حزب الله" بصورة دائمة وتحقيق السلام.
مَن يزرع الريح يحصد العاصفة
بدأت إسرائيل التخطيط لحملة جديدة ضد "حزب الله" في الفترة الممتدة من منتصف إلى أواخر العام 2025. وكان وقف إطلاق النار في تشرين الثاني (نوفمبر) 2024 قد أنهى حرباً استمرت عاماً كاملاً، اندلعت عقب قيام الجماعة الشيعية المسلحة بقصف شمال إسرائيل تضامناً مع "حماس" في غزة. ولكن بعد أشهر عدة، قدرت الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية أن "حزب الله" استعاد جزءاً من قدراته العسكرية وبات قادراً مجدداً على تشكيل تهديد خطر لإسرائيل. وعلى الرغم من أن الحكومة اللبنانية الجديدة التي تولت السلطة في شباط (فبراير) 2025 اقترحت خطة طموحة لنزع سلاح الحزب، فإنها لم تكن تمتلك القدرة ولا الإرادة السياسية الكافية لإنجاز هذه المهمة الضخمة ضمن إطار زمني مقبول.
وجاءت الضغوط الأميركية والاستعدادات للحرب الأميركية - الإسرائيلية المشتركة ضد إيران لتنحي الخطط الإسرائيلية بشأن لبنان جانباً. ولكن بعد بدء الحملة ضد إيران بفترة وجيزة، اعتقدت إسرائيل في البداية أنها استدرجت "حزب الله" إلى خرق وقف إطلاق النار عندما أطلق وابلاً من الصواريخ نحو شمال إسرائيل انتقاماً لاغتيال المرشد الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي. بيد أنه قد يكون من الأدق القول إن إسرائيل وقعت من دون قصد في فخ. فطوال العام 2025، استفادت البلاد مما وصفه بعض المحللين الإسرائيليين بأنه "وقف إطلاق نار مريح إلى حد الترف"، إذ احتفظت بحرية التحرك استباقياً ضد التهديدات، وأبقت موطئ قدم عسكرياً في خمس نقاط داخل لبنان، بينما امتنع "حزب الله" عن التحرك. وكانت إسرائيل مستعدة لرد "حزب الله" على مقتل خامنئي. ورأت في ذلك فرصة لشن هجوم أوسع، مفترضة أن مواجهة جماعة منهكة، تراجعت صلاتها بإيران وانخفض الدعم الذي تتلقاه منها، ستكون محدودة ويمكن السيطرة عليها. لكن العكس هو ما حدث، إذ أصبحت صلات "حزب الله" بطهران أقوى، وتحول الحزب إلى تنظيم حرب عصابات منتشر ولا مركزي. وحلت محل ضبط النفس الذي أبداه سابقاً تكتيكات أكثر جرأة تهدف إلى إلحاق خسائر فادحة بجنود الجيش الإسرائيلي في لبنان وببلدات شمال إسرائيل.
على الرغم من أن الحملة العسكرية الإسرائيلية عانت إخفاقات استراتيجية وتكتيكية، وعلى رأسها ضعفها أمام تكتيكات "حزب الله" المحدثة في استخدام الطائرات المسيرة، فإنها حققت سلسلة من المكاسب. فقد قتلت، بحسب إسرائيل، نحو 3.000 مقاتل من "حزب الله"، بمن فيهم عدد من القادة البارزين، منذ مطلع مارس (آذار) الماضي. ودمرت شبكة أنفاق تابعة للحزب تمتد لما يقرب من ميل، وصادرت عشرات مخابئ الأسلحة، ودمرت قاذفات صواريخ وبنى تحتية عسكرية في منازل ومنشآت أخرى في قرى لبنانية، وسيطرت على أراض تمتد حتى ستة أميال داخل عمق جنوب لبنان وتشكل نحو خمسة في المئة من مساحة البلاد. غير أن هذه الحملة كانت مكلفة للغاية أيضاً، إذ قتل أكثر من 3.000 لبناني، بينهم مدنيون، ونزح ما يربو على 1.5 مليون شخص، في حين أسفرت ضربات "حزب الله" عن مقتل عشرات الجنود والمدنيين الإسرائيليين وإصابة المئات، وأجبرت عشرات الآلاف من سكان شمال إسرائيل على مغادرة منازلهم، فيما يعيش من بقي منهم تحت تهديد دائم.
