الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
ساسان فَيازمانيش* - (كاونتربنش) 13/3/2026
أثارت الحرب الأميركية الثانية على إيران خلال أقل من عام سؤالًا ملحًّا في وسائل الإعلام الشعبية: ما هو المبرر الحقيقي لهذه الحرب، ولماذا يتغيّر هذا المبرر باستمرار؟ هل السبب أن المفاوضات مع إيران بشأن برنامجها النووي لم تكن تحرز تقدمًا؟ أم لأن إيران كانت على وشك تطوير أسلحة نووية؟ أم لأن الصواريخ الباليستية الإيرانية كانت على وشك أن تصل إلى الولايات المتحدة؟ أم لأن إسرائيل كانت ستهاجم إيران، فاتخذت الولايات المتحدة إجراءات استباقية لضمان سلامة الأميركيين؟ أم لأن الحكومة الإيرانية كانت تنتهك حقوق الإنسان؟ أم أن هناك سببًا آخر؟
لم تتمكن الصحافة في الولايات المتحدة من فهم هذا التغيّر في المبررات. لكن هذا واقع يثير الاستغراب. هل كانت وسائل الإعلام نائمة طوال العقود القليلة الماضية؟
قبل ربع قرن، كنتُ قد قدمتُ عرضًا عن السياسة الخارجية الأميركية تجاه إيران في مؤتمر للاقتصاد. واختتمتُ عرضي بقول إن سياسة الولايات المتحدة في منطقة الخليج الفارسي كانت سلسلة من "السياسات المؤسفة قصيرة النظر"، مستعيرًا هذه العبارة من وزيرة الخارجية الأميركية السابقة، مادلين أولبرايت. وجادلتُ بأن هذه السياسات أسهمت في إطالة عمر الحكومة الثيوقراطية في إيران. وقد اعتقدت أنه من دون التهديد الدائم بوجود أعداء خارجيين، ما كان لدى هذه الحكومة من تُلقي عليه اللوم في مشكلاتها الاجتماعية والاقتصادية سوى نفسها.
في ورقتي البحثية أوضحت كيف أن إسرائيل وجماعات الضغط التابعة لها في الولايات المتحدة كانت المهندس الرئيسي للسياسة الأميركية. وشرحتُ كيف طوّرت هذه الجهات ثلاثة مبررات -أو "خطايا" كما وصفتُها- لتبرير معاقبة إيران:
- انتشار أسلحة الدمار الشامل؛
- ودعم "الإرهاب"؛
- ومعارضة "عملية السلام" في أوسلو بين إسرائيل والفلسطينيين.
لكنني أكدت أن الهدف الحقيقي لإسرائيل كان دائمًا إسقاط الجمهورية الإسلامية -وهو الهدف الذي أصبح يُعرف الآن على نطاق واسع باسم "تغيير النظام". وكان المنطق وراء هذا الهدف هو أن إيران والعراق كانتا الدولتين الوحيدتين في الشرق الأوسط اللتين تقفان عقبة أمام تحقيق "إسرائيل الكبرى" (إيريتس يسرائيل)، التي كان يُراد لها أن تشمل الضفة الغربية وغزة، وربما مناطق أخرى أيضًا.
في وقت لاحق، نُشرت ورقة البحث التي قدمتها في المؤتمر في شكل مقال في مجلة اقتصادية، ثم توسعَت لاحقًا لتصبح كتابًا من مجلدين. وفي هذا الكتاب ناقشت "الخطايا" الثلاث الأصلية، ولاحظتُ أن معارضة إيران لعملية السلام في أوسلو أُهملت لاحقًا عندما ابتعدت إسرائيل نفسها عن هذه العملية. ولكن مع مرور الوقت أُضيفت "خطايا" جديدة إلى الخطيئتين المتبقيتين. ووصفتُ ذلك بأنه "قائمة خيارات" لإسقاط الحكومة الإيرانية. على سبيل المثال، وسّع المحافظون الجدد في إدارة جورج دبليو بوش هذه القائمة لتشمل اتهام إيران بزعزعة استقرار أفغانستان، وإيواء تنظيم القاعدة، وافتقارها إلى الديمقراطية، وخضوعها لحكم أشخاص غير منتخبين، وانتهاكها حقوق الإنسان، وعدم حمايتها حقوق المرأة، وعدم كونها دولة حديثة تتطلع إلى المستقبل، وغير ذلك.
