ثقافة التخلي.. إعادة تعريف للعلاقات أم تهديد لها؟
الغد-ديمة محبوبة
ينتشر خطاب "التخلي" على منصات التواصل بشكل لافت، ويقدم على أنه الطريق الأقصر للراحة النفسية. عبارات جاهزة تتكرر: "اترك من يزعجك.. لا تتعلق بأحد، ابتعد لتحافظ على نفسك"، جميعها عبارات تشجع على التخلي، ومع كثرة التكرار تتحول هذه الأفكار إلى قناعة عامة، خصوصا لمن يبحث عن مخرج سريع من ضغط العلاقات وتعقيدها.
واللافت في الأمر أن هذا الطرح لا يأتي من مستخدمين عاديين، بل من مؤثرين ومدربين في مجالات التنمية الذاتية، يروجون لفكرة أن الاستقلال العاطفي الكامل هو الشكل الأمثل للحياة.
خبراء الاجتماع وعلم النفس يشرحون، أن هذه الفكرة تبدو في ظاهرها مقنعة، خاصة لمن مر بتجارب مؤلمة، لكن الإشكالية تظهر حين تتحول إلى قاعدة تطبق على كل علاقة، بغض النظر عن طبيعتها أو عمقها.
تروي نور (26 عاما)، تجربتها مع ما يعرض على "السوشال ميديا" من بودكاست أو "ريلز" أو حتى حسابات لمختصين في التنمية البشرية أو مشاهير، وقصصهم عن التخلي عن كل ما يمكن أن يؤثر على المزاج ويكدره، حتى شعرت أن عليها تطبيق هذه النصائح التي قد تغير حياتها للأفضل.
عند أول خلاف مع صديقة مقربة، قررت قطع العلاقة مباشرة، مقتنعة أن ذلك يحميها من أي ضغط. وتقول: "كنت أشعر أنني قوية لأنني لا أتمسك بأحد"، لكن بعد فترة بدأت أشعر بفراغ واضح، وأدركت أن الخلاف لم يكن يستحق النهاية، بل كان يمكن تجاوزه بالحوار.
أما سامي، فروايته مختلفة وتتعلق بمصيره، إذ كان مرتبطا بزميلته في العمل ويخططان للزواج، ولأن حياة الخطوبة ليست دائما وردية، حسب وصفه، قرر إنهاء علاقته بها بعد متابعة مستمرة لنصائح تدعو إلى الاستقلال الكامل وعدم التعلق، وأن من يريد تغييرك يعني أنه يريد السيطرة، ومن لا يتقبلك لا يحبك.. وما إلى ذلك.
وقال: "كنت أفسر أي ضيق على أنه علامة للابتعاد، لكن بعد الانفصال اكتشفت أن المشكلة لم تكن في العلاقة نفسها، بل في عدم قدرتي على التعامل معها، والانجرار وراء ما ينصح به المشاهير على صفحاتهم".
وبين أنه لاحقا، أدرك أن الراحة لا تأتي دائما بالانسحاب، بل أحيانا بالتفهم وإعادة التوازن.
لكن تجربة هبة مختلفة تماما، مبينة أنها كادت تخسر علاقتها مع أحد أفراد عائلتها بسبب الفكرة ذاتها. وتقول: "إن أي نقاش أو توتر بسيط كان يدفعني للتفكير بالابتعاد"، معتبرة ذلك حماية للنفس. لكن مع الوقت، أدركت أن العلاقات العائلية لا تدار بهذه الطريقة، وأن بعض المساحات تحتاج صبرا وحدودا، لا قطيعة.
وأضافت أنها تعلمت أن كل ضيق لا يستوجب الاختفاء، بل أحيانا المواجهة وإصلاح الخلل.
هذه الحالات، تعكس كيف يمكن لفكرة "التخلي السريع" أن تبدو مريحة في البداية، لكنها قد تقود إلى عزلة أو فقدان علاقات كان من الممكن الحفاظ عليها لو أعطيت فرصة للفهم والمعالجة.
بدوره، يرى اختصاصي علم الاجتماع الدكتور محمد جريبيع، أن هذا الخطاب يعكس تصاعد النزعة الفردية، حيث يعاد تعريف الراحة على أنها الابتعاد عن الآخرين، بدل تنظيم العلاقة معهم. ويشير إلى أن الإنسان بطبيعته كائن اجتماعي، وأن العلاقات ليست عبئا بحد ذاتها، بل إن طريقة إدارتها تحدد أثرها.