الحقيقة هي أنه لا يوجد حل عسكري للمشكلة التي يمثلها "حزب الله". فالمنطقة العازلة قد تمنع التوغلات البرية والقذائف قصيرة المدى، لكنها غير فعالة في منع الهجمات الصاروخية أو تفكيك خلايا "حزب الله" في مناطق أبعد شمالاً. في منتصف آذار (مارس)، أظهرت تقارير الجيش الإسرائيلي نفسه أن معظم الصواريخ التي استهدفت شمال إسرائيل انطلقت من شمال نهر الليطاني، وهي منطقة تقع خارج النطاق الذي يمكن لإسرائيل الاحتفاظ به واقعياً من دون احتلال لبنان بالكامل.
كما أن الاحتلال طويل الأمد لجنوب لبنان ينطوي على أخطار جمة، إذ سيعرض القوات الإسرائيلية لحرب عصابات مستمرة، ويتحول إلى عبء سياسي داخلي ضخم مع توالي الخسائر البشرية، تماماً كما يثبت التاريخ. فبين العامين 1982 و2000، أنشأت إسرائيل منطقة أمنية في لبنان أملاً في إبعاد التهديدات عن المدنيين، لكن هذا الاحتلال الممتد كبدها أرواحاً كثيرة من الجنود وقوات الاحتياط، واستنزف موارد الدولة، وفجر احتجاجات داخلية عارمة أجبرتها في النهاية على الانسحاب في العام 2000 من دون تحقيق مكاسب استراتيجية، تاركة خلفها خصماً أكثر شعبية وقدرة. والنهج الذي فشل في جلب الأمن خلال الثمانينيات والتسعينيات لن ينجح اليوم، بل قد تكون ارتداداته العكسية أسوأ في وقت تبدو خلاله فرصة إضعاف "حزب الله" أو نزع سلاحه ممكنة للمرة الأولى منذ عقود.
خطوة إلى الأمام وخطوتان إلى الوراء
واصلت إسرائيل نهجها الهجومي تجاه لبنان على الرغم من إخفاقاته، لأن هذا النهج أصبح أيضاً حجر الأساس لعقيدة أمنية جديدة وأوسع نطاقاً. فقبل صدمة السابع من تشرين الأول (أكتوبر)، استندت العقيدة الإسرائيلية إلى ثلاث ركائز: بناء ردع موثوق؛ وإنشاء أنظمة إنذار مبكر للهجمات؛ وتطوير قدرات دفاعية وعسكرية تتيح تحقيق انتصارات سريعة وحاسمة في الحرب. ولأن إسرائيل دولة صغيرة تواجه تهديدات عدة، أبدى قادتها أيضاً تفضيلاً لترتيبات تفاوضية تطيل الفترات الفاصلة بين الحروب، بما يمنح الجيش والاقتصاد والسكان وقتاً للتعافي. وعلى الرغم من أن المؤسسة الدفاعية الإسرائيلية كانت ترى في "حزب الله" التهديد التقليدي الأخطر والأقرب، فإنها استخدمت استراتيجية "الهدوء مقابل الهدوء" للحفاظ على استقرار قصير الأجل، مفضلة تحمل الاستفزازات المحدودة على تنفيذ ضربات انتقامية قد تفجر حرباً على الحدود الشمالية.
