عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    07-Nov-2026

في الذكرى الـ30 لـ«الــجزيرة»: الإعلام في خدمة المشروع السياسي|محمد دلبح

 

الاخبار-
 
قبل ثلاثين عاماً بالتمام والكمال تأسست قناة «الجزيرة» في تشرين الثاني 1996 في أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة التي جرت في العام نفسه وقادها شيوخ ومواطنون قطريون موالون لوالد الأمير الحالي الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني الذي كان أطاح به ابنه في صيف 1995. وكان الأمير الذي أطيح به يحظى بدعم قوي من زعماء السعودية وبقية دول مجلس التعاون الخليجي الذين قرروا العمل على إعادته إلى السلطة، إلى حد أن الملك السعودي آنذاك فهد بن عبد العزيز هدد أيضاً بقتل الشيخ حمد بن خليفة لتجرّئه على الخروج عن ميثاق واتفاقية مجلس التعاون لدول الخليج العربية.
 
إذاً، تأسست «الجزيرة» كأداة سياسية لمواجهة الضغوط الهائلة التي مورسَت على النظام الجديد الذي كان يقوده (الأمير السابق الراحل) الشيخ حمد بن خليفة، ولي عهد قطر آنذاك. كان الأب يتمتع بدعم هائل من دول مجلس التعاون الخليجي المجاورة في عام 1996. وقد اتخذ قادة دول مجلس التعاون، الكويت والبحرين والمملكة العربية السعودية وعُمان والإمارات العربية المتحدة، قراراً بالإجماع بشأن إعادة النظام السابق بقيادة الشيخ خليفة. في الواقع، تم اتخاذ هذه السياسة وفقاً لميثاق مجلس التعاون الذي نص بوضوح على أنه «لا ينبغي لأي دولة أن تساعد أو تقبل أي تغيير في النظام» طالما أن هذا التغيير تم عن طريق الانقلابات.
 
فكّر القائد الجديد، الشيخ حمد، في أدوات للحفاظ على حكمه، ومواجهة تهديد دول مجلس التعاون بقيادة السعودية في الوقت ذاته. وبذكاء، اكتشف أن الحرب الإعلامية مع دول مجلس التعاون الخليجي ستواجه هذا التهديد، نظراً لأن قطر لا تملك القدرات العسكرية ولا السكان اللازمين للوقوف بحزم أمام مثل هذا التهديد. وقد تبين أنه كان محقاً. أصبحت «الجزيرة» واقعاً عندما أنهت قناة «أوربت»، التي تملكها العائلة المالكة السعودية، اتفاقيتها مع قناة «بي بي سي» العربية التي كانت تمولها «أوربت». قامت حكومة قطر بشراء المعدات وتوظيف قناة «بي بي سي» العربية لإدارة قناة «الجزيرة». وقد نجح حمد بن خليفة باستخدامه بث «الجزيرة» بالتوصل إلى اتفاق مع دول مجلس التعاون بوقف الأمير هجماته على دول مجلس التعاون مقابل تخليهم عن والده وجهودهم لإعادته كحاكم لقطر. لذلك، تم قبول الوضع الراهن وإضفاء الشرعية عليه داخل الهياكل الإقليمية.
 
