عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    19-Mar-2026

حقل ألغام هرمز

 الغد

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
كيتلين تالمادج* - (فورين أفيرز) 13/3/2026
خططت قوات بحرية الحرس الثوري الإيراني منذ زمن طويل لتهديد حركة الملاحة في مضيق هرمز باستخدام مزيج من الألغام والصواريخ والطائرات المسيّرة، وما يُعرف بالغواصات الصغيرة جدًا، والسفن السطحية غير المأهولة، والزوارق السريعة المسلحة.
 
 
في يوم عادي، يمرّ عبر مضيق هرمز -الممر المائي الضيق قبالة الساحل الجنوبي لإيران- نحو 20 في المائة من إمدادات النفط العالمية. لكنّ حركة ناقلات النفط عبر المضيق خلال الأسبوعين الأخيرين سجلت تراجعًا حادًا استجابةً لتهديدات إيرانية باستهداف أي سفن تحاول العبور، وهو ما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط وإثارة القلق الاقتصادي على المستوى العالمي.
مع هذه الأحداث، بدا مسؤولو إدارة دونالد ترامب متفاجئين من الفوضى التي عمّت أسواق النفط العالمية. ووفقًا لشبكة (سي. إن. إن)، قام هؤلاء المسؤولون بإبلاغ المشرّعين في إحاطات سرية بأنهم لم يستعدوا لاحتمال أن تحاول إيران إغلاق المضيق ردًا على الضربات العسكرية. وبعد أن طرح في البداية فكرة مرافقة البحرية الأميركية لناقلات النفط عبر المضيق، قال الرئيس دونالد ترامب الآن إن على الناقلات أن تدخل المضيق بمفردها لأن معظم البحرية الإيرانية "ترقد في قاع المحيط".
مع ذلك، حتى لو كان جزء كبير من بحرية الجمهورية الإسلامية الإيرانية قد غُرق، فإن الخطر الناجم عن القوة المنفصلة التابعة لـ"الحرس الثوري الإيراني" -بحرية الحرس الثوري- من المرجح أن يستمر. فقد خططت هذه القوة منذ زمن طويل لتهديد حركة الملاحة في المضيق باستخدام مزيج من الألغام والصواريخ والطائرات المسيّرة، وما يُعرف بالغواصات الصغيرة جدًا، والسفن السطحية غير المأهولة، والزوارق السريعة المسلحة.
حتى كل واحدة من هذه الوسائل على حدة تردع مُسبقًا معظم شركات الشحن عن دخول الخليج، وهو ما يفسر السبب في أن البحرية الأميركية رفضت توفير مرافقة لناقلات النفط. ولكن، إذا جرى ربط هذه القدرات معًا بطرق متكاملة ومتساندة ومتآزرة، فإنها قد تُنشئ ما يشبه ممرًا قسريًا إيرانيًا داخل المضيق ستكون محاولة الولايات المتحدة تفكيكه مهمة تستغرق وقتًا طويلًا وتتطلب تكلفة كبيرة وتكتنفها صعوبات كبيرة.
يصدق ذلك بشكل خاص إذا تمكنت إيران من زرع حقول ألغام كبيرة. ودائمًا ما تكون إزالة الألغام البحرية عملية بطيئة وصعبة؛ أما تنفيذها خلال اشتعال حرب شاملة، وفي ظل التعرض لتهديدات من صواريخ كروز مضادة للسفن يتم إطلاقها من البر، وطائرات مسيّرة، وغيرها من الأصول البحرية الإيرانية، فسيكون أمرًا بالغ الخطورة. وسيتوقف ما إذا كانت إيران قادرة على تنفيذ مثل هذه الحملة، وما إذا كانت ستفعل ذلك حقًا على طبيعة الأهداف التي تكون الولايات المتحدة قد دمّرتها بالفعل على طول الساحل الجنوبي لإيران، وكذلك على مدى التخطيط الإيراني المسبق لمثل هذا الاحتمال قبل اندلاع الحرب. لكنّ حملة إيرانية ضد حركة ناقلات النفط في الخليج ستضع الولايات المتحدة أمام خيارات صعبة، وقد تؤدي إلى تصعيد إضافي للصراع.
حديث المضيق
أمضى الحرس الثوري الإيراني عقودًا في تطوير قدرات عسكرية تستهدف حركة الملاحة في المضيق. ولم ينشر هذه القدرات بالكامل قط، لأن إغلاق المضيق سيعرقل أيضًا قدرة إيران نفسها على تصدير النفط، كما سيستجلب رد فعل اقتصاديًا عالميًا قاسيًا. لكنّ إيران طوّرت هذه القدرات لتكون في الأساس أداة ضغط في مواجهة دول أقوى تقليديًا من الناحية العسكرية، مثل الولايات المتحدة وإسرائيل، في حال وقوع أزمة خطيرة أو حرب. واليوم، تجد إيران نفسها في مواجهة مثل هذا التهديد بالضبط.
