عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    15-Sep-2026

التاريخ الحقيقي: "الحرب على الإرهاب" كانت حرب إرهاب

 الغد

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
نورمان سولومون* - (إن ديبث نيوز) 2026/9/11 
بعد ثلاثة أيام من قتل إرهابيين قرابة 3.000 شخص في الولايات المتحدة في 11 أيلول (سبتمبر) 2001، وقف الرئيس جورج دبليو. بوش خلف منبر في الكاتدرائية الوطنية بواشنطن، وتحدث إلى أمة مأخوذة بالصدمة. وقال: "لقد أصبحت مسؤوليتنا تجاه التاريخ واضحة الآن: أن نرد على هذه الهجمات ونخلّص العالم من الشر".
 
 
وبطبيعة الحال، كان هذا التعهّد غير معقول وأقرب إلى العبث. لكنّ "الحرب على الإرهاب" التي أعقبت ذلك كانت بالكاد أكثر واقعية.
في حديث إلى مشاهدي شبكة (سي. سبان) التلفزيونية الإخباري أدلى به في العام 2002، قال الجنرال المتقاعد في الجيش الأميركي، وليام أودوم: "الإرهاب ليس عدوًا. ولا يمكن هزيمته. إنه تكتيك". وأضاف: "لا يقل قول إننا نعلن حربًا على هجمات ليلية ونتوقع أننا سننتصر في تلك الحرب عبثية عن ذلك. نحن لن ننتصر في الحرب على الإرهاب".
لكن الحملة العسكرية الأميركية أصبحت معنيّة بالاستمرار أكثر من عنايتها بالانتصار. وتحول زخم العنف المفرط إلى مبرر لذاته بذاته. وكان البحث التدميري عن الأعداء يخلق المزيد منهم. ومع مرور السنوات وخفوت تسمية "الحرب على الإرهاب"، أصبحت الحرب الأميركية شأنًا اعتياديًا إلى تمامًا في أماكن كثيرة بحيث لم تعد في حاجة إلى اسم، ولا إلى قدر كبير من التبرير.
لكن الرغبة في الانتقام من أهوال 11 أيلول (سبتمبر) كانت قبل 25 عامًا  فورية. وقد امتزج الخوف بالغضب وتحولا إلى وقود عالي الاشتعال لآلة الحرب. فجأة، أصبحت المشاعر الجارفة التي استحوذت على الرأي العام منسجمة تمامًا مع سيكولوجيا المجمع الصناعي العسكري الذي كان مهيأً للقتل واسع النطاق.
لم يكن أيٌّ من الخاطفين التسعة عشر أفغانيًا، وكانت صلات زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن بدول أخرى أوثق بكثير. لكنّ وجوده في أفغانستان وضع ذلك البلد في مصلب تصويب البنتاغون. ولم يكن السؤال المطروح في وسائل الإعلام الأميركية يتعلق بما إذا كان ينبغي مهاجمة أفغانستان، وإنما متى ستتم مهاجمتها. وجاءت الإجابة في 7 تشرين الأول (أكتوبر)، عندما بدأت الصواريخ الأميركية تتفجر في أفغانستان. وبعد ساعات، أظهر استطلاع للرأي أجرته "مؤسسة غالوب" أن "90 في المائة من الأميركيين يؤيدون إقدام الولايات المتحدة على هذا العمل العسكري، في حين يعارضه 5 في المائة فقط، بينما لم يحسم 5 في المائة آخرون موقفهم".
ظلت الحرب الجوية تحظى بشعبية كبيرة في الولايات المتحدة. وكان وزير الدفاع آنذاك، دونالد رامسفيلد، يعقد إحاطات صحفية يومية تُبث مباشرة على شاشات التلفزة، والتي دفعته إلى مصاف الشخصيات التي تحظى بإعجاب واسع على المستوى الوطني. وفي تلك الآونة، ترسخ نمط تأسس على افتراض أن الحرب الأميركية حسنة النية بطبيعتها، وأن أثرها الفعلي حميد. ولم يكن لمقتل أشخاص تحت قصف القنابل الأميركية، أو مقتل آخرين بوسائل أقل مباشرة، أي وزن يُذكر. وقال رامسفيلد مؤكدًا على هذا التصور: "إن قدرات الاستهداف، والعناية التي تُبذل في عملية الاستهداف لضمان إصابة الأهداف المحددة بدقة وعدم إصابة أهداف أخرى، هي شؤون مثيرة للإعجاب بالقدر الذي مكن أن يراه كل مراقب". وأضاف: "إن الأسلحة المستخدمة اليوم تتمتع بدرجة من الدقة لم يحلم بها أحد من قبل".
