عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    24-Aug-2025

هوس الثراء السريع.. حينما يصبح وهما يطارد أحلام الشباب

 الغد-رشا كناكرية

 قصص نجاح وثراء سريعة وتبدل في الأوضاع المادية؛ هذا ما يراه متصفحو مواقع التواصل الاجتماعي عبر منصاتها، من خلال فيديوهات لأشخاص ينتقلون إلى قمة النجاح والثراء بسرعة وسهولة.
 
 
تغزو مواقع التواصل الاجتماعي بمختلف منصاتها، العديد من الحكايات عن تحولات كبيرة في حياة أشخاص حول العالم، وحصولهم على المال والربح وصعودهم سلم الثراء بقصص قد تكون بعيدة عن الواقع، من دون تعب أو جهد أو عمل حقيقي.
ورغم أن هذه القصص قد تبدو حقيقية في ظاهرها، إلا أن هناك جزءا مخفيا لا يعرض لرواد هذه المنصات. وقد تركت هذه الحكايات أثرا واضحا على المجتمعات، وأوجدت ما يعرف بظاهرة "هوس الثروة السريعة" بين الشباب.
الواقع اليوم يظهر أن كثيرا من الشباب ينظرون إلى هؤلاء الأشخاص كقدوة، ويسعون وراء الثراء السريع من دون تخطيط أو ضوابط منطقية، وهو توجه يعكس رغبة جامحة في تحقيق الشهرة والثراء من دون بذل جهد طويل المدى.
دراسة حديثة كشفت عن تحذيرات خبراء من هذا الهوس الذي يدمر طموحات الشباب ويقودهم إلى الفشل، مؤكدة أن "هوس الثروة السريعة" ظاهرة خطيرة تسيطر على عقولهم وتجعلهم يتخلون عن العمل الجاد لصالح أحلام الكسب السهل، التي غالبا ما تنتهي بالإفلاس والفشل.
وتدفع هذه الخسائر كثيرين للبحث عن فرص مشابهة لتعويض ما فقدوه، ما يخلق دائرة مفرغة من الفشل المستمر. وهنا يبقى السؤال: كيف يحمي الشباب أنفسهم من هوس الثروة السريعة؟
وبدوره يبين الخبير الاجتماعي الاقتصادي حسام عايش، أن هوس الثراء السريع هو نزعة نفسية اجتماعية ثقافية تنتشر بين فئة الشباب بشكل كبير وتتمثل بالسعي وراء تحقيق أرباح وعوائد مالية كبيرة خلال فترة زمنية قصيرة.
ويوضح عايش أن هذه الظاهرة منتشرة عالميا وبالذات في الدول ذات الكثافة السكانية العالية بين فئة الشباب، حيث فرص العمل الاعتيادية إما أنها غير متوفرة وهذا واقع الحال والعائد منها يكون منخفضا قياسا للتوقعات من العائد المرتفع جدا من مثل هذه المشاريع.
ويشير عايش إلى أن هناك انتشارا لمجموعات تداول وهمية ومشاريع إلكترونية غير مرخصة تستهدف الشباب وتؤثر عليهم بشكل عاطفي، لافتا أن الشاب لا يعلم سلفا إمكانية الخسارة في مسعاه وإمكانية تبديد وقت طويل دون تحقيق العائد المرجو أو يكون أقل من عائد أي وظيفة تقليدية كان يمكن أن يقوم بها وتحقق له سيرة ذاتية يمكن أن يستخدمها في مسار وظيفي أكثر هدوءا وأمنا وضمانة للحصول على العائد.
ويبين عايش ان هذا السلوك يسمى الاستثمار العاطفي أو الدارج بمعنى أنه يتسق مع النزعة السائدة الآن في السوق ويكون أقرب إلى سلوك "القطيع" وهو مصطلح مستخدم في علم النفس والاقتصاد وعلوم الاستثمار حيث تتحكم العواطف وليس التحليل المنطقي والقراءة العقلانية في اتخاذ القرار.