قبل الحرب، أشارت بعض التقديرات إلى أن إيران كانت قد جمعت ترسانة تضم نحو خمسة آلاف لغم بحري. ومن المحتمل أن يكون بعضها ألغام تماس بدائية من النوع الذي استخدمته إيران في حروب الناقلات في أواخر ثمانينيات القرن العشرين، عندما كانت إيران والعراق يستهدفان سفن بعضهما بعضًا. لكن من المرجح أيضًا أن يكون بعضها ألغام تأثير قاعية، وهي ألغام قد يكون اكتشافها أكثر صعوبة. وتتميز هذه الألغام بأنها تنفجر استجابةً لتأثيرات صوتية أو مغناطيسية أو ضغوط مائية، كما أنها مزوّدة بجهاز توقيت وعدّاد للسفن يسمح بمزيد من التحكم في توقيت تفجيرها. وقبل الحرب أيضًا كانت لدى إيران وسائل متعددة لزرع الألغام، بما في ذلك الغواصات الصغيرة جدًا ومئات السفن الصغيرة الأخرى المنتشرة على طول ساحلها الجنوبي.
ما يزال من غير الواضح كم عدد الألغام الإيرانية، وما هي وسائل زرعها التي نجت من الحرب. وقال دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، في العاشر من آذار (مارس)، إن الجيش الأميركي "يواصل حتى اليوم تعقّب وضرب سفن زرع الألغام ومخازن الألغام". وبذلك، من الممكن ألا تشكل حرب الألغام الإيرانية تهديدًا كبيرًا. لكن من الممكن أيضًا أن تكون إيران قد وزّعت أصولها قبل الحرب بحيث نجا بعضُها من الحملة الأميركية. وعلى وجه الخصوص، ربما تكون إيران قد وزّعت الألغام مُسبقًا على سفن صغيرة وغواصات في مواقع مختلفة عديدة على طول الساحل. وكانت قد أمضت سنوات في إنشاء شبكة كبيرة من الأنفاق والكهوف القادرة على إخفاء هذه القوارب وحمايتها حتى اللحظة التي تدخل فيها إلى الماء.
وعلى الرغم من المراقبة الأميركية المستمرة، من الممكن أن تتمكن بعض هذه القوارب من الوصول إلى المضيق نظرًا لسرعتها وصغر حجمها وأعدادها الكبيرة. وحتى لو زرعت كل سفينة لغمين إلى أربعة ألغام فقط، فإن لدى إيران مئات المنصات من هذا النوع؛ وليس من الصعب تصور أن تكون إيران قادرة على زرع مئات الألغام بهدوء خلال بضعة أيام أو أسابيع.
تاريخيًا، حتى الأعداد الصغيرة نسبيًا من الألغام كانت لها تأثيرات كبيرة للغاية. وعلى سبيل المثال، في العام 1972 أوقفت الولايات المتحدة جميع حركة الملاحة من وإلى ميناء هايفونغ في شمال فيتنام عندما أسقطت ستةً وثلاثين لغمًا فقط. وفي العام 1991 تمكن العراقيون من ردع غزو برمائي أميركي عن طريق زرع 1000 لغم فقط قبالة الساحل الكويتي -اثنان منها أصابا لاحقًا سفنًا حربية أميركية من دون أن يغرقاها. وفي العام 1950 أخّر الكوريون الشماليون إنزالًا أميركيًا في وانسون عبر زرع ثلاثة آلاف لغم فقط على مساحة خمسين ميلًا مربعًا.
وتشير هذه الوقائع إلى أن حملة إيرانية لزرع الألغام، حتى لو كانت محدودة نسبيًا، قد تعرقل دخول ناقلات النفط إلى المضيق، تمامًا كما يبدو أن تهديدات الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية قد فعلت بالفعل خلال الأسبوع الماضي. ومن غير المرجح أن تغرق الألغام الناقلات فعلًا، لأن هذه السفن تتمتع بقدرة طفو عالية ومقسمة إلى حجرات عديدة. ومع ذلك فإن التهديدات التي تواجه الطواقم حقيقية، ويبدو أنها تؤدي بالفعل دورًا كبيرًا في الحد من حركة الملاحة في المضيق - حتى من دون زرع ألغام بعد. كما أعلنت إيران مسؤوليتها عن هجوم على ناقلة في المياه العراقية يبدو أنه استُخدمت فيه سفينة سطحية غير مأهولة - أي قارب مسيّر، وهو النوع الذي استخدمه كلٌّ من الأوكرانيين والحوثيين بنجاح لإغراق سفن. وهذا يوضح مدى استعداد إيران للحظة الحالية.
خيارات ضيقة
لقد ادعى دونالد ترامب أن الولايات المتحدة تمتلك "أعظم قدرة في العالم على كنس الألغام". لكن الحقيقة أن البحرية الأميركية لم تعطِ يومًا أولوية كبيرة لإزالة الألغام. ففي الخريف الماضي فقط سحبت الولايات المتحدة آخر سفينة مخصصة لمكافحة الألغام من الخليج الفارسي. ولم يتبقَّ في المخزون الأميركي سوى أربع سفن من هذا النوع - وهي متمركزة في اليابان.
أما المفهوم الأميركي الجديد لإزالة الألغام فيعتمد على سفينة القتال الساحلي التي تعمل بالتنسيق مع المروحيات والمركبات غير المأهولة تحت الماء. لكن هذا المفهوم لم يُختبر قط في ظروف قتال حقيقية.
