سورية والمنطقة.. حالة التشاؤل السياسي*محمد أبو رمان
الدستور
حظيت محاضرات د. برهان غليون، وهو المفكر السياسي السوري المعروف باهتمام واسع وكبير من النخب السياسية والفكرية الأردنية، وقد استضافه منتدى الحموري للتنمية الثقافية في لقاء كبير في المركز الثقافي الملكي بمحاضرة تناولت مستقبل الشرق الأوسط، بينما عقد له معهد السياسة والمجتمع جلسة نقاشية مغلقة مع نخبة من السياسيين والمثقفين عن الانتقال السياسي في سورية.
إقليمياً، طرح غليون فكرة أنّ المنطقة اليوم أمام مسارين أو مشروعين؛ الأول وهو مشروع الهيمنة الإسرائيلي، والثاني الذي دعا إليه غليون الصحوة الإقليمية من قبل الدول المحورية في المنطقة لللتعامل مع هذه التحديات التاريخية، وهنا تأتي مسألة ضرورة تطوير مفهوم التحالف الإقليمي، الذي بدأ يتشكل، ويشمل السعودية وتركيا، ليضم معهم مصر بما تحمله من ثقل سياسي في المنطقة، وربما دول أخرى، حتى إيران في حال تغيرت سياساتها خلال المرحلة القادمة، وأن تشكل هذه الدول المعادل الإقليمي الموضوعي والاستراتيجي في مواجهة محاولات الهيمنة الإسرائيلية.
مثل هذا الحلف الإقليمي هو من باب اقتصادي واستراتيجي وأمني بحت، حتى لو تجاوزنا الارتباطات القومية والإسلامية، هو مصلحة لدول المنطقة وشعوبها، ويمكنه أن يشكل رافعة للاقتصاد والأمن والتعاون ويخدم الجميع، فهو كما يقال – والكلام لكاتب هذه السطور- Win- Win Game، يخدم مصالح الجميع، ويعزز مصادر قوتهم ومكانتهم الإقليمية، في وقت باتت تتجه فيه السياسات الإقليمية نحو ما يطلق عليه الأقلمة Regionalization، مع بروز الحروب الجيو استراتيجية الجديدة والتحولات في طبيعة النظام الدولي.
وبالرغم من حالة النشوة والتفوق التي تهيمن اليوم على أركان الحكومة اليمينية في إسرائيل، فإنّ غليون يرى بأنّ مشروع هيمنة إسرائيل الإقليمية مسألة بعيدة كل البعد عن الواقع، ولن تجلب لإسرائيل سوى مزيد من الأزمات والحروب والصراعات، بديلاً عن الأمن والسلام، فهي في نهاية اليوم دولة صغيرة (حتى وإن كانت مرتبطة بالغرب) وسط محيط من الشعوب والمجتمعات التي ترى فيها عدواً خطيراً، ومسألة فرض القبول بها بالقوة وعبر تفكيك المنطقة وتحويلها إلى قبائل هو سيناريو راديكالي يكرس مفهوم العداء لإسرائيل شعبياً وسياسياً.
أمّا المسألة الثانية، المتعلّقة بالشأن السوري، فتتمثّل بالتمييز بين العديد من المفاهيم وإطارات العمل المطلوبة خلال المرحلة القادمة، فهو يقرّ بأنّ رفع سقف التوقعات الحالي لنطالب بدولة ديمقراطية خلال فترة قصيرة، هو طرح غير واقعي وليس ممكناً، في ضوء الحالة التي أصبحت عليها سورية، والإرث الكارثي للنظام الدموي السابق، فالمرحلة القادمة، من الضروري التركيز على إعادة بناء الدولة كإطار اجتماعي- سياسي والتأكد من وحدة الأراضي والتطبيع الدولي والإقليمي بما يعيد تحريك عجلة الاقتصاد السوري بعد رفع العقوبات عن سورية.
برأي غليون فإنّ الرئيس السوري أحمد الشرع يواجه العديد من التحديات الداخلية والخارجية المعقدة، لكنّه يظهر قدراً مدهشاً من الواقعية والبراغماتية السياسية والتعامل مع القوى الإقليمية بذكاء، من خلال إدارة التوازنات الدولية والإقليمية، ومخطئ – والكلام لغليون- من يرى فيه أداة بيد هذه الدولة أو تلك، وهذا التحليل للتذكير هو من مفكر سياسي عربي علماني عقلاني لديه موقف نقدي تاريخي من الإسلام السياسي، وليس جزءاً من السلطة الراهنة، لكنّه كأستاذ اجتماع سياسي يرى أنّها تسير في خطى واقعية بصورة جيدة في سياق التناقضات الداخلية والخارجية الصعبة وفي إدارة التعامل مع المخاطر العديدة.
من ضمن القضايا المهمة التي طرحها غليون سؤال العلاقة والمهمات المرتبطة بدور كل من الحكم والمجتمع، فهو يرى بأنّ المطلوب تطوير إطار سياسي ودستوري، من قبل الدولة وضمان الأمن والخدمات والبنى التحتية ويركز على سيادة القانون، لكن المطلوب من القوى المجتمعية والنخب السياسية أن تعمل على الجانب الاجتماعي في تطوير حالة من الإجماع والتوافق بين المكونات المختلفة ومواجهة خطابات التفكيك والإقصاء والطائفية بخطابات وطنية وبنقاشات داخلية تواجه المخاوف المتبادلة التي تمثل إرثاً للنظام السابق.