ولقي أسلوب رامسفيلد استحسانًا هائلًا. وهتف مراسل صحيفة "واشنطن بوست" لشؤون الإعلام، هوارد كورتز: "الجميع ينحنون إجلالًا أمام قوة البنتاغون الجبارة"، واصفًا رامسفيلد بأنه "نجم الروك الجديد لأميركا". وفي ذلك الشتاء، وبعد سقوط حكومة طالبان، هنّأ مقدم برنامج "واجِه الصحافة" على شبكة (إن بي سي) رامسفيلد على الهواء، وقال له: "إنك تبلغ التاسعة والستين من العمر وأنت رجل أميركا الوسيم".
بعد ذلك، اعتمدت الحرب في العراق التي بدأت بغزو في آذار (مارس) 2003 على استخدام قوة جوية هائلة وعلى وجود أكثر من 150 ألف جندي أميركي على الأرض. وسرعان ما سقطت ديكتاتورية صدام حسين، لكن "النزهة العسكرية" الموعودة سرعان ما تحولت إلى عام بعد عام من القتال والمجازر. وكانت وسائل الإعلام الأميركية السائدة مرتاحة إلى حد كبير للقصف من علٍ، الذي كان يُقدَّم بوصفه تجسيدًا للبراعة القوة الجوية الأميركية. لكن حصيلة القتلى الأميركيين والإصابات البالغة شرعت في استنزاف الحماس بالتدريج، مع استدعاء الجنود لأداء نوبتي خدمة، ثم ثلاث نوبات -بل وأكثر في بعض الحالات. وبالنسبة لكثيرين منهم تحولت صور أيام المجد إلى كوابيس تُعاش في الحياة الواقعية.
لم يكن الرئيس بوش قادرًا على تقبّل الهزيمة في العراق، ثم لم يكن باراك أوباما قادرًا، لاحقًا، على قبول الهزيمة في أفغانستان. وفي وقت مبكر من رئاسته، جعل أوباما "الحرب على الإرهاب" قضية يتقاسمها الحزبان صراحةً؛ قولًا وفعلًا. وبعد مرور أقل من عام على حصوله على جائزة نوبل للسلام في أواخر العام 2009، كان عدد القتلى من القوات الأميركية في أفغانستان نحو 100 ألف جندي -أي ثلاثة أضعاف العدد الذي كان مسجلًا عندما دخل البيت الأبيض. وخلال زيارة إلى "قاعدة باغرام" الجوية قرب كابول، ألقى أوباما على أفراد القوات المسلحة خطابًا حماسيًا معبّأ بالرموز الوطنية، كان يمكن سماعه كباعث على شحذ العزيمة، أو ربما كخطاب قاتم النبرة. وقال: "يغمرني التواضع أمام تضحياتكم، من مراسم عودة التوابيت الملفوفة بالأعلام في دوفر المهيبة، إلى شواهد القبور في القسم 60 من مقبرة أرلينغتون، حيث يرقد قتلى هذه الحرب بسلام إلى جانب أبطال آخرين من قصة أميركا".
وعلى المستوى العملي، حتى مع تراجع وطأة صدمة ذلك اليوم الرهيب على عامة الناس، واصل 11 أيلول (سبتمبر) أداء دوره باعتباره تفويضًا سياسيًا مفتوحًا للقتل من دون تاريخ انتهاء. وطوال تلك السنوات، كان للجهد الحربي المتواصل الذي بدأ في خريف العام 2001 خيط ناظم ضمني في وسائل الإعلام والسياسة السائدتين: إن أرواح الأميركيين مهمة حقًا، لكن ضحايا القوة النارية الأميركية ليست لهم أي قيمة حقيقية.
****
كانت الاستخدامات البعيدة لقوة البنتاغون الجوية تخلّف عواقب إنسانية لا يكاد يكون لها صدى يُذكر في الحسابات السياسية داخل الولايات المتحدة. بالنسبة لدوائر السلطة، كانت الابتكارات التكنولوجية، مثل الطائرات المسيّرة، معجزات لا تشوبها شائبة. وفي المقابل، لم تكن للأشخاص الذين عاشوا تجربة الرعب أصوات ولا وجوه ولا أسماء. وفي المناسبات النادرة التي لم يكن فيها الأمر كذلك، كان الاهتمام العام محدودًا للغاية. وبعد أن أمضى سبعة أشهر في أَسر طالبان، تمكن مراسل صحيفة "نيويورك تايمز"، ديفيد رود، من الفرار عبر منطقة وعرة في باكستان، وروى لاحقًا ما يعنيه أن يعيش المرء بينما تحوم الطائرات المسيّرة الأميركية باستمرار فوق رأسه: "كانت الطائرات المسيّرة مرعبة. من الأرض، يستحيل تحديد مَن أو ماذا تتعقب وهي تدور في السماء فوقك. وكان طنين مروحة بعيدة بمثابة تذكير دائم بالموت الوشيك".