تاريخيًا، كانت عمليات إزالة الألغام بطيئة، ويكاد يكون من المستحيل تنفيذها تحت النيران. فقد استغرق الأمر من الولايات المتحدة وحلفائها واحدًا وخمسين يومًا لإزالة 907 ألغام قبالة الساحل الكويتي العام 1991 - وكان ذلك بعد انتهاء حرب الخليج، ومع ميزة إضافية تمثلت في خرائط حقول الألغام التي قدمها العراقيون المهزومون. وإذا قامت إيران بزرع الألغام في المضيق واستمرت الحرب الأوسع، فستواجه الولايات المتحدة قرارًا صعبًا بشأن ما إذا كانت سترسل سفنًا حربية باهظة الثمن ومروحيات إلى مسافة قريبة من الساحل الإيراني لإزالة تلك الألغام. لقد أضعفت الولايات المتحدة وإسرائيل القدرات الإيرانية، لكن من المحتمل جدًا أن تظل إيران قادرة على تهديد منصات إزالة الألغام الأميركية بصواريخ كروز المضادة للسفن، والطائرات المسيّرة، وهجمات القوارب الصغيرة. بل إن إدخال تلك المنصات ضمن مدى هذه التهديدات سيكون على الأرجح أحد الأهداف الكبرى لإيران.
مع ذلك، لا ينبغي أبدًا الاستهانة بالبحرية الأميركية، كما أن إصابة الأهداف المتحركة هو أمر صعب، ولذلك لن يكون النجاح الإيراني مضمونًا. لكن العمل في الخليج أيامًا أو أسابيع متواصلة أثناء محاولة تنفيذ عمليات إزالة الألغام سيمنح إيران فرصًا عديدة لتحقيق إصابة محظوظة. وعلى أقل تقدير، ستؤدي التهديدات الإيرانية إلى إبطاء عمليات إزالة الألغام. وهذا بدوره يصب في مصلحة إيران: تعتقد طهران أن الوقت في هذه الحرب يعمل لصالحها، وأن جرّ الولايات المتحدة إلى حملة طويلة سيمنحها أوراق ضغط إضافية.
أمام المهمة غير الجذابة المتمثلة في محاولة حماية المضيق وسط حرب مفتوحة، قد تحاول الولايات المتحدة الرد على التصعيد الإيراني بتصعيد مماثل من جانبها. لكن هذه الخيارات تطرح مشكلات أيضًا. فعلى سبيل المثال، قد تقرر الولايات المتحدة أنها تحتاج إلى السيطرة على الساحل الإيراني عن طريق إدخال قوات من مشاة البحرية أو قوات العمليات الخاصة -لكن دخول قوات برية سيزيد من خطر الإصابة بخسائر والانزلاق إلى مستنقع عسكري طويل. أو أن الولايات المتحدة ربما تحاول تصعيد حملة القصف لإجبار إيران على إنهاء الحرب -لكن الولايات المتحدة وإسرائيل قد تكونان بصدد استنفاد الأهداف التي يمكن من خلالها ممارسة ضغط فعلي على النظام. بل إن هذا ربما يفسر سبب استعداد النظام الإيراني الآن لإغلاق المضيق أكثر من أي وقت مضى.
باختصار، إذا نجحت إيران في زرع الألغام في المضيق بفعالية، فإن جميع خيارات الرد الأميركية ستكون غير مثالية. ولذلك يجب على الولايات المتحدة أن تركز بقوة على منع إيران من زرع الألغام من الأساس، وعلى إيجاد مخرج من الحرب الأوسع. وإذا لم تفعل ذلك، فعلى واشنطن أن تتوقع أن المضايقات المستمرة لحركة الملاحة في المضيق لن تكون سوى واحد من بين ردود عدة كانت إيران قد أعدّت لها منذ زمن طويل، والتي ستبدأ الآن في استخدامها.
 
*كيتلين تالمادج Caitlin Talmadge: عالمة سياسة أميركية متخصصة في الدراسات الأمنية والاستراتيجية، وتشغل منصب أستاذة مشاركة في العلوم السياسية وتشغل كرسي رافاييل دورمان وهيلين ستاربوك في معهد مساتشوسيتس للتكنولوجيا. تركز أبحاثها على شؤون الحرب التقليدية، والاستراتيجية العسكرية، وتوازنات القوى، ولا سيما في مناطق مثل الشرق الأوسط وآسيا. عملت سابقًا في مؤسسات بحثية مرموقة مثل "معهد بروكينغز"، وتُعرف بإسهاماتها في تحليل سلوك الجيوش وأداء الأنظمة العسكرية في الحروب، ومن أبرز أعمالها كتاب "جيش الدكتاتور: الفعالية في ساحة المعركة في الأنظمة الاستبدادية" The Dictator’s Army: Battlefield Effectiveness in Authoritarian Regimes، الذي يدرس تأثير النظم السلطوية على كفاءة الجيوش في ساحة المعركة.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The Hormuz Minefield