ولكن في السابع من تشرين الأول (أكتوبر)، انهارت هذه الركائز الأمنية الثلاث بالكامل. وبدلاً من مساءلة أسباب الفشل وإصلاح مؤسسات الأمن القومي، اتجهت إسرائيل نحو عقيدة جديدة قائمة على المنع الاستباقي. وهذا الموقف يرسخ دورة دائمة من الصراع. إلى جانب الغارات المستمرة، واستعراض القوة الجوية، والعمليات الخاصة، تؤكد العقيدة الجديدة تدابير الدفاع الأمامي، وهو تعبير ملطف عن الاستيلاء على أراض في الدول المجاورة من خلال إنشاء مناطق عازلة.
مما لا شك فيه أن عجز لبنان عن فرض سيادته يستمر في تشكيل تهديد أمني ملموس لإسرائيل. فعلى مدى عقود، شكلت الأراضي اللبنانية منطلقاً استخدمته أطراف خارجية لشن هجمات على الأراضي الإسرائيلية، بدءاً من منظمة التحرير الفلسطينية بين العامين 1968 و1982، وصولاً إلى "حزب الله"، وكيل إيران اليوم. بيد أن "حزب الله" هو حركة سياسية واجتماعية عميقة الجذور في لبنان إلى جانب كونه وكيلاً لإيران. فهو يدير خدمات اجتماعية، ويبني شبكات نفوذ ورعاية، ويتبنى سردية المقاومة لملء الفراغ الذي تخلفه الدولة الضعيفة. ومن ثم، لا يمكن أن تقتصر مواجهته على الأدوات العسكرية فحسب.
لم توافق إسرائيل على المحادثات مع لبنان في منتصف نيسان (أبريل) الماضي إلا بناءً على طلب ترامب، بعدما تجاهلت دعوات الرئيس اللبناني جوزيف عون للتفاوض في آذار (مارس) الماضي. ومع بدء المحادثات في نيسان (أبريل) الماضي، حاولت إسرائيل إرسال إشارات توحي بانفتاحها على السلام بالتوازي مع تطبيق عقيدتها الجديدة. وصرح وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر بأن بلاده "ليست لديها أطماع إقليمية في لبنان". غير أن مسؤولين إسرائيليين بارزين آخرين تبنوا نبرة توسعية واضحة. ففي 26 أيار (مايو) الماضي، كتب وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير: "يتعين علينا قطع الكهرباء [عن لبنان]، وإغلاق المفتاح، وإفهامهم بوضوح: إذا وُجد الإرهاب، فستتحملون العواقب"، محذراً من أنه إذا لم تفرض الحكومة اللبنانية سيطرتها على "’حزب الله‘، فإن المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني "ستتحول إلى منطقة أمنية عازلة لدولة إسرائيل".
وحاول نتنياهو الجمع بين الأمرين. في بيان صدر في 16 نيسان (أبريل) الماضي، أعلن أن إسرائيل أمامها "فرصة لصياغة اتفاق سلام تاريخي مع لبنان"، لكنه وضع في البيان نفسه بقاء المنطقة العازلة شرطاً مسبقاً للمحادثات، قائلاً: "سنبقى في لبنان ضمن منطقة أمنية عازلة معززة. وهذه ليست النقاط الخمس التي كانت قائمة قبل عملية (زئير الأسد)، بل حزام أمني يبدأ من البحر ويستمر إلى جبل دوف (مزارع شبعا) وسفوح جبل الشيخ وصولاً إلى الحدود السورية. إنه شريط أمني بعمق 10 كيلومترات، وهو أكثر قوة وكثافة وتماسكاً وصلابة مما كان لدينا سابقاً. نحن هناك ولن نغادر". وفي الأسابيع الستة الدامية التي تلت ذلك، ازدادت خطاباته تشدداً.
