"مدارات نقدية في التلقي والتأويل".. قراءة نقدية مبتكرة للشعر الأردني
الغد-عزيزة علي
يسعى كتاب "مدارات نقدية في التلقي والتأويل: نماذج من الشعر الأردني المعاصر" للدكتورة فداء عدنان أبو فردة، الصادر عن دار دجلة للنشر والتوزيع، إلى إلقاء الضوء على تجربة شعراء أردنيين معاصرين وتحليل جماليات نصوصهم من خلال دراسة الرمز والانزياح والتكرار، إضافة إلى آليات التلقي الحديث وتوظيف الدراما والمفارقة في الشعر.
ويهدف الكتاب إلى تقديم قراءة نقدية حديثة تبرز دور المتلقي في إعادة بناء النص وتأويله، مؤكدا خصوصية الشعر الأردني المعاصر وثراء بنيته الجمالية والدلالية، ومساهمته في إثراء المشهد الأدبي العربي. كما يضم الكتاب خمس دراسات تطبيقية تتناول أهم الظواهر الأسلوبية في القصيدة، ويعد مساهمة مهمة في إنصاف الشعر الأردني وإبراز موهبة شعرائه.
كتب الدكتور راشد عيسى مقدمة للكتاب، أشار فيها إلى أن القصائد الخمس التي تناولتها الناقدة فداء أبو فردة تمثل شعراء متفاوتي التجارب والأجيال والأثر الإبداعي. ورأى أن هذا الاجتهاد النقدي ضروري لمتابعة تحولات القصيدة المعاصرة واستشراف مكامن الإضافة الفنية النوعية، لا سيما في ظل الحاجة الملحة إلى نقاد وباحثين أذكياء يضعون منجز الشعر في مرايا النقد الأدبي، الذي وجد لمواكبة تطلعات القصيدة وخصوصياتها الفنية.
وأضاف أن الأردن يفتقر إلى سياق منهجي جاد في النقد الأدبي، سواء عبر برامج أو خطط مدروسة تعتمدها وزارة الثقافة أو الهيئات الأدبية الأخرى، لتقديم كشف حساب إبداعي دقيق يسلط الضوء على مخرجات الأدب، وخاصة الشعر، ويبرز رموزه المتميزة.
ويضم الكتاب خمس دراسات تتناول خمس ظواهر أسلوبية بارزة: الرمز، والانزياح، والتكرار، والدراما، والمفارقة، وهي ظواهر أساسية في بناء القصيدة. فالقصيدة الخالية من أي من هذه الظواهر قد تؤول إلى النسيان بسرعة.
اتبعت الناقدة أسلوب المهندس المدني في مسح الأراضي الشعرية المختارة، بما يؤكد شيوع الظواهر وفق نظرية التلقي والتأويل، ما يمنح القارئ فرصة للاطلاع على سيرورة الفعل النقدي التأملي، سواء عند القارئ العام أو عند القارئ الضمني، الذي يعيد إنتاج القصيدة ويفكك بنيتها ويقيم تجاوزاتها الإبداعية.
وتبرز أهمية الكتاب في دوره الفاعل بالمشهد النقدي الأردني، إذ يحرك سُباته ويسرع حركته بما يتوافق وروح العصر وطبيعة الفكر النقدي الحديث. فهو اجتهاد حازم في الإضاءة على الشعرية في الأردن، حتى لو كان عدد الشعراء محدودا، إذ كان الهدف تطبيق الظاهرة على نماذج محددة، وليس البحث عن استثنائيات فنية نادرة، فالشعر الحديث غني بالأنساق الموضوعية والفنية الجديدة.
ويرى عيسى أن الناقدة تتمتع برؤية، وثقافة، وحماسة، وانتماء للشعر، في ساحة أدبية تتسم بالندرة في الرعاية والتوجيه المخطط. فالكتاب يذكر بأهمية امتحان الإبداع الشعري وكشف قدرته على الاستمرار، ويعد مبادرة جدية لوضع لبنة أساسية في صرح النقد الأدبي، يضاف إليها بناء أكبر مستقبليا.
وخلص إلى أن المؤلفة تستخدم لغة تراوح بين المعيارية والجمالية، بين البيان التقريري والالتماع البلاغي المتسق مع روح الشعر. كما يعتبره جزءا من مشروع نقدي متكامل يشتبك بالشعر والسرد، وبشارة شجاعة بالتحرك نحو تنوير نقدي يواكب المنجز الأدبي، مع التأكيد أن الاحتفاء بالناقدة لا يقل أهمية عن الاحتفاء بالمبدع المتميز، إذ إن حركة الإبداع الأدبي تنوعية كلية تشمل كلا من المبدع بصفته مزارعا أدبيا، والناقد بصفته مهندسا زراعيا خبيرا.
يتألف الكتاب من فصلين: الفصل الأول: تناول جماليات التلقي والتأويل في الشعر الأردني المعاصر، ويتضمن ثلاثة أبواب: الرمز، والانزياح، والتكرار كظاهرة إيقاعية. الفصل الثاني: درس آليات التلقي الحديث وتوظيف الشعراء لها، ويتضمن بابين: الدراما والمفارقة.
تشير الدكتورة فداء أبو فردة، في مقدمة كتابها، إلى أن الدراسة تتناول التجربة الشعرية لشعراء أردنيين من خلال تحليل الرموز والانزياحات والتكرار، مع دراسة آليات التلقي الحديث واستخدام الشعراء لها في بناء الدراما والمفارقات. ويهدف الكتاب إلى إبراز مساهماتهم الشعرية وإنصافها ضمن المشهد الأدبي الأردني المعاصر.