وقد توصّل أمير قطر الجديد، في ظل الموقف العدائي والتهديدي الذي اتخذته بقية دول مجلس التعاون آنذاك، إلى أنّ أفضل أسلوب للحفاظ على حكمه هو في شنّ هجوم مضاد، ليس عن طريق القوة المسلحة التي يفتقدها كما يفتقد القدرة البشرية أيضاً، بل باللجوء إلى الولايات المتحدة التي كانت اشترطت لدعمه الانفتاح على كيان الاحتلال الصهيوني. والثاني هو «الجزيرة»، التي ألغت قناة «أوربت» المملوكة للعائلة السعودية المالكة وخرجت بخطاب إعلامي رأت فيه السعودية وبقية دول المنطقة أنه تحريضي ضدها بامتياز. وكلما تصاعدت لهجة خطاب «الجزيرة» الإعلامي تجاه السعودية وغيرها من دول الخليج كلما ساهم في إجراء مساومات سياسية بين قطر وخصومها إلى أن قررت السعودية وبقية دول مجلس التعاون مقابل وقف حملات «الجزيرة» ليس فقط التخلي عن دعم أمير قطر السابق بل المساهمة في تحقيق المصالحة بينه وبين ابنه الأمير الجديد بعد أن احتفظ الأمير السابق بعدة مليارات من الدولارات كانت مسجلة في حساباته الشخصية حيث لم يكن هناك فرق بينه وبين ميزانية قطر في عهده.
 
أداة تطبيع شعبي مع «إسرائيل»
عند إنشائها، اتخذت «الجزيرة» اتجاهاً إعلامياً جذرياً كسرَ القيود السابقة التي فرضتها الأنظمة في المنطقة في ما يتعلق بقضايا مثل حرية الصحافة، والتقارير، والمصداقية، والدقة، والاستقلالية عن الدولة. علاوة على ذلك، وفّرت منبراً لتعزيز الليبرالية في جميع أنحاء العالم العربي، وهو ما كان استجابة لرغبة أميركية كما نصت عليها حكومة الرئيس بيل كلينتون، تلتها حكومة جورج بوش الإبن. بالإضافة إلى ذلك، وجد الجانب الأميركي أنه في مرحلة ما بعد اتفاقيات أوسلو بين قيادة منظمة التحرير الفلسطينية وحكومة كيان الاحتلال الصهيوني الموقعة في 13 أيلول 1993، لم تكن العقبة الرئيسية أمام قبول السلام مع كيان الاحتلال الصهيوني هي الأنظمة العربية بل المواطنون العرب. لذلك، كانت هناك حاجة ملحة للتطبيع وتعريض العرب للإسرائيليين عبر وسائل الإعلام. كانت «الجزيرة» هي الإجابة الأفضل لمثل هذا التوجه السياسي.
 
فتحت «الجزيرة» منفذاً إعلامياً للمسؤولين الإسرائيليين لمخاطبة الملايين من الجماهير العربية بشكل لم يسبق له مثيل. مكّنت كيان الاحتلال الصهيوني من تقديم وجهات نظرهم بشكل كامل ومباشر للعرب في جميع الشؤون الجارية. وقد لوحظ، في سياق زيادة جرعات التطبيع في برامجها والترويج لآراء الصهاينة عبر القناة، أن المحللين الصهاينة الأيديولوجيين والمرتبطين بأجهزة الموساد، سواء في الكيان الصهيوني أو في المؤسسات المرتبطة به في الولايات المتحدة مثل معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى ومعهد أميركان انتربرايز، أصبحوا هم الضيوف.
 
وللعلم فإن لدى شبكات التلفزة ووسائل الإعلام الأميركية الصهيونية قوائم حظر تضم الأسماء التي يحظر استضافتها وإجراء أحاديث معها بسبب مواقفها القومية المعادية للكيان الصهيوني والسياسة الخارجية الأميركية حتى تمنع وصول وجهات النظر هذه إلى المشاهد الأميركي. ولكن «الجزيرة» وغيرها من الفضائيات العربية «كريمة جدّاً» في منح كل أعداء الأمة منابر «عربية» لبث سمومهم وشتائمهم وحقدهم إلى حد أن القناة استضافت أكثر المتطرفين الصهاينة الليكوديين، دانيال بايبس، في برامجها، وهو الشخص الذي كانت لجنة التربية في مجلس الشيوخ رفضت المصادقة على تعيينه عضواً في مجلس إدارة معهد الولايات المتحدة للسلام بسبب مواقفه المتطرفة ضد العرب والمسلمين. والتبرير الذي تقدمه «الجزيرة» لهذه السياسة أن الموضوعية في الإعلام تتطلب إبراز الرأي الآخر الصهيوني ليدافع عن نفسه بازدراء المشاهد العربي، على اعتبار أن القناة موجهة للعرب وليس للغربيين.
 