ويذكر عايش أن المجالات التي ينظر إليها على أنها تحقق هذا الثراء السريع عديدة منها العملات الرقمية، التداول في الأسهم الرقمية، التسويق الشبكي أو الهرمي والربح من الإنترنت دون توفر أو امتلاك مهارات حقيقية، مثل التداول الآلي أو التطبيقات الإلكترونية المختلفة أو الإعلانات على منصات التواصل الاجتماعي دون أن تتضمن نموذج عمل حقيقي في الواقع.
وهذه المجالات المتوفرة ويتم الاعلان عنها بكثرة؛ تغري الشباب بالعوائد العالية بحسب عايش، ولكنها غالبا تحمل مخاطر عالية أيضا وتفتقر إلى الرقابة والتنظيم القانوني أو الضوابط لمنع الاحتيال أو فقدان الثروة والوقت، من أجل عوائد أحيانا تكون وهمية أو أن الجهد المبذول للحصول عليها أكبر بكثير مما يتوقع هؤلاء الشباب.
والحقيقة بحسب عايش أن نسبة النجاح المتوقعة في هذه المجالات التي تدفع إلى هذا النوع من الهوس بالثراء السريع ليست كبيرة إنما منخفضة، ففي التداول دراسات كثيرة تشير إلى أن أقل من 10 % من الأفراد يحققون أرباحا مستدامة.
ويتابع، في العملات الرقمية هناك نسبة كبيرة من المستثمرين يدخلون عندما تكون الأسعار مرتفعة ويخسرون عند الهبوط ويتكبدون خسائر من الصعب تعويضها، وفي التسويق الشبكي هناك أكثر من 90 % من المشاركين لا يحققون أرباحا حقيقية.
ووفقا لذلك يظهر هذا الأمر، أن وهم النجاح السهل أو الثراء السريع هو انطباع خادع ومجرد طعم لاستقطاب هؤلاء الشباب، وبالتالي فليس هناك "رابح رابح" وإنما هناك "رابح خاسر"، مبينا أن هذا الانطباع الخادع بأن الجميع يربح هو ناجم عن تسليط الضوء على الحالات النادرة للثراء المفاجئ.
ويقول عايش "من يعتقد أن الربح السريع سيوفر له إمكانيات لأن يكون ذلك برنامج حياة له أعتقد أنه سيواجه أيضا مخاطر هائلة فإن الربح السريع مآله خسائر سريعة"، مبينا أن الشاب ينساق وراء هذا الربح بدون حساب العواقب أو وضع ضوابط وتوقف عند حدود معينة ولذلك كثيرون ممن حققوا أرباحا سريعة خسروها في مرحلة لاحقة.
ويذكر عايش أن ظروفا أخرى زادت من إقبال الشباب على هذه النوعية من المشاريع منها جائحة كورونا وارتفاع البطالة وزيادة وقت الفراغ واعتبار الجميع أن الهاتف الذكي أصبح أداة التواصل مع العالم وأنه أصبح إحدى القوى المهيمنة على تفكير وعقل الشباب وتوجيههم.
وينوه أن أدوات الذكاء الصناعي الحالية تزين لمستخدمي الهاتف الذكي الوسائل والأدوات والطرق التي تدفعهم للانخراط في هذه النوعية من المشاريع، خاصة مع تكرر الإعلانات والدعايات والأخبار المتعلقة بالموضوع ذي العلاقة بالربح السريع والاهتمام يذهب إلى هذه النوعية من الأنشطة. والشباب يعيشون تحت ضغط هذه الأخبار والإعلانات المستمرة التي تدفعهم للانخراط بها حتى لو كان لديهم ضوابط أولية.
الى ذلك، فإن ضعف الثقافة المالية أدت إلى هذا الانخراط السريع في فرص مشبوهة بدافع الطموح أو الحاجة أو الغنى والربح السريع.