قد يخدم إبرام اتفاق والتقاط صورة تذكارية مع عون سردية نتنياهو المحلية بأنه يحقق لإسرائيل "السلام من خلال القوة". لكن الواقع يشير إلى أن حكومته تواجه ضغوطاً شعبية وسياسية هائلة لتكثيف حملتها في لبنان رداً على استخدام "حزب الله" الفتاك للطائرات المسيرة الموجهة بمنظور الشخص الأول (FPV). وهو تكتيك كان متوقعاً على نطاق واسع، لكن إسرائيل بدت غير مستعدة له على نحو محرج. إن الإسرائيليين يريدون الأمن، ويستخفون بالدور الذي يمكن لعملية السلام أن تلعبه في تحقيقه. وقد لخص المحلل الليبرالي المخضرم، ناحوم برنيع، هذا المزاج العام حين كتب: "إن إسرائيل لا تحتاج اعترافاً من لبنان، ولا تحتاج سلاماً، ولا تحتاج حباً. إنها تحتاج أمراً واحداً فقط: ألا تخترق الصواريخ أو المسيرات الحدود، ولبنان عاجز عن توفير ذلك".
كما أن تصعيد العمليات في لبنان يحقق غرضاً سياسياً. فكل يوم يتصدر فيه "حزب الله" أو الخصوم الآخرون العناوين هو يوم يمر من دون نقاش جاد حول تشكيل لجنة تحقيق وطنية في الأخطاء الكارثية للحكومة قبل السابع من تشرين الأول (أكتوبر) وخلاله؛ أو الالتفات إلى محاكمة رئيس الوزراء في قضايا الفساد. وذلك فضلاً عن أن إقامة المناطق العازلة ترضي اليمين الديني المتطرف في إسرائيل، الذي يتطلع إلى ضم المزيد من الأراضي في بلاد الشام. وعلى الرغم من أن هذه المجموعة لا تمثل سوى أقلية هامشية من الناخبين، فإنها تشكل عنصراً أساساً في ائتلاف نتنياهو. وسيكون من شأن التصعيد في لبنان أيضاً إعاقة التوصل إلى تفاهمات أميركية - إيرانية تعارضها إسرائيل. بينما تحاول واشنطن وطهران صياغة إطار عمل، أفادت وكالة "تسنيم" الإيرانية في الأول من حزيران (يونيو) الجاري بتوقف المحادثات جراء العمليات الإسرائيلية في لبنان، حيث تشترط طهران وقف الهجمات الإسرائيلية والانسحاب إلى الحدود كتمهيد لأي اتفاق أوسع.
كسر النمط المتكرر
تخفي نبرة الاستعراض التي يبديها نتنياهو مأزقاً حقيقياً. فالمزاوجة بين الدبلوماسية والعمليات العسكرية في آن واحد شلت جهود إسرائيل في كلا المسارين. وقد اقتبس سفير إسرائيل في واشنطن وممثلها في المحادثات، يحيئيل ليتر، مقولة لرئيس الوزراء السابق إسحاق رابين مصاغة بسياق جديد: "التركيز منصب الآن على... التوصل إلى معاهدة سلام وكأنه لا يوجد ’حزب الله‘، ومحاربة ’حزب الله‘ وكأنه لا يوجد مسار سلام، وأعتقد أننا سنحقق الأمرين معاً". ولكن بهذه الوتيرة، لن يكون أي من الهدفين قابلاً للتحقيق.
يدرك الإسرائيليون العاديون أن النهج الراهن لا يعزز أمنهم على المدى الطويل. وأظهر استطلاع رأي أجراه معهد دراسات الأمن القومي في 26 نيسان (أبريل) الماضي أن 69 في المئة من الإسرائيليين المستطلعة آراؤهم يوافقون على أن "الحملة ضد ’حزب الله‘ يجب أن تستمر". لكن 62 في المائة يعارضون في المقابل فكرة أن "الحملة الحالية في لبنان ستجلب هدوءاً أمنياً طويل المدى". كما عبّر 84 في المائة عن قلقهم البالغ من الوضع الأمني في لبنان، بزيادة حادة عن 51 في المائة في شباط (فبراير) الماضي. وهو قلق عابر للاصطفافات الحزبية، حيث شارك فيه 84 في المائة ممن صوتوا لائتلاف نتنياهو نفسه.