كانت "الحرب على الإرهاب" التي أُعلن عنها كذلك قد تحولت فعليًا إلى حرب إرهاب. وبعد أيام قليلة من توليه الرئاسة، أرسل أوباما طائرات "بريداتور" المسيّرة إلى باكستان، فقتلت ثلاثة أطفال واثني عشر بالغًا. وبعد أسبوع، ظهر بيير سبري، الذي كان يُعدّ في الستينيات من "النابغين" الشباب في البنتاغون خلال تصعيد حرب فيتنام، في برنامج "بي. بي. إس" الذي كان يقدمه بيل مويرز. وكان سبري يرى بوضوح إلى أين يتجه المسؤولون الأميركيون بحربهم الجوية. وقال: "سوف أُدهش كثيرًا إذا كان واحد من كل خمسة أشخاص يقتلونهم أو يصيبونهم بجروح من المسلحين حقًا. لا يمكنك أن تعرف من خلال كاميرا أو مستشعر يعمل بالأشعة تحت الحمراء -أو أي شيء من هذا القبيل- ما إذا كان شخص ما من طالبان... والأرجح أنك تعتمد على معلومات يقدمها أفغاني لا تعرف مدى صدقه ولا دوافعه، والذي قد يكون -وقد يكون كذلك غالبًا- بصدد تسوية ثأر دموي بدلًا من تزويدك بمعلومات موثوقة". لكنه أضاف: "إن القصف يحظى دائمًا بشعبية سياسية أكبر بالمقارنة مع إرسال قوات مشاة وقتل أبنائنا".
كان مسؤولو أوباما مفتونين بالحرب الجوية الأميركية، على الرغم من كثرة الأدلة على أنها كانت تقتل بصورة منتظمة أعدادًا كبيرة من المارة والمدنيين الذين لا علاقة لهم بالهدف. وفي العام 2022، قدمت فيليس بينيس، من "معهد دراسات السياسات"، هذا التقييم: "لقد اتسمت ما تُسمى بـالحرب العالمية على الإرهاب" منذ نشأتها بهجمات تشنها القوات الخاصة الأميركية، وبالغارات الجوية والطائرات المسيّرة المسلحة وغير ذلك، وهي هجمات تقتل بصورة منتظمة من المدنيين أعدادًا تفوق بكثير أعداد الأهداف المحددة في ’قوائم القتل‘ التي يعدها الرؤساء وكبار مسؤولي البيت الأبيض. وكان الترديد المتكرر لعبارة ’لا يوجد حل عسكري للإرهاب‘ دائمًا مناورة خطابية باهتة، ولم يكن يومًا دليلًا فعليًا على الإجراءات التي يمكن أن تنجح حقًا في تغيير الظروف التي تولّد الإرهاب".
من المفارقات المأساوية أن الظروف التي تولّد الإرهاب كانت تشمل الحرب الأميركية التي شُنّت باسم القضاء عليه. وكان مسار الأحداث قابلًا للتنبؤ. وفي العام 1998، كتب عالم السياسة الباكستاني-الأميركي إقبال أحمد: "لا يمكن لقوة عظمى أن تروّج للإرهاب في مكان، ثم تتوقع بصورة معقولة أن تثبّط الإرهاب في مكان آخر. لن ينجح ذلك في هذا العالم الذي تقلصت مسافاته".
كان القتل من السماء يغذي الرغبة في الانتقام. وقال المصور الباكستاني نور بهرام في العام 2011: "مقابل كل 10 إلى 15 شخصًا يُقتلون، قد يصيبون مسلحًا واحدًا". وعلى مدى ثلاثة أعوام، كان يوثق الآثار المباشرة لهجمات الطائرات المسيّرة في منطقة وزيرستان الجبلية قرب الحدود الأفغانية. وقال: "إنكَ لا تجد بعد الغارة سوى أشلاء لحم متناثرة هنا وهناك. لا يمكنك العثور على جثث. ولذلك يجمع السكان المحليون الأشلاء ويلعَنون أميركا. ويقولون ’هذه أميركا تقتلنا داخل بلدنا، داخل بيوتنا، وفقط لأننا مسلمون‘". ونتيجة لذلك، كما قال بهرام: "يصاب الشباب في المنطقة المحيطة بموقع الغارة بالجنون. ويتراكم الحقد في نفوس الذين شاهدوا هجومًا بطائرة مسيّرة".