في كانون الأول 1998، خلال عملية ثعلب الصحراء ضد العراق، في عهد حكومة الرئيس بيل كلينتون، وُضعت «الجزيرة» تحت المجهر. كان للقناة ميزة في تغطية الأخبار، إلى جانب قدرتها على توفير معلومات تتجاوز الخطاب الغربي. القشة التي قصمت ظهر البعير جاءت بعد وقت قصير من تفجير المدمرة الأميركية «يو إس إس كول» في عدن باليمن في كانون الأول 2000. خلال هذا الوقت، فتحت «الجزيرة» مكتباً في كابول. وجدت نفسها المنفذ الإعلامي الوحيد لطالبان وبن لادن للتواصل مع العالم الخارجي. تجدر الإشارة إلى أن جميع وسائل الإعلام الغربية رفضت فتح مكتب في كابول، وبالتالي كانت «الجزيرة» المصدر الإخباري الوحيد هناك. ترأس تيسير علوني، وهو إسلامي كان يشارك في برامج «الجزيرة» كضيف ومدافع عن ضرورة دراسة تجربة طالبان ومجموعة بن لادن، مكتب «الجزيرة» في كابول. أُدين علوني في إسبانيا في 26 سبتمبر 2005 بتهمة مساعدة الإرهاب لأنه أجرى مقابلة مع بن لادن.
 
عرضت طالبان، قبل الغزو والاحتلال الأميركي لأفغانستان، من خلال وزير خارجيتها وكيل أحمد متوكل، على شبكات «سي إن إن» و«بي بي سي» و«الجزيرة» فرصة فتح مكاتب في كابول، وهو ما رفضته كل من «سي إن إن» و«بي بي سي»، ولكن الجزيرة التي استشعرت اتجاه الأحداث، خاصة بعد الهجمات على السفارات الأميركية في تنزانيا وكينيا، قبلت العرض دون تردد. أدركت «الجزيرة» أن مثل هذا العرض سيستلزم وضعها على الساحة العالمية. لذلك، أصبحت المنفذ الإعلامي الوحيد الذي يتلقى أشرطة بن لادن. ومع ذلك، في مرحلة لاحقة، بدأ بن لادن في تقديم أشرطته إلى «العربية» و«إم بي سي» و«أبوظبي» ليتم بثها للعالم. وكان السؤال حول سبب استمرار «الجزيرة» في تلقي أشرطة بن لادن؛ ويكمن في فهم بن لادن أن المشاهدين العرب يشاهدونها ويثقون في تغطيتها. من المهم أن نذكر هنا أن «الجزيرة» شاركت الأشرطة مع حكومة قطر ووكالة المخابرات المركزية الأميركية (سي آي إي) قبل بثها.
 
من الواضح أنه بحلول ذلك الوقت، حققت «الجزيرة» نجاحاً هائلاً، وبالتالي أصبحت تهديداً لسببين رئيسيين:
أصبحت تهديداً لأنها كانت أول قصة نجاح إعلامي عربي من حيث دقة الأخبار والسرعة والمصداقية. كانت هذه الميزات «احتكاراً» لوسائل الإعلام الغربية وخاصة وكالات الأنباء والشبكات الأميركية، وهو ما يعني هزيمة كارثية للإعلام الأميركي الذي يبث للعالم العربي.
 