وتقول المؤلفة إن الكتاب ينطلق من هذا الأفق النقدي الحديث، متخذا من الشعر الأردني المعاصر مجالا تطبيقيا للكشف عن طاقاته التعبيرية وجمالياته الكامنة، وآليات اشتغاله على الرمز والانزياح والتكرار والدراما والمفارقة.
يتناول الكتاب عناصر الشعر الأردني المعاصر بوصفها عوامل فنية تسهم في كسر أفق التوقع، وتفجير الدلالة، وتوسيع التأويل، مع ربطها بالسياق الثقافي والمعرفي وتجربة الشاعر الذاتية والواقع الجمعي. ويهدف الكتاب إلى إنصاف الشعر الأردني الذي لم يحظ بالدراسة الكافية، من خلال تقديم قراءات تطبيقية لنماذج شعرية متنوعة، مع تحقيق توازن بين النظرية والتطبيق النقدي.
كما يولي الكتاب اهتماما خاصا بالقارئ الضمني، إذ تتشكل دلالات النص عبر شبكة من الإشارات والفراغات التي لا تكتمل إلا بفعل القراءة، ما يجعل القصيدة كيانا تفاعليا متجددا يمنح الشعر حيويته واستمراريته. ويؤسس الكتاب لرؤية نقدية ترى في الشعر الأردني المعاصر خطابا إبداعيا مفتوحا قادرا على مساءلة الواقع واستنطاق الذات، وبناء علاقة جمالية خلاقة مع المتلقي في زمن تتعقد فيه أنماط التلقي.
في خاتمة الكتاب، تؤكد الدكتورة فداء أبو فردة أن الدراسة سلطت الضوء على مساحة محدودة من تجربة بعض شعراء الأردن، موضحة عوالمهم الشعرية ومواطن التلقي والتأويل في أعمالهم. ويتميز الشعر الأردني الحديث بالمراوحة بين اللغة اليومية المألوفة واللغة الرمزية الغنية بالغموض والأساطير، ما يولد الدهشة ويكسر الرتابة اللغوية.
وقد نجح الشعراء في توظيف الدوال والرموز والانزياحات بما يعكس تنوع ثقافتهم وتجاربهم الإنسانية، مستخدمين الدراما والمفارقة لإضفاء ألق على النصوص وإثراء تجربة القارئ. ويعكس شعرهم وعيهم بالواقع الأردني وتجارب الحياة الصعبة، ما يمنح النصوص صدقا ووجعا، ويتيح تعدد القراءات.
وخلصت إلى أن الكتاب يأتي كجهد لإنصاف الإنتاج الشعري الأردني، مبرزا شعراء أخلصوا للشعر، حيث تعكس قصائدهم موهبتهم وثقافتهم ووعيهم، ليكون العمل منارة نقدية وإبداعية تهتدي بها الأجيال المقبلة من الشعراء.
تؤكد المؤلفة، في خلاصة الدراسة، أن الشعر الأردني المعاصر يمتلك بنية جمالية ودلالية ثرية، تستجيب لمتطلبات القراءة النقدية الحديثة، وتبرهن على قدرته على إنتاج نصوص مفتوحة تتجاوز حدود المعنى الواحد، وتستدعي قارئا فاعلا يشارك في تشييد دلالاتها. كما أظهرت تطبيقات جماليات التلقي والتأويل أن النص الشعري لا يكتمل عند لحظة كتابته، بل يتشكل باستمرار عبر سلسلة من القراءات المتعاقبة، التي تعيد بناءه وتكسر أفق التوقع.
كذلك، كشفت الدراسة أن الرمز والانزياح والتكرار والدراما والمفارقة ليست مجرد أدوات فنية للتزيين، بل آليات معرفية وجمالية تعمق التجربة الشعرية، وتكثف خطابها، وتحول القصيدة إلى فضاء حواري بين الذات والآخر، وبين الواقع والمتخيل. ويعتمد نجاح هذه الآليات على قدرة الشاعر على توظيفها ضمن سياق منسجم يحترم ذكاء المتلقي ويحفز قدرته على التأويل.
من خلال تحليل نماذج شعرية متعددة، برزت خصوصية التجربة الشعرية الأردنية في تفاعلها مع القضايا الوجودية والإنسانية والوطنية، واستثمارها المرجعيات التراثية والدينية والتاريخية ضمن رؤية حداثية تعيد تأويل الماضي وتوظيفه لبناء دلالات جديدة، ما يعكس وعيا شعريا يتجاوز المباشرة إلى الشعرية والإيحاء والاختزال وكثافة المعنى.
ويؤكد الكتاب أنه لا يدعي الإحاطة الشاملة بالشعر الأردني المعاصر، لكنه يفتح أفقا نقديا لدراسته، داعيا إلى مزيد من الأبحاث التي تعنى به من زوايا منهجية مختلفة، وتسهم في ترسيخ مكانته ضمن المشهد الشعري العربي. فالشعر، وفق ما تكشفه الدراسة، يظل فعلا إنسانيا مقاوما للنسيان، ومجالا خصبا للتأويل، وفضاء رحبا للحوار بين النص والقارئ. ومن هنا، تأتي الخلاصة لتؤكد أن القراءة النقدية ليست نهاية النص، بل بداية جديدة لحياته.