الدستور
تعيش منطقتنا العربية حالة من عدم الاستقرار الأمني، تفاقمت خلال السنوات الأخيرة بفعل صراعات لم تكن طرفًا في إشعالها، لكنها تتحمل جانبًا كبيرًا من تداعياتها بسبب المصالح والأطماع الدولية.
ففي السودان، وبعد سقوط الرئيس السابق عمر البشير، إثر احتجاجات ومظاهرات شعبية ومرحلة من الاضطراب السياسي، انتهت باندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، خلّفت حتى الآن آلاف القتلى وملايين النازحين الذين يواجهون ظروفًا معيشية قاسية، فضلًا عن تدمير البنية التحتية التي كانت تعاني أصلًا من التدهور.
وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة، تتواصل معاناة الفلسطينيين جراء ما تقوم به دولة الاحتلال من قصف واعتقالات وحصار.
فيما خلّفت الحرب التي شنتها دولة الاحتلال على قطاع غزة دمارًا واسعًا طال القطاعات الصحية والتعليمية والبنية التحتية، وأوقعت أعدادًا هائلة من الشهداء والجرحى،وحوّلت القطاع إلى مناطق يصعب العيش فيها.
وتفاقمت المأساة مع عرقلة دخول المساعدات الإنسانية، بعد أن ضربت اسرائيل كل الالتزامات المرتبطة بالاتفاقات التي رعتها الولايات المتحدة ودول أخرى بعرض الحائط اضافة إلى ما يقوم به قطيع المستوطنين من اعتداءات يومية على الفلسطينيين وممتلكاتهم.
وامتدت تداعيات الصراع إلى إيران، حيث أدّت المواجهات العسكرية مع الولايات المتحدة وإسرائيل إلى تصعيد إقليمي انعكست آثاره على أمن المنطقة واقتصادها، لا سيما مع التهديدات والهجمات التي طالت المنشآت النفطية وحركة الملاحة في مضيق هرمز، وما رافقها من مخاوف بشأن صادرات النفط والغاز وأسعارهما، الأمر الذي اجج الساحة اليمنية التي تجدد فيها التصعيد، وسط صراع داخلي وتداخل المصالح الإقليمية، فيما امتدت الهجمات إلى منشآت وأهداف داخل السعودية، بما يهدد أمن المنطقة واستقرارها.
وهكذا، يجد العرب أنفسهم أمام معادلة صعبة، فأطراف تشعل الصراعات، وشعوب تتحمل كلفتها البشرية والاقتصادية، من ارتفاع الأسعار إلى تراجع فرص التنمية وتفاقم الأزمات المعيشية.
إن ما تشهده المنطقة يجب أن يشكّل درسًا لدولها بضرورة حماية مصالحها وتنويع تحالفاتها الدولية، وعدم الارتهان لطرف واحد.
فالقوة لا تكمن في الانحياز المطلق إلى محور بعينه، بل في امتلاك رؤية توازن بين المصالح، وتمنح الأولوية لأمن الشعوب واستقرارها، ومن دون ذلك، ستظل المنطقة عرضة لصراعات يدفع أبناؤها ثمنها، بينما تبقى القوى البعيدة عن ميادين القتال أقل تأثرًا بتداعياتها المباشرة.