سوشيال ميديا-
·
إلى الخال عبدالله العتوم
.... في صباي ، كنت أعود للكرك في الباص ...
باص الكرك كان ينطلق من مجمع الجنوب في الوحدات ...والغريب أنه الباص الوحيد في العالم الذي ينطلق بدون موعد ، القصة باختصار أنه يقف في المجمع وحين يترس بالركاب ينطلق ...والرحلة كانت تأخذ من لحظة جلوسك في الباص إلى وصولك مجمع الكرك (6) ساعات على أقل تقدير .
الباص لا يتغير فيه المشهد ، نفس الوجوه ونفس الملامح ....ونفس الحنين ونفس الوجع : يوجد فيه سيدة عجوز معها ابنها ، وتحمل (كيسا ) ورقيا أبيضا ..يحتوي على الكثير من العلاجات ، ولابد أنها كانت في مراجعة بالمدينة الطبية..وطوال الطريق تكرر ذات السؤال : ( فايز وصلنا يمه) ..وفايز يجيب : (شوي يمه ...بدنا شوي بنصل) ...
على الجهة المقابلة ، ممرضة في الخدمات الطبية ، ويبدو أنها في إجازة طويلة نوعا ما ، هندامها العسكري مرتب ، على كتفها رتبة وكيل ...ووسام في الجهة اليمنى من القميص ، وهذ الممرضة في الغالب تراقب الطريق ...من ثم بعد كل (20) كيلومترا من المسير تحني رأسها قليلا ثم تقوم بإعادة ثني الإشار ، وانحناءة الرأس معروف سببها ، أن لا يظهر ولو خصلة من شعرها للجمهور .
هناك أيضا مجموعة من العسكر في إجازة ، ويجلسون بحسب الرتبة ...ضباط الصف في الأمام والعسكر في الخلف ، نادرا ما تجد في الباص رتبة نقيب أو ملازم ...المرتبات كلها من ضباط الصف ، وأغلبهم صنف (مشاة) ...
في الكرسي الخلفي سيدة مع أولادها لأشقياء الأربعة ، يبدو أنها كانت في زيارة لشقيتها ...والأولاد أصغرهم (حمودة) ...وأكثرهم إزعاجا ، فهو يستغل لحظة انشغال الوالدة ، بتهديد أحد الأشقاء ، ويفتح شباك الباص ثم يبصق ...بالطبع (حمودة) يتلقى صفعة مدوية يسمعها جميع من في الباص ، لكن الفتى يقابلها بالضحك ، وبقية الأشقاء يطلقون ضحكات سخرية ، توحي بتشجيعهم لحمودة من أجل أن يكرر فعلته.
طبعا لأن ركاب الباص جميعهم بلا استثناء أكبر مني سنا ، ولأن اغلبهم يرتدي الزي العسكري ، ولأنه من محرمات السفر مثلا أن تجلس بجانب فتاة ، ولأن الكراسي كلها شاغرة ، يكون نصيبي الجلوس على غطاء المحرك ، ولكي يجاملني السائق بوضع قطعة من الكرتون أسفلي ...حتى لا أتأثر بالحرارة .
في الباص أيضا ، يوجد رجل بشارب ، وجهه يوحي بالوقار المزيف ، ويحمل حقيبة جلدية ، فيها أوراق رسمية ...ويرتدي ربطة عنق ، وشكله أيضا يوحي بانعدام فهمه لمايسمى بالتناسق في الألوان ...لكنه بالضرورة (نصاب) ..وهو للأمانة غريب الملامح أنت تعرف جميع من في الباص ، واللهجة أثناء حديثهم تجعلك تعرف حتى أسماء مناطقهم ، لكن هذا الرجل لالهجته ولاشكله يوحي بأنه من الكرك ..إذا لماذا ركب الباص معنا ، الكل يرمقه بنظرة غريبة ..وهو لايأبه يشعل سيجارة (فيلادلفيا) ...وينظر للطريق .
يقف الباص قي القطرانه ، عند استراحة قديمة ..فالحاجة التي راجعت المدينة الطبية تحتاج للحمام ، والنصاب الموجود في الباص يحتاج لشراء السجائر..والعسكر هم أيضا يحتاجون لشرب الماء البارد ، لكن نظرتهم إلى هذا النصاب ، تجعله يعيش في جو مرتبك ...ولايجرؤ أن يصعد الباص ، إلا إذا صعدوا هم ...وحمودة يستغل وقوف الباص وغفوة الأم ، فيفتح (برداية) الشباك ويرمي ببصقة مدوية ..لم يكن يعرف المسكين أن سائق شاحنة كان يمر بجانبه ، واستقرت البصقة على وجهه ...لكن الأمر يعالج فورا ، فحين يصرخ سائق الشاحنة مستهجنا ..على الفور يستدرك المشهد أحد الركاب من مرتبات (المشاة) ...ويبعده عن الباص، بعد أن يجري معه مفاوضات تهدئة وتهديد في ذات الوقت ...