في المقابل، كان أفراد عسكريون يحدّقون على بعد آلاف الأميال في الولايات المتحدة في صور ضبابية على شاشات الحواسيب ويطلقون صواريخ الطائرات المسيّرة. وقالت الرقيب الفني السابقة، ليزا لينغ، مستذكرةً تلك التجربة: "الحقيقة هي أننا لم نكن قادرين على التمييز بين المقاتلين المسلحين وبين المزارعين أو النساء أو الأطفال". وكانت لينغ قد أمضت عدة أعوام في تدريب أفراد "الحرس الوطني الجوي" على تشغيل مسيّرات القوات الجوية. وكانت واحدة من المبلّغين عن مخالفات برنامج الطائرات المسيّرة الذين خرجوا وتحدثوا إلى العلن خلال العقد الثاني من الحرب على الإرهاب. وكان من بينهم محلل الاستخبارات الشاب دانيال هيل، الذي أمضى قرابة ثلاثة أعوام في السجن لأنه كشف حقائق عن الكلفة البشرية لبرنامج الطائرات المسيّرة.
وقال هيل: "في حرب الطائرات المسيّرة، يكون تسعة من كل عشرة أشخاص يُقتلون، في بعض الأحيان، أبرياء. عليك أن تقتل جزءًا من ضميرك حتى تؤدي عملك. ولكن ما الذي كان بوسعي فعله بطريقة يمكن أن أتعامل معها إزاء القسوة التي لا يمكن إنكارها التي كنت أرتكبها؟ كان أكثر ما أخشاه هو الاستسلام لإغراء عدم التشكيك في ما يجري. ولذلك اتصلتُ بصحفي استقصائي... وأخبرته بأن لدي شيئًا يحتاج الشعب الأميركي إلى معرفته".
زوّد هيل موقع "ذا إنتَرسِبت" بوثائق سرية أدت إلى إنجاز تحقيق استقصائي بارز نُشر في تشرين الأول (أكتوبر) 2015. وجاء فيه: "تكشف وثائق تُفصِّل حملة لعمليات خاصة في شمال شرقي أفغانستان، عملية "الضربة القاضية" Haymaker، أن الغارات الجوية التي شنتها القوات الخاصة الأميركية قتلت أكثر من 200 شخص بين كانون الثاني (يناير) 2012 وشباط (فبراير) 2013. ولم يكن من بين هؤلاء سوى 35 شخصًا هم الأهداف المقصودة. وخلال فترة امتدت خمسة أشهر من العملية، قُتل في الغارات الجوية، وفقًا للوثائق، ما يقرب من 90 في المائة من أشخاص لم يكونوا الأهداف المقصودة. وفي اليمن والصومال حيث تمتلك الولايات المتحدة قدرات استخباراتية أقل بكثير للتحقق من أن الأشخاص الذين يُقتلون هم الأهداف المقصودة، يغلب كثيرًا أن تكون النسب المماثلة أسوأ بكثير".
في وقت مبكر من ولايته الرئاسية الثانية، ألقى أوباما في الجامعة الوطنية للدفاع خطابًا حظي باهتمام كبير وأثار ضجة إعلامية كبيرة، تناول فيه الجوانب السلبية للحرب على الإرهاب التي كانت قد دخلت آنذاك عامها الثاني. وقال: "يجب أن يستمر جهدنا المنهجي لتفكيك التنظيمات الإرهابية. لكن هذه الحرب، شأنها شأن جميع الحروب، يجب أن تنتهي. هذا ما ينصحنا به التاريخ. وهذا ما تفرضه ديمقراطيتنا".
على النقيض من الرجلين اللذين سبقاه وتبعاه مباشرة في المكتب البيضاوي، بدا أوباما مدركًا أن الحرب الدائمة تخلّف آثارًا سلبية على المجتمع الأميركي. لكنه لم يمضِ بعد ذلك إلى فعل الكثير حيالها. وخلال الأشهر الأربعة والأربعين التي تلت خطابه وحتى سنته الأخيرة في المنصب، واصل أوباما قصف أفغانستان بمعدل يقرب من نصف معدل القصف خلال ولايته الأولى، في حين صعّد بصورة حادة الهجمات على العراق وسورية. وقد تم إسقاط 30.743 قنبلة وصاروخا على هذين البلدين وحدهما في العام 2016.