ثانياً، قدمت الجزيرة الأخبار بطريقة تنفي المقبول والمرغوب من قبل دوائر صناع القرار في وقت كان فيه من الواضح أن «المشروع» الأمريكي في المنطقة يعاني من انتكاسات كبيرة. لذلك، نظراً لصعوبة مطالبة الحكومة القطرية بإغلاق «الجزيرة» لأن مثل هذا الطلب سيتناقض مع قيم الحرية والديمقراطية، ظهر الخيار الوحيد المتمثل في قصف «الجزيرة». في الواقع، ثبت أن محاكاة وممارسة قصف «الجزيرة» قد حدثت في أفغانستان، في تشرين الثاني 2001، وفي العراق، في نيسان 2003، على الرغم من أنها نبهت الجانب الأميركي في كلا البلدين إلى مهمتها وأنشطتها وموقعها في كلا البلدين.
 
كان إطلاق القناة الفضائية من بين مشاريع قطر الأكثر تأثيراً، وأنشئت «الجزيرة» على غرار مشروع «أوربت» وهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) التي انسحبت من المشروع بسبب الرقابة السعودية. تعاقدت «الجزيرة» مع العديد من الصحافيين الذين تدربوا في «بي بي سي»، وتأسّست القناة القطرية بوصفها قناة فضائية خاصة مملوكة لمصالح تجارية مختلفة بما في ذلك أعضاء من الأسرة الحاكمة القطرية، ولكن مجلس الإدارة الذي تعلّم من فشل التجربة السعودية منح القناة هامشاً واسعاً جداً من الحرية التحريرية.
 
بغض النظر عن الدوافع، ساهمت «الجزيرة» بشكل واسع في تعزيز حرية الرأي وقدمت تغطية إخبارية متميزة منحت المشاهد العربي إطلالة كبيرة على ما يحدث في العالم من خارج قنوات البث الأميركي الموجه
 
 
أثبتت هذه الفسحة التحريرية أنها مفيدة للقناة بشكل ملحوظ، حيث كانت قادرة على بث برامج انتقادية تحليلية تحظى بشعبية كبيرة حول السياسة العربية والقضايا الاجتماعية والاقتصادية والثقافية المثيرة للجدل، واستقطبت هذه البرامج جمهوراً عربياً واسعاً، ومنحت القناة صدقيّة راسخة في الشارع العربي. وينبغي هنا التأكيد على أن «الجزيرة»، في سياق «ثنائيتها»، وبغض النظر عن الدوافع، قد ساهمت بشكل واسع في تعزيز حرية الرأي وقدمت تغطية إخبارية متميزة منحت المشاهد العربي إطلالة كبيرة على ما يحدث في العالم من خارج قنوات البث الأميركي الموجه. كما أنها في الوقت نفسه دفعت العديد من القنوات الفضائية العربية إلى محاولة تقليدها والاقتراب من نهجها، إلى حد أنها بدأت تنافس «الجزيرة» على ضيوفها الصهاينة.
 
تسبّبت القناة الإخبارية في حدوث مشاكل ديبلوماسية كثيرة للدوحة. فقد ضغطت الولايات المتحدة مراراً على قطر بسبب مواقف «الجزيرة» المناهضة للولايات المتحدة، عموماً، والتغطية السلبية للغزو الأميركي للعراق خصوصاً، بينما سحبت السعودية سفيرها لدى قطر في العام 2002 بعد التغطية الصحافية الناقدة للشؤون المحلية السعودية. ولكن يبدو أن هذه التغطية الانتقادية أثبتت استقلال دولة قطر في عيون العرب ومنحت المدينة-الدولة صدقيّة متزايدة. وقد تكرر الموقف السعودي المعادي لقطر بحجة القناة عندما قادت السعودية تحالفاً ضم، إلى جانبها، الإمارات والبحرين ومصر، لفرض الحصار على قطر في عام 2017 والذي استمر نحو أربع سنوات انتهى بمصالحة في قمة العلا بالسعودية في كانون الثاني 2021.
 