المهم نغادر القطرانه ، والسائق بالضرورة أن يضع أغنية لمحمد عبده ..هي نفس الأغنية منذ أن احترفت طريق الجنوب: (لا تردين الرسايل ويش اسوي بالورق) ...بالطبع يتحمس أحد العسكر من صنف المشاة ، ويقول للسائق : (علي اشوي ابو محمود علي الصوت) ...طبعا وكيل شرطة عسكرية ، يجلس بمحاذاة السائق في الكرسي الأول يرمقه بنظرة مرعبه فيصمت العسكري ...الجيش حتى خارج الخدمة فيه انضباطية ...والشرطة العسكرية تخالفهم حتى وهم في الإجازة .
بعد ساعتين من انطلاقنا نصل الكرك ، نصل ما يسمى (البركة) وهي مجمع موقف الباصات ...طبعا أنا أكثر الركاب ألما ، لكني على الفور أتفقد جيوبي خوفا من سقوط (الليرات) فقد أعطاني أبي (5) ليرات وهي مصروفي في الكرك مدة تزيد عن الأسبوعين ، وعلى أن أتفقد حقيبة فيها ملابسي ، وعلبة السجائر التي اشتريتها من مجمع الجنوب ...أنا لا أجرؤ في ذلك السن على إشعال سيجارة ، لأني إن اشعلتها في الباص سيكون مصيري مثل حموده ...
لكن المشهد الذي يربكبني هو لحظة توقف الباص ، على الفور يبدأ جميع الركاب بالنظر إلى العجوز والقول : الحمد لله ع السلامة يا حجة ...وهي تبدأ بشكرهم والدعاء للعسكر بجملة : الله ينصركوا ، والجميع أيضا يتعاطف مع (حمودة) فاخر صفعة تلقاها ...كانت مؤلمة والطفل ما زال يشعر بالدوخة ، لكن الممرضة المحجبة تعطيه قطعة (حلقوم) ...ومرتبات العسكر جميعهم يسلمون على (ابو محمود) ويشكرونه على حسن القيادة ..والنصاب لحظة نزوله أيضا يلحقه رقيب أول من المشاة ويخضعه لجولة تحقيق فهو ليس من الكرك ولابد من معرفة تفاصيل حضوره ....وأنا بالضرورة أن يتعاطف معي أحد الركاب لأني الأصغر سنا واحتراما للجميع رضيت بالجلوس على غطاء المحرك ويقول لي ممازحا : (شو شكلو فرن مولع تحتك) ....وثمة مزاح وضحكات .
أستغرب الرحلة كثيرا فالطريق التي بدأناها من مجمع الجنوب ، واستمرت أكثر من (5) ساعات بما فيها الإنتظار الجميع ظل صامتا ، لماذا انطلقت قريحتهم وبدأوا الكلام لحظة وصولنا الكرك ...المشهد ظل يتكرر معي حتى في أثناء دراستي الجامعية ، وكنت أسأل نفسي في كل المرة ...لماذا فقط في الكرك وحدها يصبح الكلام مباحا والفرح مباحا ، وجميع الركاب يدركون أن الوحيد الذي ضحى من أجل راحتهم وجلس على غطاء المحرك هو أنا ، ويتعاطفون معي ...
البارحة فقط تذكرت طفولتي ورحلتي للكرك ..حين أقام الزملاء : سمير الحياري ، وعمر كلاب ، محمد التل ، عمر سلامه ، علي الطراونه ، احمد سلامه ، عبدالله راجي ...لأستاذنا الكبير عبدالله العتوم وليمة عشاء تكريما لمحبته وصداقته ..وعمره المديد وكانت الوليمة في نادي الأردن ..تذكرت تلك القصة ..
باص الكرك يشبه الأردن تماما ، فقط يتذكروننا في النهايات يا خال ...حين نصل اخر محطات العمر يتذكروننا ، ويتذكرون أنا مشينا الرحلة كاملة ونحن نجلس على صفيح ساخن ...ولم نشكو لأحد ولم نطلق ولو صرخة ألم بسيطة .
الأردن هو البلد الذي ينساك طوال الرحلة ، يتذكرك فقط عند لحظة الوصول .....
أنا مثلك يا خال ...لم يتغير علي شيء ، مازلت أجلس على ذاك السطح الساخن .
أطال عمرك خالي عبدالله العتوم ، متعك بالصحة والعافية ...ويبدو أن الأردن قدرنا المؤلم والجميل في ذات الوقت .
عبدالهادي راجي
ملاحظة : الصورة المرفقة هي للخال النبيل عبدالله العتوم أثناء استعادتنا لذكريات مضت .