الغد
منذ عام 1967 برز مفهوم الجبهة الداخلية في الخطاب السياسي والإعلامي الأردني باعتباره شرطًا للأمن الوطني وأساسًا للصمود. جاءت الهزيمة والنزوح حدثين مؤسِّسين؛ إذ أنتج النزوح كتلاً سكانية في المخيمات تحمل هوية نضالية «ساطعة»، فيما وُجهت إلى الأردن اتهامات إقليمية جائرة حول الهزيمة وصلت حد التشكيك في موقفه واتهامه بالتآمر. عندها ظهر في الذهن السياسي خطر “الآخر” داخل الأسوار، وكأنه تهديد بالانقسام والطعن في شرعية الدولة.
في مطلع السبعينيات تجسّد هذا “الآخر” عبر المنظمات المسلحة التي تحولت إلى دولة داخل الدولة. المواجهة كانت ضد هذه التنظيمات لا ضد المواطنين، لكن المخيال السياسي ربط بينهما فصوّر المخيمات كبيئة حاضنة. خرجت هذه الكتل من التجربة ببصمة “الآخر”، وهي صورة ظلّت مؤثرة لعقود لاحقة.
مع فك الارتباط عام 1988 بدا وكأن مبررات وحدة 1950 قد سقطت. القرار جاء في سياق مشروع إقليمي ودولي، اتضح لاحقًا أنه موجَّه ضد الأردن وفلسطين معًا، داخليًا فتح القرار باب التشكيك بالوحدة، وأعاد سؤال المواطنة إلى الواجهة. برز اتجاه في المخيال السياسي نحو إعادة هندسة المواطنة، تحت هاجس “فصل الآخر”، وعززت بعض الإجراءات هذا الانطباع. وقد واجه المرحوم جلالة الملك الحسين ذلك مباشرة بخطابه الشهير معلنًا أن أي طاعن في أردنية الفلسطينيين هو عدوه الشخصي.
بعد عام واحد فقط فجّرت الأزمة الاقتصادية عام 1989 احتجاجات واسعة بدأت من مدن الجنوب وامتدت إلى محافظات أخرى. ورغم أن المطالب كانت معيشية ووطنية عامة، إلا أن المخيال السياسي أعاد إنتاج صورة المخيمات كبؤر هشاشة محتملة، وهو ربط غير موضوعي.
في التسعينيات جاءت معاهدة وادي عربة عام 1994 لتشكل ذروة الانقسام، وركز الخطاب الرسمي على أن وحدة الجبهة الداخلية شرط لإنجاح خيار السلام، بينما أعاد المخيال السياسي ربط المعارضة بالقوى الإسلامية والقومية. لكن الواقع كشف أن المعارضة كانت وطنية عابرة للأصول، وشارك فيها شخصيات «رسمية» بارزة من شرق الأردن، ما أكد أن الخلاف كان سياسيًا لا هوياتيًا.
مع مطلع الألفية برز الإرهاب كتهديد مباشر للجبهة الداخلية، وبلغ ذروته في تفجيرات عمّان عام 2005. الخطاب الرسمي قدّم الوحدة الوطنية كخط الدفاع الأول، فيما ربط المخيال السياسي جزئيًا الخطر بالقوى الإسلامية، خصوصًا مع بروز الزرقاوي كنموذج “للداخل المهدِّد”. لكن الواقع أثبت أن الأردنيين اصطفوا جميعًا ضد الإرهاب، وأن التهديد كان فكريًا عابرًا للحدود.
عام 2011 واجه الأردن حراك الربيع العربي. الخطاب الرسمي طرح الإصلاح كخيار استراتيجي لتفادي الفوضى، فيما استعاد المخيال السياسي صورة “الآخر” عبر تصوير بعض القوى الإسلامية كتهديد للنظام. لكن الواقع كشف أن الحراك في عمومه كان وطنيًا عامًا بمطالبه الإصلاحية، ولم يتحول إلى انقسام داخلي.
ومع حرب غزة عام 2023 عاد مفهوم الجبهة الداخلية إلى الواجهة. خرجت مظاهرات حاشدة في عمّان ومدن أخرى رفضًا للعدوان الإسرائيلي ومشروع التهجير، فأظهرت اصطفافًا وطنيًا واسعًا. الخطاب الرسمي شدد على أن أي حل للقضية الفلسطينية لن يكون على حساب الأردن، وهو ما التقى مع الموقف الشعبي، فكان الانسجام بين الدولة والشارع في أعلى مراتبه. في المقابل ظل القلق في المخيال السياسي من احتمال تحوّل الغضب الشعبي، ولا سيما لدى القوى الإسلامية، إلى اضطراب داخلي. لكن الواقع أكد أن الخطر الحقيقي لم يأتِ من الداخل، بل من المشاريع الإسرائيلية التي تستهدف الأردن وفلسطين معًا.
خلاصة هذه المراحل أن “حصان طروادة” لم يكن يومًا داخل المجتمع الأردني، بل في المخيال السياسي الذي غذّته مخاوف بعض النخب المتخمة بعدم الثقة والتشكيك. أما الواقع فأثبت أن الأردنيين، شرقًا وغربًا، ظلوا يصطفون خلف دولتهم ونظامهم في مواجهة التهديدات الكبرى. المشاحنات الشعبية التي برزت عبر العقود ليست استثناءً أردنيًا، بل جزءًا من طبيعة الأمم التي تدير تفاعلاتها داخل الإطار الوطني.
اليوم لا يكمن التحدي في صناعة سرديات جديدة، بل في البناء على السردية الواقعية التي عاشها الناس: التعايش، السلمية، والحفاظ على المكتسبات. المطلوب هو دمج شامل لكل المواطنين في ثمار التنمية، بما يعزز المواطنة الكاملة ويجعل الجبهة الداخلية مصدر قوة متجددة، لا موضوع ريبة وشك أو توتر جنابك