وقد تميز الخط التحريري والإعلامي لـ«الجزيرة» في بدايتها بالخروج على القيود التي تفرضها أنظمة الحكم في المنطقة بتناول قضايا مثل حرية الإعلام. وقد وفرت «الجزيرة» منبرا للترويج للأفكار الليبرالية في الوطن العربي وهو ما كان تلبية لرغبة الحكومة الأميركية في عهد الرئيس السابق بيل كلينتون وتبعتها في ذلك حكومة الرئيس جورج بوش وفي الوقت نفسه يخالف الموقف العام لأنظمة الحكم في المنطقة.
 
دور «المكون الإخواني» في القناة
كما اعتمدت قطر على الأماكن التي تملك فيها تعاطفاً وعلاقات؛ فقد كان في «الجزيرة» منذ فترة طويلة مكوّن قوي من جماعة «الإخوان المسلمين» من خلال العديد من الصحافيين والمحررين، ولا تزال قطر أيضاً، رغم موجة العولمة التي تجتاحها، مجتمعاً إسلامياً محافظاً، والمجتمع الوهابي الآخر الوحيد في العالم العربي باستثناء السعودية. كان الإسلامي المصري يوسف القرضاوي والإمام الليبي علي الصلّابي يقيمان منذ فترة طويلة في قطر، وبالتالي وجدت قطر نفسها، بطبيعة الحال، في وضع يمكّنها من دعم جماعات وأحزاب «الإخوان المسلمين» عندما انهارت الأنظمة المختلفة. ولكي نكون منصفين، فقد استضافت قطر أيضاً جماعات أخرى، مثل مروحة واسعة من الجماعات الإسلامية والعلمانية التي تشكّل المعارضة السورية، في محاولة لتقديم الدعم لها كذلك.
 
اتّهم البعض الدوحة بمحاولة بناء شبكة تحالف إقليمية لـ«الإخوان»، أو بأن ها تدعم الجماعة لمواجهة الدعم السعودي للسلفيين في هذه البلدان المختلفة. ولكن من المرجّح أن قطر تقوم ببساطة ببناء النفوذ حيث أمكنها ذلك، على أمل أن تكون لاعباً مهماً في «الشرق الأوسط الجديد»، وأن تكون لها أيضاً يد في مساعدة الأحزاب الشعبية مثل «الإخوان» على النجاح في إعادة الاستقرار وبناء الازدهار في بلدانها.
 
وفي هذا السياق تم النظر إلى تعيين عضو جماعة «الإخوان» (الأردنيين) وضاح خنفر مديراً لقناة «الجزيرة» العربية في تشرين الأول 2003 بقرار مباشر من أمير قطر خلال سفره إلى كوالالمبور بماليزيا لحضور مؤتمر منظمة المؤتمر الإسلامي حيث كان على متن طائرته خنفر الذي قدم له بعض المقترحات حول «الجزيرة». وقد ساهم في تعيينه ما قيل آنذاك عن تردي وضع القناة بعد تنحية مديرها العام السابق وعضو مجلس إدارتها محمد جاسم العلي بضغط أميركي، حيث خلفه بالإنابة عدنان الشريف الذي يعتبر إعلامياً جيداً لكن تنقصه المهارات الإدارية (والشريف كان هو واسطة الاتصال وترتيب أمور شراء متعلقات «أوربت» وانتقال طاقمها إلى الدوحة في عام 1996).
 
وخنفر كان واحداً من مجموعة العاملين في «الجزيرة» الذين يوصفون بأنهم «إسلاميون» متهمون بالتعاطف مع القضايا الإسلامية والعربية وعدائهم للكيان الصهيوني، سواء في برامجهم أو في تقاريرهم الإخبارية. ويسود اعتقاد لدى بعض المصادر بأن القيادة القطرية تعمّدت جمع الكثير من الإسلاميين في القناة على غرار ما تقوم به من دعم مالي للعديد من المؤسسات «الإسلامية» وخاصة في أوروبا والولايات المتحدة. وتشير هذه المصادر إلى أن رئيس مجلس إدارة الجزيرة حمد بن ثامر آل ثاني يقوم بدور «احتوائي» في هذا المجال حيث يقال بأن مهمة احتواء «الإسلاميين» مناطة به.
وفي عام 2007، عقب حملة شنها قطريون على خنفر، أعلن عن تشكيل مجلس جديد لإدارة شبكة «الجزيرة»، في شهر أيار من ذلك العام، ضم سبعة أعضاء لمدة ثلاث سنوات، لم يكن مديرها العام وضاح خنفر عضواً فيه، الأمر الذي فسر على أنه محاولة لإقصائه عن منصبه مستقبلاً، كما فسر أيضاً على أنه محاولة لإنهاء ما يسمى «نفوذ الإسلاميين في الجزيرة».
 