ويرجح عايش أنه في بعض الأحيان الدخول في مشاريع غير مدروسة يكون فقط لأنها ترند ومحاولة لتقليد المؤثرين الذين يعرضون أنماط حياة فاخرة ومثيرة.
ويشير إلى أن لهذه الظاهرة آثارا اقتصادية واجتماعية على الشباب، فاقتصاديا خسارة رأس المال الشخصي وتراكم الديون لأسباب تتعلق بالاقتراض لتمويل مشاريع غير مضمونة النتائج والانسحاب من سوق العمل التقليدي بسبب الأوهام الرقمية.
واجتماعيا؛ فإن لم تتحقق النتائج المرجوة يصاب الشباب بالإحباط وفقدان الثقة بالنفس، وكما أن هذه الظاهرة سمحت بمزيد من الفجوات داخل المجتمع بمعنى أنها تزيد من الفجوة الطبقية بسبب المقارنات المستمرة مع المؤثرين أو الناجحين ظاهرياً.
وبذلك تؤدي إلى انتشار النماذج السلبية في المجتمع بحسب عايش، مثل التفاخر بالمال السريع دون قيمة إنتاجية والتي أحياناً تحبط هؤلاء الذين يبحثون عن أعمال وأنشطة حقيقية، وكأن المجتمع يتحول إلى لاهث وراء ثروة رقمية تخيلية أكثر من بحثه عن فرص العمل الحقيقية.
ويشدد عايش انه للتعامل مع مخاطر الكسب السريع لا بد أن نعزز الثقافة المالية وهذا يستدعي أن تكون جزءاً من المناهج في التعليم من خلال ما يسمى بالاقتصاد السلوكي أو الريادي. ايضا رقابة حكومية أكبر على الإعلانات الرقمية ومتابعة الأنشطة الاستثمارية غير المرخصة، بالاضافة الى حملات التوعية عبر الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي لكشف أدوات وأسلوب التداعي المالي الحديثة.
إلى جانب تحفيز المشاريع الصغيرة والمتوسطة وشركات ناشئة وتوفير دعم حقيقي لها حيث يتحول الشباب إلى المشاريع الحقيقية، والتشجيع على الادخار والاستثمار عبر أدوات رسمية مختلفة مثل صناديق الاستثمار المشترك أو التمويل الأصغر وغيرها.
وهنالك أهمية بتوفر قصص نجاح حقيقية من رواد الأعمال الأردنيين الذين بنوا أعمالا تدرجوا فيها نجاحا وعائدا مستقرا وآمنا ومبني على أنشطة حقيقية وليس على قفزات هوائية رقمية.
المستشار الإعلامي والمدرب المتخصص في التسويق والعلاقات العامة بشير مريش، بين أن أسباب الأقبال على ظاهرة الثراء السريع عديدة، أهمها نفسية، فالرغبة في تحقيق النجاح السريع وضغط المقارنة مع الآخرين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ومشاعر الإثارة والمخاطرة فبعض الشباب يجدون في هذه الاستثمارات شعورًا بالحماس والمغامرة، خاصة في سن يتسم بالبحث عن التجارب الجديدة.
ومن جهة أخرى هنالك أسباب اجتماعية بحسب مريش، وفي مقدمتها المقارنة الاجتماعية ورؤية الأقران أو المؤثرين يحققون أرباحًا ويظهرون حياة مترفة، وثقافة الاستهلاك الفوري والميل إلى الحصول على النتائج والمكافآت بسرعة، دون صبر على المسارات التقليدية لبناء الثروة.
ايضا؛ غياب الوعي المالي ونقص في التعليم المالي في المدارس والجامعات، مما يجعل الشباب أكثر عرضة للخداع.
وهنالك اسباب اقتصادية بحسب عايش، منها قلة فرص العمل الجيدة ففي بعض الأسواق، الوظائف المتاحة لا تحقق طموحات الشباب المادية، فيلجأون لخيارات "بديلة" للربح، بالإضافة للتضخم وارتفاع الأسعار يدفع البعض للبحث عن مصادر دخل سريعة تعوض تراجع القوة الشرائية.