 ****
كما فعل أوباما من قبل، أمر كل من دونالد ترامب وجو بايدن بشن غارات جوية على أفغانستان والعراق والصومال وسورية واليمن. ووسّع ترامب في ولايته الثانية نطاق مهام القصف الأميركية لتشمل أيضًا إيران ونيجيريا وفنزويلا -إلى جانب استهداف زوارق غير عسكرية، وقتل أكثر من 225 مدنيًا خلال العام الماضي في المياه الدولية.
بدا أن سحب جميع القوات الأميركية من أفغانستان في أواخر صيف العام 2021 يشكل ابتعادًا عن نهج الحرب المتواصلة بلا انقطاع. وقال الرئيس بايدن بعد أسابيع في الأمم المتحدة: "إنني أقف أمامكم اليوم، وللمرة الأولى منذ 20 عامًا، والولايات المتحدة ليست في حالة حرب". وأضاف: "لقد طوينا الصفحة".
لكن الواقع كان أن أميركا ما تزال منخرطة في حرب واسعة النطاق. كانت "الحرب على الإرهاب" تتحور وتواصل امتدادها عبر عدة قارات. وفي الواقع، خلال الشهر نفسه الذي ألقى فيه بايدن خطابه أمام الأمم المتحدة، أصدر مشروع "كلفة الحرب" في جامعة براون تقريرًا جديدًا وثّق أن "عمليات مكافحة الإرهاب أصبحت أكثر انتشارًا في السنوات الأخيرة". وقالت كاثرين لوتز، المديرة المشاركة للمشروع: "كانت الحرب طويلة، معقدة، مروعة وغير ناجحة... وما تزال الحرب مستمرة في أكثر من 80 دولة".
في اليوم التالي للهجوم الذي قادته "حماس" على إسرائيل في 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023، وقف السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة خارج قاعة مجلس الأمن وقال: "هذا هو 11 أيلول (سبتمبر) الإسرائيلي. هذا هو 11 أيلول (سبتمبر) الإسرائيلي".
وخلال الأسابيع الستة التالية، كشف تحقيق أجرته صحيفة "نيويورك تايمز" لاحقًا أن إسرائيل استخدمت "بصورة روتينية" قنابل من زنة 2.000 رطل في غزة "في مناطق كانت قد صنفتها آمنة للمدنيين". وبعد أقل من تسعة أشهر، أفادت وكالة "رويترز" بأن الكميات الكبيرة من الذخائر التي زودت بها إدارة بايدن إسرائيل شملت "أكثر من 10.000 قنبلة شديدة التدمير من زنة 2.000 رطل".
وفي كلمة ألقاها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة مع اقتراب الحرب في غزة من نهاية عامها الثاني، قال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو: "نحن نمحو نظام ’حماس‘ الإرهابي، ونضمن أن لا يعود ليهدد إسرائيل بوحشية مرة أخرى". وبحلول ذلك الوقت، كانت الحكومة الأميركية قد قدمت لإسرائيل أكثر مما تبلغ قيمته نحو 21 مليار دولار من المساعدات العسكرية منذ 7 تشرين الأول (أكتوبر). وخلصت "منظمة العفو الدولية"، و"هيومن رايتس ووتش"، والمنظمتان الإسرائيليتان "أطباء من أجل حقوق الإنسان – إسرائيل" و"بتسيلم"، بصورة قاطعة، إلى أن ما حدث في غزة هو إبادة جماعية. وكانت الولايات المتحدة هي التي أتاحت ذلك.
على امتداد السنوات الخمس والعشرين التي مضت منذ أن سقطت الصواريخ الأولى على أفغانستان، ثمة بُعد عرقي في الحرب على الإرهاب كان ماثلًا أمام الأنظار، لكنه بقي مستترًا. ففي حين يُفهم على نطاق واسع أن العنصرية المؤسسية موجودة داخل الولايات المتحدة، ثمة افتراض لم يخضع للفحص بأن مظاهرها الخبيثة تتوقف عند حافة المياه. لكن الخطاب العام حول "الحرب على الإرهاب" أغفل حقيقة جديرة بالتأمل: كان كل رجل وامرأة وطفل تقريبًا قُتلوا بنيران البنتاغون في هذا القرن من غير البيض. ولا يعني ذلك أنهم تعرضوا للهجوم بسبب عرقهم. لكن التحيزات العرقية في الولايات المتحدة -الواعية منها وغير الواعية على حد سواء- جعلت شن الحروب وإدامتها، بما تجلبه من أهوال على حياتهم هؤلاء الناس، شأنًا أسهل تحملًا من الناحية السياسية.
