الغد-محمد الكيالي
تكشف تجربة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في التعامل مع الأزمات الدولية، نمطا من الحزم، لكن مع اختلاف ملحوظ في نهج إدارته للملفات الأخرى، بخاصة المتباينة.
ففي حالة أوكرانيا، بدا أن الإدارة الأميركية كانت مصممة على إنهاء الحرب، حتى وإن تطلب الأمر تقديم تنازلات أو تسويات إقليمية، ما يعكس رغبتها في تحقيق نتائج واضحة وملموسة.
أما في غزة، فالوضع مختلف على نحو جذري، إذ إن القطاع محاصر ومعزول إلى حد بعيد عن العالم الخارجي، ما يجعل فرص الفلسطينيين في تحقيق انتصار أمام الكيان الصهيوني ضئيلة للغاية.
ولم تُظهر الإدارة الأميركية المستوى نفسه من الجدية أو الالتزام من أجل وقف الحرب أو التوسط بين الأطراف، بل إنها لم تقدم أي محاولة تظهر جديتها في هذا النطاق.
وبالعكس، ركزت السياسات الأميركية على دعم إستراتيجية الاحتلال الصهيوني على نحو مباشر، سواء فيما يتعلق بتصفية حركة المقاومة الإسلامية - حماس، أو نزع سلاح الحركة لتعزيز سيطرة الاحتلال.
ويتضح أيضًا؛ أن العلاقة الإستراتيجية بين الولايات المتحدة والاحتلال تؤدي دورًا محوريًا في توجيه مسار الأحداث في قطاع غزة، إذ تتقاطع السياسات الأميركية هناك مع أولويات الاحتلال بشكل واضح.
ويختلف هذا الأمر عن أسلوب الإدارة مع ملف أوكرانيا، الذي تميز باهتمام أكبر بالأبعاد الدولية والأمنية والاقتصادية.
ومن هنا، أكد محللون أن الجدية الأميركية في إنهاء الحرب، كانت محدودة في غزة، مقارنة بقضايا أخرى تحظى بثقل جيوسياسي، أو أهمية إستراتيجية أكبر.
مقارنة وضع غزة بأوكرانيا غير دقيق
من جهته، أكد رئيس الجمعية الأردنية للعلوم السياسية، د. خالد شنيكات، أن مقارنة الوضع في غزة بأوكرانيا غير دقيق، مشيرا إلى اختلاف الظروف والأطراف على نحو جوهري.
وأوضح، أن إدارة ترامب، تعاملت مع الأزمة الأوكرانية بعزم من أجل إنهائها، حتى لو تطلب الأمر تنازلات من أوكرانيا، بما في ذلك تبادل الأراضي والتسويات الإقليمية.
وأضاف شنيكات، إن الإدارة الأميركية كانت واضحة في موقفها، مدفوعة برغبتها لتحقيق نتائج ملموسة في الملف الأوكراني، وهو ما يختلف جذرياً عن ملف روسيا، نظراً لحجم الدولة وتعقيدات الصراع فيها، برغم ما قدمته إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن من مليارات لدعم أوكرانيا عسكريا، لكن ذلك لم يحقق أي احتمال لانتصار أوكراني، بل ان تعقيد المشهد الحربي في بين الجانبين، يظهر صعوبات هائلة، وهو ما يعقد التوصل إلى أي تسوية بين روسيا وأوكراينا.
وعن الوضع في غزة، لفت شنيكات إلى أن المعادلة تختلف تماماً، فالقطاع محاصر، ويفتقد للاتصال المباشر بالعالم الخارجي، ما يجعل من الصعب على سكانه أو فصائل المقاومة الفلسطينية، تحقيق انتصار على الاحتلال.
وأضاف، أن الهزيمة التي يراهن عليها الاحتلال والولايات المتحدة ضد حركة حماس مبنية على أسس واقعية، بحيث يعتمد النجاح على الوقت والتقنيات العسكرية، وليس على التفاوض المباشر كما في أوكرانيا.
وأشار لدور الاحتلال المؤثر في هذا الجانب، فالكيان الصهيوني يتمتع بقدرة كبيرة في ممارسة ضغط على ترامب، وهذا منحه مساحة لتطبيق مخططاته في القطاع والمنطقة على نحو عام.
وشدد شنيكات، على أن هذا العامل، سبب اختلاف الديناميات بين الأوضاع في غزة وأوكرانيا، مع التأكيد على أن تأثير الوقت والتخطيط العسكري في المسألتين لا يمكن التنبؤ بتحديده لمآلات الصراع في كل حالة.
تحالف ترامب ونتنياهو مستمر
المحلل السياسي جهاد حرب، بين أن الإدارة الأميركية، سواء في عهد بايدن أو الحالية، كانت متسقة ومتوافقة إلى حد كبير مع سياسات الاحتلال، بخاصة مع أولويات رئيس وزراء الاحتلال المتطرف بنيامين نتنياهو، سواء فيما يتعلق بالاستمرار بالصراع لفترة طويلة، أو بملفات تصفية الفلسطينيين والقضاء على حركة حماس ونزع سلاحها، لضمان عدم وجود مقاومة ضد الاحتلال وفرض سيطرته على غزة.
وأوضح حرب، أن العلاقة الإستراتيجية بين الطرفين ليست حديثة، بل تمتد للإدارة السابقة للرئيس ترامب، التي قدمت استجابة خاصة لرغبات نتنياهو، بما في ذلك دعم سياسات الاستيطان، وتعزيز هيمنة الاحتلال على الفلسطينيين، سواء على المستوى الأرضي أو عبر السيطرة الأمنية والعرقية.
وأضاف، أن هذه المعطيات تجعل المقارنة بين الوضع في غزة وأوكرانيا غير متقاربة، مشيراً إلى أن الاهتمامات الأميركية تجاه أوكرانيا، تتسم بأبعاد أوسع، تشمل الأمن الدولي والضغوط الأوروبية الكبيرة لإنهاء الحرب والتوصل لاتفاق.
وأضاف "كما أن أوكرانيا تمثل بالنسبة للولايات المتحدة وأوروبا مورداً طبيعياً وإستراتيجياً، يمكن استثماره في مواجهة النفوذ الروسي، ومنع روسيا من استعادة مكانتها السابقة في النظام الدولي، كما كانت خلال الحقبة السوفياتية".
وأوضح حرب، أن هذه الفروق تجعل الاشتباك بين الفلسطينيين والاحتلال، ذا طبيعة مختلفة تماماً عن الحرب في أوكرانيا، فمصالح الأميركيين والاحتلال تضع قدما في غزة، لكنها تتجه لخلق سيطرة على المنطقة، بينما في أوكرانيا تتداخل الأبعاد الجيوسياسية والاقتصادية مع الأمن الدولي، ما يعكس اختلاف إستراتيجيات الإدارتين الأميركية السابقة والحالية في التعامل مع ملفي أوكرانيا وفلسطين.