ويضيف مريش أن التسويق الرقمي والإعلانات الموجهة أحد الأسباب إذ تستخدم المنصات بيانات المستخدمين لاستهداف الفئات الأكثر عرضة، مثل الشباب الباحثين عن دخل إضافي.
ومن جهة أخرى، يؤكد مريش أن المؤثرين يلعبون دورًا كبيرًا في إقناع المتابعين من خلال عرض أسلوب حياة فخم وادعاء أن مصدره هذه الاستثمارات، والتلاعب بالمحتوى وإخفاء المخاطر والتركيز على الأرباح المحتملة، مع صور وفيديوهات مثيرة لجذب الانتباه.
ويذكر أن مخاطر الكسب السريع عديدة أولا الخسائر المالية الكبيرة، والتذبذب العالي فالعملات المشفرة والأسواق المالية ذات المخاطر العالية يمكن أن تهبط قيمتها بشكل مفاجئ، ما يؤدي لخسارة جزء أو كامل رأس المال.
ووفق مريش، فإن هنالك ما يسمى بالرافعة المالية بعض المنصات تتيح التداول بالهامش، ما يضاعف الأرباح والخسائر، وغالبًا ما يؤدي للإفلاس السريع، الى جانب الاحتيال والنصب والمشاريع الوهمية وانتشار مشاريع "البلوك تشين" المزيفة أو العملات الاحتيالية التي تختفي فجأة، والتداول الوهمي إذ إن بعض المنصات غير المرخصة تستغل المستثمرين وتمنعهم من سحب أموالهم.
من جانب آخر، قد يعاني الشباب من الضغط النفسي والقلق المستمر، حيث إن متابعة الأسعار لحظة بلحظة تسبب توترًا كبيرًا وتؤثر على النوم والحياة اليومية، والتداول المفرط يمكن أن يتحول لسلوك إدماني يشبه المقامرة.
ولمعالجة ظاهرة الانجراف وراء الثراء السريع، يؤكد مريش، "بأننا نحتاج إلى خطة متكاملة تدمج التوعية، التدريب، والتشجيع على الممارسات الاستثمارية السليمة". ومن أهم الأساليب إدخال الثقافة المالية في التعليم بمناهج مدرسية وجامعية لتشرح أساسيات المال، الادخار، والاستثمار الآمن، الى حانب تقديم أمثلة عملية على الفرق بين الاستثمار قصير المدى عالي المخاطر والاستثمار طويل المدى الآمن.
وهنالك حاجة الى حملات توعية إعلامية ورقمية، وإنتاج محتوى على وسائل التواصل الاجتماعي بلغة الشباب يشرح مخاطر الكسب السريع، ونشر قصص حقيقية عن أشخاص خسروا أموالهم بسبب الاستثمار غير المدروس، والتعاون مع المؤثرين الموثوقين لنشر ثقافة الاستثمار المسؤول.
ويشدد مريش على أهمية تعليم الشباب مبدأ الاستثمار بالمبالغ الصغيرة وزيادتها تدريجيًا مع اكتساب الخبرة، وكذلك الترويج لمنتجات مالية آمنة مثل الصناديق المشتركة أو الودائع البنكية، وتوفير منصات موثوقة للمشورة مثل إنشاء مراكز استشارات مالية للشباب سواء حكومية أو بالتعاون مع القطاع الخاص ومنصات إلكترونية تقدم معلومات محايدة وشفافة عن المشاريع الاستثمارية والفرص الحقيقية.
ويختم مريش حديثه مؤكدا أهمية غرس مبدأ "الربح الواقعي" بدل "الربح الخيالي" وتعزيز الفهم بأن بناء الثروة هي عملية تراكمية تحتاج "وقتا+ صبرا+ إستراتيجية"، ومحاربة وهم الربح السريع من خلال مقارنات بين قصص النجاح الحقيقية والمشاريع الوهمية.