أصبح الإحباط يتسرب إلى نفوس الإسرائيليين جراء تكرار نمط مستمر، إذ يوجه جيشهم ضربات مكلفة تكتيكياً لـ"حزب الله"، لكنها تعجز عن تحقيق الوعود الاستراتيجية الكبرى التي تطرحها النخبة السياسية للجمهور، مما يتركهم في خيبة أمل متكررة من الوعود المتفائلة.
إن نزع سلاح قوة شبه عسكرية تمثل في الوقت عينه حركة سياسية واجتماعية كبرى يعد مهمة معقدة، حتى في ظروف أكثر مواتاة. وهي مهمة لا تنجح سريعاً إلا إذا وافقت الجماعة المسلحة طوعاً على توقيع معاهدة سلام مقابل إدماجها في السياسة الرسمية، كما فعلت القوات المسلحة الثورية في كولومبيا (فارك) مطلع العقد الماضي؛ أو عبر تدخل تحالف دولي يدمج الميليشيات قسراً في هيكل دولة جديدة، مثل ما فعلت الأمم المتحدة وحلف شمال الأطلسي مع جيش تحرير كوسوفو في أواخر التسعينيات. وحتى في حالة الجيش الجمهوري الإيرلندي، استغرق نزع السلاح سبعة أعوام عقب التوصل إلى اتفاق سياسي. أما في لبنان، فتحاول إسرائيل استخدام ضغط عسكري خارجي لإجبار طرف ثالث، وهو الدولة اللبنانية الهشة والمنقسمة، على نزع سلاح ميليشيات غير متعاونة، مما يجعل القضية والإطار الزمني في غاية التعقيد.
مع ذلك، يظل نزع سلاح "حزب الله" ضرورة ملحة للإسرائيليين واللبنانيين على حد سواء. وفيما تكبل إسرائيل نفسها داخل هذا المأزق الاستراتيجي، فإنها تخاطر بإهدار فرصة قد لا تتكرر لجيل كامل. فالشارع اللبناني ضاق ذرعاً بممارسات "حزب الله"، وشهد الخطاب العام تحولات خلقت فرصة تاريخية، إذ ابتعد قادة سياسيون ونشطاء لبنانيون بارزون علناً عن "حزب الله" منذ تغيير الحكومة في أوائل العام 2025، وتحدثوا عن السلام مع إسرائيل. وهو أمر كان يندرج سابقاً ضمن المحرمات. بل إن بعض الشخصيات اللبنانية غازلت فكرة الانخراط الدبلوماسي المحدود. وأظهر استطلاع أجرته في أيار (مايو) الماضي مؤسسة "الدولية للمعلومات"، وهي شركة بحوث واستشارات مستقلة في بيروت، أن غالبية اللبنانيين تؤيد السلام مع إسرائيل. غير أن بقاء الوجود الإسرائيلي لفترة ممتدة من دون أفق دبلوماسي ملموس قد يعيد إحياء سردية المقاومة لدى "حزب الله"، ويغذي جهوده لتقديم نفسه كمدافع ضروري ضد الاحتلال.
يجب ترجمة الأقوال إلى أفعال
إن المحادثات التي تقودها الولايات المتحدة بين الحكومتين الإسرائيلية واللبنانية محدودة منذ البداية بحكم تصميمها. فبسبب اقتراب الانتخابات الإسرائيلية في الخريف، لا يملك فريق التفاوض سوى سلطة محدودة، ناهيك عن الافتقار إلى أي قدرة على بحث انسحاب الجيش الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية في المستقبل المنظور. ويحافظ استمرار المفاوضات على الرغم من التصعيد الميداني نظرياً على مسار محتمل للتقدم. غير أن القادة الإسرائيليين، شأنهم شأن القادة اللبنانيين، سيحتاجون قريباً إلى إثبات أن هذه العملية السلمية تقدم مكاسب ملموسة لجمهور كل طرف.