وتشمل أحدث النتائج التي توصل إليها مشروع "كلفة الحرب" ما يلي: "يُقدَّر أن أكثر من 940.000 شخص قُتلوا بفعل العنف الحربي المباشر في مرحلة ما بعد 11 أيلول (سبتمبر) في العراق وأفغانستان وسورية واليمن وباكستان بين العامين 2001 و2023. وكان أكثر من 432.000 منهم من المدنيين. وكان عدد الأشخاص الذين أُصيبوا أو مرضوا نتيجة هذه الصراعات أكبر بكثير -وكذلك عدد المدنيين الذين ماتوا "بصورة غير مباشرة"، نتيجة تدمير الحروب للاقتصادات وأنظمة الرعاية الصحية والبنية التحتية والبيئة. ويُقدَّر أن 3.6 إلى 3.8 ملايين شخص ماتوا بصورة غير مباشرة في مناطق الحروب التي أعقبت 11 أيلول (سبتمبر)، مما يرفع إجمالي عدد الوفيات إلى ما لا يقل عن 4.5 إلى 4.7 ملايين شخص -والعدد في ازدياد".
في البلدان الأجنبية، أدت "الآثار المصاحِبة" الإجمالية إلى سحق حياة أعداد لا تحصى من البشر. ومع ذلك، كانت الخسائر الوحيدة في "الحرب على الإرهاب" التي كان لها صدى حقيقي في السياسة الأميركية هي الخسائر الأميركية. لكنّ الكثير من هذه الخسائر لا يظهر للعيان بسهولة. في حين "قُتل أكثر من 7.053 من أفراد القوات المسلحة الأميركية في حروب ما بعد 11 أيلول (سبتمبر)"، يشير مشروع "كلفة الحرب" إلى أن "عدد أفراد القوات المسلحة الأميركية والمحاربين القدامى الذين ماتوا انتحارًا في حروب ما بعد 11 أيلول (سبتمبر) لا يقل عن أربعة أضعاف عدد الذين لقوا حتفهم في القتال". وبالإضافة إلى ذلك، "يُقدَّر أن 8.189 متعاقدًا مع الجيش الأميركي لقوا حتفهم خلال حروب ما بعد 11 أيلول (سبتمبر). وكثيرًا ما لا تُسجَّل وفيات العمال الأجانب العاملين لدى شركات متعاقدة مع الولايات المتحدة، والذين لا يحصل ذووهم على تعويضات عنها".
ولا تشمل هذه الأرقام قدامى المحاربين في العراق وأفغانستان الذين يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة. وتقول "إدارة شؤون المحاربين القدامى" الآن أن 15 في المائة من قدامى محاربي هاتين الحربين كانوا يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة "خلال العام الماضي"، وأن 29 في المائة عانوا منه "في مرحلة ما من حياتهم". وفي الوقت نفسه، كثيرًا ما تصيب الرضوض الدماغية الناجمة عن الحربين قدامى المحاربين الذين تعرضوا لهزات عنيفة بفعل الانفجارات وغيرها من أحداث الحرب. وبعد تحليل بيانات البنتاغون، خلصت "مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها" إلى أن "أكثر من 450.000 من أفراد القوات المسلحة الأميركية شُخّصوا بإصابة دماغية رضّية بين العامين 2000 و2021". وقبل أربعة أعوام، نشرت مجلة "جاما" JAMA التابعة لـ"الجمعية الطبية الأميركية" دراسة معمقة عن الإصابات الدماغية الرضّية لدى قدامى المحاربين في العراق وأفغانستان. وقال مؤلفو الدراسة: "تشير دراستنا إلى أن قدامى المحاربين العسكريين في مرحلة ما بعد 11 أيلول (سبتمبر) يواجهون عبئًا أعلى من الوفيات الناجمة عن أسباب متعددة مقارنةً بإجمالي السكان في الولايات المتحدة". وأضافوا: "ووجدنا أيضًا أن التعرض لإصابة دماغية رضّية متوسطة إلى شديدة ارتبط بمعدلات وفيات أعلى، وبزيادة في الوفيات الناجمة عن الحوادث والانتحار والسرطان وأمراض القلب والأوعية الدموية والقتل، وأسباب أخرى".
