المنظومة الدولية التقليدية تنهار والعالم في مرحلة اللايقين بانتظار الجديد*رومان حداد
الراي
منذ بداية العشرية الثالثة من القرن الحادي والعشرين ظهرت مجموعة تحديات جذرية للمنظومة العالمية أظهرت ضعفها وعدم قدرتها على مواجهة هذه التحديات الجديدة، حيث شهد عام 2020 وباء عالمياً، هو الكوفيد 20، حيث أظهرت منظمة الصحة العالمية عجزها التام عن التعامل مع هذا الوباء، وأظهرت المنظومة الدولية ككل شللها، فعاش العالم واحدة من أسوأ لحظاته منذ الحرب العالمية الثانية.
وبعدها بعامين، تحدت روسيا المنظومة الدولية وقامت بشن حرب على أوكرانيا، واسماها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالعملية العسكرية الخاصة، هذه العملية التي لم تستطع منظومة الأمم المتحدة التعامل معها، وما زالت مستمرة حتى الآن.
ولكن الاختبار الأكبر للمنظومة الدولية كانت حرب الإبادة الصهيونية ضد الفلسطينيين في قطاع غزة، هذه الإبادة التي بثتها الشاشات بكل تفاصيلها على مدى عامين، دون أن تستطيع منظمة الأمم المتحدة أو القانون الدولي والشرعية الدولية لحقوق الإنسان من وقفها في أية لحظة.
الاختبارات الثلاثة السابقة أظهرت للعالم أن المنظومة الدولية السائدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية باتت معطوبة، ولا بد من البحث عن منظومة بديلة قابلة للعمل في ظل الظروف المستجدة، وهو ما يتطلب تحركاً غير تقليدي لفهم التغيرات الجذرية التي حدثت في العالم لإنتاج منظومة دولية جديدة تعكس الواقع الحالي وقادرة في ذات الوقت على القيادة لمدة نصف قرن قادم على أقل تقدير.
وبعيداً عن التحديات الثلاثة السابقة، فإن وصول الرئيس دونالد ترامب إلى سدة الرئاسة في البيت الابيض كان عاملاً حاسماً إضافياً لإعلان أن المنظومة الدولية خارج العمل، فهو قطع التمويل عن 66 مؤسسة دولية، وهو ما دفع أنطونيو غوتيرش، أمين عام الأمم المتحدة، للتحذير من أن الأمم المتحدة تواجه انهيارا ماليا وشيكا في شهر تموز القادم، كما قام الرئيس ترامب بتشكيل مجلس السلام العالمي، برئاسته بصفته الشخصية، ليدير قطاع غزة في مرحلة ما بعد الحرب، وأعلن عن رغبته في تمدد أعمال هذا المجلس ليشمل مناطق أخرى، بعيداً عن أي دور لمنظمة الأمم المتحدة.
المرحلة التي يمر بها العالم حالياً يمكن اعتبارها المرحلة الوسيطة، وهي المرحلة بين تفكك المنظومة الدولية القائمة وتبلور منظومة جديدة، حيث ستتم إدارة النزاعات في هذه المرحلة خارج إطار الضمانات التقليدية، عبر صفقات مؤقتة ومناطق نفوذ وتفاهمات غير معلنة، وستجد الدول، خصوصا المتوسطة والصغيرة، نفسها مضطرة لإعادة تعريف أمنها القومي خارج الأطر التقليدية، وهو ما سيضطرها للبحث عن بدائل قد تكون أكثر كلفة وأقل استقرارا، وستفرض المرحلة الانتقالية الحالية واقعاً دولياً أكثر فوضوية وأقل قابلية للتنبؤ، حيث لم تسقط القواعد القديمة بالكامل، ولم تتبلور بعد قواعد جديدة قادرة على ضبط النظام الدولي ومنع انزلاقه نحو أزمات مفتوحة طويلة الأمد.
وكما يكشف هذا التحول عن بداية انهيار المنظومة الدولية الحالية، إلا أنه يكشف أيضاً بروز ملامح نظام دولي جديد أقل مؤسسية وأكثر سيولة ، وفي ظل هذا النظام الجديد، لتبقى الدولة هي الفاعل الوحيد في إدارة الشؤون العالمية، بل ستشاركها شركات كبرى ومؤسسات مالية ومنصات إعلامية وأفراد يمتلكون نفوذاً سياسياً أو اقتصادياً عابراً للحدود،هذا التداخل في الأدوار سيخلق مشهدا دوليا معقدا، ستتغير فيه القواعد الواضحة التي ارتكن لها العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية لصالح قواعد جديدة تفرضها موازين قوى متحركة، دون إغفال لأثر تصاعد دور وتأثير الذكاء الاصطناعي.
قد يحتاج العالم إلى فترة تمتد من خمس سنوات إلى سبع سنوات كي يستقر على منظومة دولية جديدة، وحتى ذلك الحين سيموج العالم، بما فيه منطقتنا كلها، دون وجود شواطئ قابلة للرسو، وعلى كل دولة أن تحافظ على الحد الأدنى من توازنها حتى لا تغرق، ولتكون من الناجين القادرين على الجلوس على طاولة المنظومة الدولية الجديدة.