إن الحكومة اللبنانية ومعظم شعبها هم شركاء لإسرائيل، وينبغي التعامل معهم على هذا الأساس في الطريق الطويل والشاق لنزع سلاح "حزب الله". وكإجراء فوري لبناء الثقة، يتعين على القادة الإسرائيليين، ونتنياهو تحديداً، صياغة موقف واضح بأن إسرائيل ليست لديها أطماع إقليمية طويلة الأجل في لبنان، وأن وجود الجيش الإسرائيلي في الجزء الجنوبي من البلاد موقت فحسب. وينبغي لإسرائيل تجنب تحصين وجودها وقبول انسحاب جزئي كجزء من الاتفاق الأميركي - الإيراني، إذا وُقع، مما يوفر لإسرائيل مخرجاً تشتد الحاجة إليه عبر تقليص منطقتها العازلة الممتدة، والعودة إلى التلال الخمسة الأصلية التي كانت تسيطر عليها عند وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024.
وعلى رغم الضغوط الداخلية الداعية إلى التصعيد العسكري، يبقى ضبط النفس العملياتي أمراً بالغ الأهمية. فالضربات العشوائية، وبخاصة في بيروت، وتدمير القرى، وتشييد منشآت دائمة على الأراضي اللبنانية، تقوض الشرعية الداخلية للحكومة اللبنانية وقدرتها على مواجهة "حزب الله"، وتخاطر بإعادة تلميع صورة الجماعة كحام للمدنيين اللبنانيين. ويجب على إسرائيل ضبط عملياتها بدقة لتقتصر على إضعاف القدرة القتالية لـ"حزب الله" مع الحفاظ على البنية التحتية المدنية التي تحتاج إليها الدولة اللبنانية لتوسيع سلطتها.
يمكن لإسرائيل تقديم إجراءات فورية لبناء الثقة يسهل تسويقها داخلياً، مثل مشاريع المياه في الأحواض النهرية المشتركة، ومبادرات التعاون في قطاع الطاقة لتخفيف أزمة الكهرباء في لبنان، وتسهيل زيارات المواقع المقدسة للحجاج اللبنانيين، وإجراء مراجعة تدريجية لأوضاع المعتقلين اللبنانيين المحتجزين في إسرائيل ممن لا ينتمون إلى "حزب الله". هذه الإجراءات لا تعد تنازلات، بل استثماراً في استقرار دولة مجاورة، وتمنح بيروت مساحة سياسية للوقوف في وجه "حزب الله"، ومواصلة التفاوض، والرد بخطوات مماثلة، كإلغاء القانون الذي يجرم كل اتصال مباشر أو غير مباشر بين اللبنانيين والإسرائيليين.
وعلى القادة الإسرائيليين مصارحة جمهورهم وإعادة ضبط التوقعات. فالمبالغة في تصوير الانتصارات لا تولد سوى الإحباط الشعبي. وينبغي لهم التوقف عن وصف الحكومة اللبنانية وجيشها بالعجز، والاعتراف بما أُنجز حتى الآن لتفكيك نفوذ "حزب الله"، والذي شمل، وفقاً للقيادة المركزية الأميركية، تفكيك ما يقارب 10 آلاف قذيفة صاروخية ونحو 400 صاروخ، وإعادة بسط السيطرة على مطار بيروت، وهو عقدة رئيسة في شبكة التهريب التي تمول الحزب، وإبعاد الضباط المرتبطين بـ"حزب الله" من الأدوار الحساسة، ونشر قوات على الحدود الشرقية للبلاد مع سورية، وفتح ملفات الاستخبارات العسكرية حول عناصر "حزب الله". وفي خطوة واعدة أخرى، فرض البنك المركزي اللبناني حظراً وإجراءات رقابية مشددة غير مسبوقة على مؤسسة "القرض الحسن"، وهي المؤسسة المصرفية الموازية لـ"حزب الله". 