                                          ****
في أحد أيام منتصف كانون الأول (ديسمبر) 2002 -قبل ثلاثة أشهر من بدء قصف المدينة في إطار حملة "الصدمة والرعب" جلستُ إلى طاولة للنزهات في إحدى حدائق بغداد مع رجل عراقي في منتصف العمر كان يعمل سائقًا لي. لم يكن هناك أحد حولنا ولا جدران أو تجهيزات يمكن أن تخفي أجهزة تنصت. وقال لي أنه يتمنى لو لم يكن لدى العراق نفط، لأنه عندئذ لن يكون هناك سبب يدعو إلى الخوف من غزو.
على مدى السنوات الخمس والعشرين الماضية، وبينما ركّز قدر كبير من الخطاب العام على أخطاء تكتيكية وأحكام مشكوك فيها ارتكبها صانعو السياسات في إدارة الحروب، لم تحظَ الدوافع الأكثر خبثًا بأكثر من قدر ضئيل من الاهتمام. كانت عبارة "لا دماء من أجل النفط" شعارًا شائعًا بين الذين عارضوا حرب العراق بنشاط، لكنها لم تكن تحظى بأي فرصة للقبول في وسائل الإعلام والسياسة السائدتين.
وقال كاتب العمود في صحيفة "واشنطن بوست" جورج ويل، في تعليق نشرته محطة "إيه. بي. سي. نيوز" قبيل بدء غزو العراق بقليل: "هذا الشعار لا يتسم بالذكاء ولا بالشرف. يمكن لأشخاص أذكياء أن يختلفوا، بشرف، حول حكمة الحرب على العراق وأخلاقيتها. ولكن ينبغي أن نكون قادرين على الاتفاق على أن النفط، كدافع اقتصادي، لا يقود السياسة الأميركية".
وبعد أربعة أعوام، قال الجنرال جون أبي زيد، القائد السابق للقيادة المركزية الأميركية والمسؤول السابق عن العمليات العسكرية في العراق: "الأمر يتعلق بالنفط بطبيعة الحال، ولا يمكننا أن ننكر ذلك حقًا".
وكتب الرئيس السابق لـ"مجلس الاحتياطي الفيدرالي"، آلان غرينسبان، في مذكراته: "يحزنني أن الاعتراف بما يعرفه الجميع أصبح شأنًا غير ملائم سياسيًا: أن حرب العراق تتعلق، إلى حد كبير، بالنفط".
وقبل أن يصبح وزيرًا للدفاع، قال السيناتور تشاك هاغل في العام 2007: "يقول الناس أننا لا نحارب من أجل النفط. إننا بالطبع نفعل".
بصرف النظر عما يعتقده الناس بشأن الأهداف الكامنة وراء الحروب التي شنتها الولايات المتحدة خلال ربع القرن الماضي، لا يمكن أن يكون ثمة شك في مدى الربحية الهائلة التي حققتها. فقد أدى بدء حرب أفغانستان في تشرين الأول (أكتوبر) 2001 إلى انطلاق موجة أرباح استثنائية لمتعاقدي البنتاغون. وتزامنت السنوات العشرون لتلك الحرب مع تدفق أكثر من تريليوني دولار من الأموال الحكومية إلى أكبر شركات التعاقد العسكري -لوكهيد مارتن، ورايثيون، وجنرال دايناميكس، وبوينغ، ونورثروب غرومان- أي بزيادة قدرها 188 في المائة.
وكتب كبير مستشاري "معهد كوينسي"، إيلاي كليفتون: "لقد أنفقت هذه الشركات الخمس أكثر من 1.1 مليار دولار على تكوين اللوبيات وممارسة الضغط السياسي بين العامين 2001 و2021. وقد يبدو هذا الرقم مبلغًا هائلًا يجري إنفاقه للتأثير في صانعي السياسات، لكنه ربما كان القرار الأكثر حكمة من الناحية المالية الذي اتخذته هذه الشركات خلال السنوات العشرين الماضية".