كما جادلتُ أيضًا بأن المحافظين الجدد استخدموا "قائمة خيارات" مماثلة لمهاجمة العراق، حتى مع أن إسرائيل كانت تضغط عليهم لمهاجمة إيران بدلًا من ذلك. لكنهم لم يتمكنوا من إقناع جورج بوش، وهو رئيس محدود القدرات الفكرية، بالموافقة على قصف إيران. قبل مهاجمة العراق، كان بوش -كما قيل- يتحدث عن رؤى يرى فيها نفسه وهو يتحدث إلى الله.
وكما كتبت في أعمالي الأكاديمية وفي مجلة "كاونتربنش"، فإن بنيامين نتنياهو، الذي أصفه بأنه تجسيد الشر الأكبر في إسرائيل وجزار غزة، لم يقبل بالرفض، وظل يضغط على كل إدارة أميركية لمهاجمة إيران. لكنه لم يحقق نجاحًا، إلى أن وصل إلى السلطة في الولايات المتحدة رجل مضطرب محاطٌ بقنوات نفوذ إسرائيلية، من بينها صهره وأحد أصدقائه من رجال العقارات.
هذا الرجل -الذي لا يستطيع حتى هذا اليوم أن ينطق باسم الجنرال الإيراني الذي أمر باغتياله في العام 2020، ولا اسم "المرشد الأعلى" لإيران الذي ساعد على قتله في العام 2026- فعل في النهاية ما كان بنيامين نتنياهو يريده أن يحدث: مهاجمة إيران نيابة عن إسرائيل.
لكن الهجوم الأول، كما كتبت في مقالي الذي نُشر في تموز (يوليو) 2025 في هذه المجلة، لم يحقق هدف نتنياهو المتمثل في "تغيير النظام" وإعادة النظام الملكي إلى إيران. ولذلك واصل نتنياهو الضغط. وفي إطار هذا المسعى قام بزيارة البيت الأبيض مرات عديدة منذ تموز (يوليو) 2025 للتخطيط للموت والدمار في إيران.
بحلول الوقت الحالي، كما لاحظ كثير من المراقبين الأذكياء، كان مرمى الهدف قد تغيّر بحيث لم يعد يُقتصر على "تغيير النظام" فحسب، وإنما يتعدى ذلك إلى تفكيك إيران نفسها أيضًا- وهو أمر كانت إسرائيل قد عبثت مع فكرته من قبل، كما جادلتُ في أعمالي. والفكرة هي أنه: سيكون من شأن فصل كردستان، وربما بلوشستان وأذربيجان وخوزستان وغيرها- عن إيران أن يضمن عدم وجود دولة في المنطقة قادرة على إفساد حلم تأسيس "إسرائيل الكبرى".
سرعان ما اتبع الرجل المجنون في البيت الأبيض -وكذلك وكالة الاستخبارات المركزية التابعة له- نصيحة الجزار الإسرائيلي وهرعوا إلى إشعال انتفاضة في كردستان، في لعبة قاسية كانت قد لُعبت على الأكراد مرات عديدة من قبل، بما في ذلك في العراق وسورية. لكنّ الأفراد لم يقعوا هذه المرة في الفخ الإسرائيلي-الأميركي، ويبدو أن الفكرة قد أُسقطت. ولذلك، في الوقت الراهن، يواصل الرجل المجنون في البيت الأبيض وصديقه المتعطش للدماء في القدس قتل وتدمير كل ما يقع في مرمى نظرهما في إيران. أما ما سيأتي لاحقًا، في اللحظة التي تُكتب فيها هذه المقالة، فشيء يتجاوز حدود التنبؤ. عندما يكون ثمة مجانين طلقاء، يمكن أن يحدث أي شيء.
لذلك، إذا لم تكن تعرف هذا من قبل، فإن الولايات المتحدة هاجمت إيران لسبب واحد فقط لا غير: إسرائيل. على مدى عقود ظلت إسرائيل -ذلك الوحش الفرانكشتايني الذي أنشأته الولايات المتحدة والأوروبيون- تحث الولايات المتحدة على شن حرب مدمرة ضد إيران. وقد حقق الإسرائيليون أخيرًا النتيجة التي كانوا يرغبون فيها. وإذا كنتَ تعتقد أن في هذا أي مبالغة، فما عليك سوى أن تستمع فقط إلى ما قاله بنيامين نتنياهو بعد يوم واحد من بدء الهجوم الثاني على إيران:
"نحن في حملة نُسخّر فيها كامل قوة جيش الدفاع الإسرائيلي للمعركة، كما لم يحدث من قبل، من أجل ضمان وجودنا ومستقبلنا. لكننا نجلب إلى هذه الحملة أيضًا مساعدة الولايات المتحدة، صديقي رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب، والجيش الأميركي. إن هذا التحالف من القوى يتيح لنا أن نفعل ما كنتُ أتوق إلى فعله منذ أربعين عامًا: أن نضرب نظام الإرهاب ضربًا مبرحًا. هذا ما وعدت به -وهذا ما سنفعله".