ضغوط تؤدي إلى تغيير
تؤكد تقارير نشرت في تلك الفترة الأهمية التي يحظى بها الدور الإعلامي والسياسي لـ«الجزيرة» التي أثبتت خلال سنوات عمرها العشرة (آنذاك) تقدمها على ما عداها من قنوات تلفزة عربية وحتى أجنبية على صعيد نقل الخبر والصورة الحية للمشاهد العربي حيثما كان إلى حد أن البعض يراها أداة تعبوية سياسية، وهو ما أثار حفيظة اليمين المتطرف ذو النفوذ داخل حكومة الرئيس الأميركي جورج بوش الابن، والتي طالما عبرت عن غضبها تجاه التغطية الإخبارية والحوارية التي تقدمها عبر برامجها اليومية.
 
وهو ما دفع البعض إلى الاعتقاد بأن التشكيلة الجديدة لمجلس الإدارة هي رضوخ للضغط الأميركي، ما يجعل من «الجزيرة» متساوقة مع السياسة الأميركية، إلى حد ادعاء البعض بأن بعض الأعضاء في مجلس الإدارة الجديد هم أميركيو التوجهات والارتباطات، وهو ما نفته حينها مصادر مطلعة داخل القناة أوضحت أن مهمة مجلس الإدارة هو رسم الاستراتيجية العامة للشبكة بكل فروعها وإعداد ميزانيتها السنوية ولا يتدخل المجلس بصورة مباشرة في السياسة التحريرية للقناة وهي متروكة لهيئة وإدارة التحرير، وأن هذا الأمر لا يزال قائماً دونما تغيير جوهري يذكر. فالتغيير في مجلس إدارة القناة هو في إطار النهج الذي اعتمده أمير قطر آنذاك الشيخ حمد حيث يجري تبديل أعضاء المجلس في كل دورة، وأن الدائم في المجلس هو رئيس مجلس الإدارة الشيخ حمد بن ثامر آل ثاني، المقرب جداً من الأمير، ودائماً كان هناك عضو غير قطري في المجلس، وعرف منهم قاسم محمد جعفر، محمود شمام، إدموند غريب، وآخرهم كانت المرحومة رضوى عاشور.
 
وقد تم عزو عملية التغيير في تركيبة مجلس الإدارة إلى «الصراع على الجزيرة» بين رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري آنذاك حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني وبين رئيس مجلس إدارة الجزيرة حمد بن ثامر الذي يحظى بدعم الأمير، وهو الأمر الذي كان يدركه حمد بن جاسم الذي سبق وأن كان يشار إليه في السابق على أنه «صاحب الجزيرة» لذلك فقد اختار في إطار الصراع على الشبكة هدفاً محدداً وهو وضاح خنفر الذي كان يحظى بثقة ودعم رئيس مجلس الإدارة. وقد لوحظ أن الحملة الصحافية التي شنت على خنفر في قطر كانت تقاد من قبل أحمد علي المشرف العام على صحيفة «الوطن» القطرية التي يمتلكها حمد بن جاسم مع آخرين، كما أن علي كان بدرجة سفير في وزارة الخارجية القطرية ومديراً للمكتب الصحافي لوزيرها.
 