كان الاستثمار في أسهم شركات الحرب خيارًا حكيمًا بالمثل بالنسبة للمتعاملين في سوق الأسهم. ومع اقتراب حرب أفغانستان من نهايتها، أجرى الصحفي جون شوارز الحسابات التالية: "لو أنك استثمرت 10.000 دولار في أسهم موزعة بالتساوي بين أكبر خمس شركات دفاع أميركية في 18 أيلول (سبتمبر) 2001 -اليوم الذي وقّع فيه الرئيس جورج دبليو. بوش قانون تفويض استخدام القوة العسكرية ردًا على الهجمات الإرهابية في 11 أيلول (سبتمبر)- وأعدت استثمار جميع توزيعات الأرباح بانتظام، لبلغت قيمة استثمارك الآن 97.295 دولارًا. وهذا عائد أكبر بكثير من العائد الذي كان متاحًا في سوق الأسهم ككل خلال الفترة نفسها. ولو أنك استثمرت 10.000 دولار في صندوق مؤشرات يتعقب مؤشر (إس أند بي 500) في 18 أيلول (سبتمبر) 2001، لبلغت قيمته الآن 61.613 دولارًا. أي أن أسهم شركات الدفاع تفوقت على سوق الأسهم بشكل عام بنسبة 58 في المائة خلال حرب أفغانستان".
                                              ****
لم تعد الماركة التجارية لـ"الحرب على الإرهاب" رائجة، لكن الحماس للعسكرة الكامن وراءها ما يزال قائمًا. في منتصف الولاية الأولى لترامب، رحّب قادة الحزب الديمقراطي في مجلسي النواب والشيوخ باقتراح القائد الأعلى زيادة موازنة البنتاغون بنسبة 11 في المائة على مدى عامين. وقالت النائبة نانسي بيلوسي، متباهية: "في مفاوضاتنا، كان الديمقراطيون في الكونغرس يناضلون من أجل تحقيق زيادات في تمويل الدفاع". وأعلن السيناتور تشاك شومر: "نحن نؤيد بالكامل طلب وزارة الدفاع في إدارة الرئيس ترامب".
ويقول تقرير حديث صادر عن "مشروع الرقابة الحكومية": "ينفق دافعو الضرائب الأميركيون على الجيش والحرب أكثر بكثير مما يدركه معظم الناس"، موثقًا أن "هناك عدة طرق لحساب التكلفة الحقيقية لجيشنا"، وأن "كل هذه الطرق تفضي إلى ما لا يقل عن 1.5 تريليون دولار". وتبدو زيادة الإنفاق العسكري بنسبة 11 في المائة على مدى عامين اليوم شبه حمائمية بالمقارنة مع النفقات التي تلوح في الأفق القريب.
وحتى من دون إقرار الزيادة البالغة نصف تريليون دولار التي اقترحها ترامب لموازنة الإنفاق العسكري للسنة المالية 2027، يبقى الوضع القائم غارقًا بعمق في ما أسماه مارتن لوثر كينغ الابن "جنون العسكرة". وإذا كانت الموازنات يمكن أن تشكل وثائق أخلاقية، فإن أميركا كانت تهوي من هاوية أخلاقية إلى أخرى.
يشبه النهج الأساسي غير القانوني الذي يتبعه دونالد ترامب في التعامل مع الصراعات الدولية، ولو بطريقة مختلفة تمامًا، نهجَ بوش في "الحرب على الإرهاب". وبصرف النظر عن الخطاب، كانت الأفعال واضحة: إذا أرادت الولايات المتحدة مهاجمة دولة أخرى، فإنها ستفعل. وتؤشر عمليات القصف التي شنتها أميركا على إيران هذا العام، من دون استفزاز، على وصول السياسة الخارجية الأميركية إلى دورتها الكاملة، وعودتها إلى نقطة البداية.
لم تفعل الحملة الصليبية التي أطلقها جورج دبليو. بوش لـ"تخليص العالم من الشر" سوى مضاعفة الشر فحسب. والآن، بينما تواصل الآلة العسكرية الجبارة للأمة الأميركية تقدمها، تشتد الحاجة إلى التحدي المباشر للذهنيات التي تدفعها.
*نورمان سولومون Norman Solomon: المدير الوطني لمنظمة "تحرك الجذور" RootsAction، والمدير التنفيذي لـ"معهد الدقة العامة" Institute for Public Accuracy. وتتضمن الطبعة الورقية من كتابه "حرب جعلتها أميركا غير مرئية: كيف تخفي أميركا الكلفة البشرية لآلتها العسكرية" خاتمةً تتناول حرب غزة. آخر كتبه بعنوان "الطريق الأزرق إلى جحيم ترامب: كيف مهد الديمقراطيون من الشركات الطريق للاستبداد".
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Real History: After 9/11, the “War on Terror” Was a War of Terror