(تصريح رئيس الوزراء نتنياهو - 1 آذار/ مارس 2026)
أما كل المبررات الأخرى التي قُدمت لهذه الحرب، فمحض هراء. إن إيران لا تمتلك سلاحًا نوويًا، ولا تملك حتى خطة لتطوير مثل هذا السلاح. ووفقًا لما يقوله مجتمع الاستخبارات الأميركي نفسه، فقد أوقفت إيران برنامجها للأسلحة النووية في العام 2003. وفي السنوات الأخيرة قامت بتخصيب اليورانيوم إلى ما يقرب من 60 في المائة كورقة مساومة لرفع العقوبات الخانقة التي فرضتها الولايات المتحدة وشركاؤها الأوروبيون على البلد طوال أكثر من أربعة عقود. وقد حاولَت مرارًا التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة للحد من مستوى التخصيب وتخفيف اليورانيوم عالي التخصيب مقابل تخفيف العقوبات، ولكن من دون جدوى. كما أن إيران لا تمتلك صواريخ باليستية قادرة على الوصول إلى الولايات المتحدة. ويمكن لهذه الصواريخ الإيرانية أن تصل في أفضل الأحوال إلى جنوب أوروبا.
وبذلك، لا تشكّل إيران تهديدًا للولايات المتحدة، لا بأسلحة نووية ولا بصواريخ باليستية. نعم، إن الجمهورية الإسلامية قاسية عندما يتعلق الأمر بالمعارضة. لكن القوة الأكثر وحشية وأعظم ناشر للعنف في العالم اليوم هي إسرائيل -والولايات المتحدة ليست بعيدة عنها. ومن الصعب تصديق أن هاتين القوتين قد تقلقان في أي يومٍ بشأن المعارضين في إيران. في نهاية المطاف، لم يكن لدى الولايات المتحدة وإسرائيل أي اعتراض على انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبها نظام الشاه قبل الثورة الإسلامية في العام 1979.
اختتمت عرضي في العام 2001 بقول إن "السياسات المؤسفة قصيرة النظر" التي تنتهجها الولايات المتحدة لم تكن تفعل سوى إطالة عمر الحكومة الثيوقراطية في إيران. ويبدو أننا انتقلنا الآن، بعد مرور ربع قرن على تلك المحاضرة، من السياسات قصيرة النظر إلى عالم السياسات المجنونة والإجرامية. وبغض النظر عن التسمية التي تُطلق على السياسات الأميركية، فإن النتيجة كانت ضمان استمرار النظام الثيوقراطي في إيران. ولنتأمل هذا المثال: خَلَف "المرشد الأعلى" البالغ من العمر 86 عامًا ابنه البالغ من العمر 56 عامًا، وهو سيناريو كان من غير المرجح أن يحدث لولا أفعال المجانين في واشنطن والقدس.
*ساسان فَيازمانيش Sasan Fayazmanesh: اقتصادي إيراني-أميركي وأستاذ فخري للاقتصاد في جامعة ولاية كاليفورنيا - فريسنو في الولايات المتحدة. تخصّص في الاقتصاد السياسي والعلاقات الاقتصادية الدولية، مع تركيز خاص على سياسات الولايات المتحدة تجاه إيران والشرق الأوسط. نشر عددًا من الدراسات والكتب الأكاديمية حول العقوبات والسياسة الخارجية الأميركية، من أبرزها كتاب "احتواء إيران: سياسة ’الدبلوماسية الصارمة‘ في عهد أوباما" Containing Iran: Obama’s Policy of Tough Diplomacy؛ كما كتب مقالات تحليلية في مجلات ومواقع فكرية مثل "كاونتربنش". تتناول أعماله غالبًا تأثير جماعات الضغط والسياسة الجيوسياسية في تشكيل العلاقات الأميركية-الإيرانية.
*نُشر هذا المقال تحت عنوان: It’s Israel, Stupid!