وينظر إلى هذا النوع من الخطاب الذي يروج للتخلي السريع عن العلاقات، بوصفه جزءا من تحول أوسع في بنية المجتمع، وليس مجرد سلوك فردي.
وبين أنه مع صعود النزعة المرتبطة بمفهوم Individualism (الفردانية)، أصبح ينظر إلى الإنسان ككيان مستقل تماما، ومسؤول أولا عن راحته الذاتية، حتى لو جاء ذلك على حساب الروابط الاجتماعية.
وتحدث عن فكرة أن المجتمعات قائمة على ما يعرف بـ Collectivism (الجماعية)، أي ترابط الأفراد ضمن شبكة من العلاقات الأسرية والاجتماعية التي تمنحهم دعما وهوية مشتركة.
وأضاف أن العلاقات لم تكن خيارا سهلا، حتى يتم التخلي عنها، وإنما كانت جزءا من البناء الاجتماعي نفسه، وهو ما يجعل الخطاب الحالي يبدو كتحول في القيم أكثر منه مجرد تغيير في السلوك.
وأوضح أن فهم هذه الظاهرة، يمكن من خلال نظرية Liquid Modernity (الحداثة السائلة) التي طرحها عالم الاجتماع زيغمونت باومان، التي تشير إلى أن العلاقات في العصر الحديث، أصبحت أقل ثباتا وأكثر قابلية للتغيير السريع. في هذا الإطار، لم تعد العلاقات تبنى على الاستمرارية، بل على المرونة وقابلية الانسحاب، ما يجعل فكرة "التخلي"، منسجمة مع طبيعة هذا العصر.
ومن زاوية أخرى، يفسر جريبيع نظرية التبادل الاجتماعي، على أن الأفراد يقيمون علاقاتهم بناء على ما يقدمونه وما يحصلون عليه، قائلا: "لكن في سياق "السوشال ميديا"، يتم تبسيط هذه الفكرة بشكل مفرط، حيث يختزل أي شعور بالضيق على أنه خسارة، من دون النظر إلى عمق العلاقة أو إمكانية إصلاحها".
ووفق جريبيع، فإن هذا التحول ينتمي إلى ما يعرف بمفهوم Anomie (اللامعيارية الاجتماعية)، وهو مصطلح يشير إلى ضعف القواعد والمعايير الاجتماعية التي كانت تضبط العلاقات بين الناس، فيصبح الفرد أكثر ميلا لاتخاذ قراراته بشكل منفصل عن السياق الاجتماعي، بما في ذلك إنهاء العلاقات بسهولة.
من جانبها، أوضحت المرشدة النفسية والتربوية رائدة الكيلاني، أن هناك خلطا واضحا بين وضع الحدود الصحية وبين الانسحاب الكامل.
وبينت أن العلاقة الناضجة لا تعني التحمل على حساب النفس، لكنها أيضا لا تعني الهروب عند أول اختلاف، ونسيان تاريخ هذه العلاقة وما مرت به، واستسهال العيش وحيدا، وأن "لا غالي لي".
وأشارت إلى أن مهارات مثل الحوار والتفاهم وإدارة الخلاف، لا تبنى إذا اعتاد الشخص على الانسحاب السريع.
وأن ما يعزز انتشار هذا الخطاب هو طبيعة "السوشال ميديا" نفسها، التي تميل إلى الاختصار والتعميم؛ فجملة قصيرة قد تحصد آلاف المشاركات، لكنها لا تعكس تعقيد العلاقات الإنسانية، فليس كل خلاف مؤشرا على نهاية، وليس كل ضيق يستدعي القطيعة.
وبينت أنه لا يمكن إنكار أن بعض العلاقات تكون مؤذية فعلا، وأن الابتعاد عنها ضرورة، لكن التحدي الحقيقي يكمن في التمييز: "متى نضع حدودا، ومتى نحاول الإصلاح، ومتى يكون الانسحاب هو الخيار الصحيح".
ووفق الكيلاني، فإن الحياة لا تقوم على العزلة الكاملة، ولا على التعلق الأعمى، بل على الموازنة بين القرب والمسافة، بين الاحتفاظ بالنفس والحفاظ على الآخرين، فهو ما يصنع علاقة صحية. وشددت أخيرا على أن العلاقات، رغم ما تحمله من تعب أحيانا، تبقى جزءا أساسيا من معنى الحياة، لا عبئا يجب التخلص منه بسهولة.