وقد تردد أن ما كان يقال عن ضغوط أميركية أو توجهات أميركية داخل القناة وراء تلك التشكيلة الجديدة ليس سوى نوع من المبالغة، بالرغم من قدرة الضغط التي يمكن للحكومة الأميركية ممارستها على «أصدقائها» لوقف القناة أو تعديل خطها التحريري. لكن حقيقة الأمر أن الخشية من التشكيلة التي ضمها مجلس الإدارة الجديد آنذاك، من أن يستجيب إلى الضغوط الأميركية بشكل أكبر، قد تحققت بالفعل وإن تدريجياً. إذ لاحظ العديد من المشاهدين والخبراء أن تغييراً بدأ ملموساً في بعض الأحيان لكنه ليس جوهرياً بعد.
 
كانت «الجزيرة» في الأساس قناة ناطقه باللغة العربية فقط في كل برامجها، وهو ما يعني أن المستهدف منها هو المتلقي العربي وليس أحداً سواه، وهو ما يؤكد حقيقة أنها ليست قناة لنقل وجهة النظر العربية إلى الآخر، وليست قناة للدفاع عن الحقوق العربية أمام الآخر، بل هي قناة عربية للعرب فقط، ويبدو جلياً من نوعية البرامج التي تقدم والتي كانت تستهدف النزاعات بين الدول العربية، والخلافات داخل الدولة الواحدة بين طوائفها وعرقياتها وحتى بين التوجهات الفكرية وبين أصحاب المواقف السياسية ضمن الدولة الواحدة، وهو الأمر الذي لم يترك أثراً إيجابياً على المواطن العربي في أي دولة كان. ثم جاء ما يسمى بـ«الثورات العربية» وكانت الطامة الكبرى حيث رأينا الحقائق تشوه والأخبار الكاذبة تنتشر والتحريض الداخلي وغياب الرؤى والحلول. فقد غطّت قناة «الجزيرة» بحماس الانتفاضات في شمال أفريقيا وسوريا، في حين فرضت تعتيماً فعلياً على تغطية الاحتجاجات أو الحملات القمعية في البحرين.
 
علماً أنه قبل ذلك قبل ذلك بسنوات، تحديداً في 2007، قام أمير قطر السابق الراحل حمد بن خليفة بزيارة إلى الرياض في شهر سبتمبر 2007، أسفرت عن اتفاق بوقف حملات «الجزيرة» على السعودية، وهو ما عنى وقفاً متدرجاً لكافة الأخبار الشديدة وتجنّب أي هجوم على السعودية في البرامج الحوارية التي تبثها، والتي يتم التنسيق بشأنها، كما هو الحال فيما يتعلق بدول عربية أخرى، مع الديوان الأميري ووزارة الخارجية في قطر. فيما تؤكد مصادر من داخل «الجزيرة» أن بعض موضوعات هذه البرامج يتم باقتراح مباشر منهما. وقد انتقلت وقتها مسؤولية الإشراف على «الجزيرة» إلى جهازي المخابرات ووزارة الخارجية القطرية.
يرى مايكل وولف، الإعلامي الأميركي المعروف، في مقال بعنوان «Al Jazeera›s Edge»، أن الإدارة الأميركية تطمح في أن تصبح «الجزيرة» محايدة بالمعنى الأميركي، بحيث يقتصر عملها على نقل الرؤية الأميركية للأحداث.
 
لقد أصبح أداء «الجزيرة» الإعلامي مثل لوحة فسيفسائية جديدة من تركيب للألوان عجيب وهجين: من التعتيم الكامل على ما يجري في بلد، إلى التشديد الكامل على ما يجري في ثان إلى التحريض على نظام في بلد ثالث، وهكذا دواليك، والضحية في هذا كله هي الرسالة الأصل: الخبر. هكذا يتحول الخبر إلى موقف سياسي: بحجبه هنا وبتضخيمه هناك. بل هكذا يقع إنهاء الخبر من الأساس والتعويض عنه بالوقف السياسي.
* كاتب فلسطيني