في الوقت نفسه، يجب على إسرائيل والولايات المتحدة التحلي بالواقعية حيال ما لم تفعله الدولة اللبنانية بعد، وتحديد الفجوات في القدرة والإرادة بوضوح لمحاسبتها. ويتعين على فريق التفاوض الأميركي تحويل قائمة المبادئ إلى خريطة طريق واضحة يوقع عليها لبنان وإسرائيل وتحدد التزامات واضحة لكلا البلدين. ويجب أن تنص هذه الخطة على تعزيز قدرات القوات المسلحة اللبنانية، مشروطاً باستبعاد المرتبطين بـ"حزب الله" من صفوفها، وتفكيك شبكات الرعاية والتمويل التابعة للحزب، وتفعيل إجراءات مكافحة الفساد في لبنان، وإعادة الخدمات الأساسية إلى المناطق الشيعية. ويجب أن تحدد خريطة الطريق المسؤوليات، وتضع أطراً زمنية واقعية، مع إشراك شركاء لتقديم حوافز مالية تجعل نزع سلاح "حزب الله"، وإعادة النازحين وإعادة إعمار مجتمعاتهم، والتنمية الاقتصادية أموراً ممكنة. وسيمنح الالتزام بمثل هذه الخطة إسرائيل مزايا دبلوماسية في أوروبا حيث يتراجع دعمها بصورة حادة، وفي الدول العربية التي تطمح إلى تطبيع العلاقات الدبلوماسية معها، ولا سيما السعودية، المرشح الرئيسي لتمويل إعادة إعمار لبنان.
ينبغي لخريطة الطريق هذه أن ترسم مساراً لانسحاب تدريجي للجيش الإسرائيلي يرتبط باستيفاء لبنان معايير واضحة، بحيث تتولى القوات المسلحة اللبنانية، بعد إخضاع عناصرها للتدقيق الأمني والتدريب والتجهيز بموجب برنامج تقوده الولايات المتحدة، المسؤولية الأمنية في أنحاء الجنوب كافة مع إضعاف البنية العسكرية لـ"حزب الله" بصورة موثقة وقابلة للتحقق. وخلافاً لبعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام في لبنان، التي فشلت في مراقبة "حزب الله" بصورة شاملة والتي تقترب ولايتها من الانتهاء هذا الصيف، ينبغي لمراقبين أميركيين وأوروبيين تقييم التقدم اللبناني وفق معايير واضحة: كمية أسلحة "حزب الله" التي جرى تفكيكها، وعدد نقاط التفتيش التي أنشئت لمنع الحزب من إعادة ترسيخ وجوده في معاقله السابقة، وعدد القوات الأمنية التي نشرت على طول الحدود اللبنانية مع إسرائيل.
ويمكن لإسرائيل أيضاً أن تعرض اتفاق لعدم التعدي أو حتى اتفاق سلام مشروطاً، يكون جاهزاً للتوقيع بمجرد تراجع وجود "حزب الله". وفي هذا السياق، من شأن حل النزاعات الحدودية البرية بين إسرائيل ولبنان أن يحقق ثلاثة أهداف: تقويض رواية "حزب الله" بوصفه مدافعاً عن لبنان؛ وتمكين القادة السياسيين من إظهار تقدم من دون انتظار تسوية شاملة؛ وإظهار إسرائيل للبنان والمجتمع الدولي أنها لا تسعى إلى حرب دائمة.
تجد إسرائيل نفسها أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن تقبل بصفقة صعبة تقوم على الجمع بين الردع المحسوب والإجراءات العسكرية الموقتة من جهة، والمبادرات الواضحة لتعزيز قدرات الدولة اللبنانية ونزع الشرعية عن "حزب الله" من جهة أخرى؛ وإما أن تواصل الاعتماد على سياسات المنع والعقاب، التي تعطي الأولوية للعمليات العسكرية الهجومية المستمرة على حساب الدبلوماسية الصبورة، وتتحمل تبعاتها العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية المتزايدة. لكن ذلك، على المديين القريب والبعيد، لن يؤدي إلا إلى الوقوع في فخ "حزب الله".
*شيرا عفرون: زميلة أولى في مؤسسة "راند" وتشغل فيها كرسي دراسات السياسات الإسرائيلية المرموق. الترجمة لصحيفة الإندبندت، حيث نشرت في 7 حزيران (يونيو) 2026.