عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    03-Mar-2026

دراسة حديثة تكشف أسرار ثقافة الإتقان في العمران الإسلامي

 الغد-عزيزة علي

 صدر عن المعهد العالمي للفكر الإسلامي في عمّان كتاب الدكتور صالح بن طاهر مشوش بعنوان "الإتقان في العمران الإسلامي: المفهوم والنظرية والتطبيق"، الذي يقدم دراسة شاملة لمفهوم الإتقان في الحياة الإسلامية.
 
 
يتناول الكتاب الأسس النظرية للإتقان، شروطه المادية والمعنوية، نماذج تطبيقية، وعوائق تحقيقه وسبل تجاوزها، مؤكدا أن الإتقان ليس مجرد جودة في العمل، بل قيمة أخلاقية وروحية متكاملة ترتبط بالعقيدة والهوية الثقافية للمسلم، وتشكل أساسا للنهوض بالمجتمعات الإسلامية.
ويبين المؤلف، أن كتابه جاء في أربعة فصول عالجت مفاهيم الإتقان وقضاياه من الجانبين النظري والتطبيقي. تناول الفصل الأول الأسس النظرية للإتقان في الإسلام، فيما ركز الفصل الثاني على الشروط المادية والمعنوية اللازمة لتحقيقه. واستعرض الفصل الثالث نماذج تطبيقية للإتقان في مجالات متعددة، بينما خصص الفصل الرابع لبحث عوائق الإتقان وسبل تجاوزها لتحقيق نهضة شاملة ومستدامة.
ويرى مشوش، أن الكتاب يقدم دراسة نظرية لقضية مهمة في حياة المجتمعات، ولا سيما الإسلامية المعاصرة، تتمثل في ضمور ثقافة الإتقان وغياب معاييره وتجلياته في الحياة الخاصة والعامة. ويؤكد أن الكتاب يسعى إلى سد ثغرة في تفعيل دور العقيدة الإسلامية في العمران والاستخلاف، من خلال بحث الشروط المعنوية والمادية للإتقان على مستوى الفرد والأمة.
وينطلق البحث من المقومات الإسلامية التي تشكل المرجعية العقدية والهوية الثقافية، متخذا من العقيدة الإسلامية محورا له، انطلاقا من الصلة الوثيقة بين الإتقان ورؤية المسلم الكونية للحياة والعمل. ويبرز الكتاب أثر العقيدة في إحكام العمل وإتقانه، مع إشارات مقتضبة للمقارنة عند غير المسلمين عند الحاجة.
واعتنى البحث بتأصيل المفاهيم والمصطلحات المرتبطة بالإتقان والإحكام في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية، مستندا إلى ما قرره علماء المسلمين في هذا المجال. وتناول بالدراسة عوائق الإتقان لتفسير بعض الظواهر المرتبطة بالعمل، وخلص إلى تحديد مجموعة من المعايير الذاتية والعلمية لنشر ثقافة الإتقان في إطار اجتماعي ومؤسساتي.
ويبين المؤلف أنه حرص على تجنب النقد السلبي للأوضاع المتردية في المجتمع المسلم، مفضلا التركيز على التجارب الإيجابية في الإتقان والإحكام، حتى يخرج البحث من دائرة التفكير السلبي إلى إبراز النماذج المضيئة في التراث التاريخي والفكري الإسلامي في إدارة الأعمال والصنائع والمؤسسات، مثل نظام الحسبة، وتصميم نظام التعليم الإسلامي الأول وتدبيره، وغيرها من الأمثلة.
ويشير مشوش إلى أن الإتقان في صدر الإسلام تجلى بممارسة عملية أكثر من كونه تنظيرا، ثم بدأت مفاهيمه تتبلور تدريجيا في المؤلفات مع اتساع رقعة الدولة الإسلامية واحتكاك المسلمين بغيرهم، وبداية حركة التأليف والكتابة. ودراسة الإتقان عند المسلمين لم تُفرد غالبا ببحوث مستقلة، بل إن المفهوم ظل حاضرا في تراثهم بقدم الأمة نفسها، متأثرا بالتطور التاريخي للعلوم والمؤسسات والعمران. لذا لا يصح مؤاخذة المصادر القديمة على عدم تخصيص مباحث مستقلة له، مراعاة لسياقها التاريخي وطبيعة مرحلتها.
ويؤكد المؤلف أن مفهوم الإتقان شهد نموا متواصلا، ورغم صعوبة تتبع فكرة لم تُعنون صراحة في كثير من الأحيان، فإن البحث رصد حضورا أصيلا للإتقان في المؤلفات الإسلامية المتقدمة، قائما على رؤية وقيم متميزة، تتناثر معانيها في تراث واسع يحتاج إلى إعادة تنظيم وقراءة جامعة.
ويبين مشوش أنه مع دخول الحضارة الإسلامية مرحلة الضعف والتراجع، وتفشي مظاهر الفساد والتخلف ثقافيا واجتماعيا، تصدى عدد من العلماء للدفاع عن الأمة، وركزوا جهودهم على تشخيص أزمات الإنسان المسلم في مجالات التعليم والسياسة والاقتصاد والاجتماع.
ويرتبط هذا الواقع، في نظره، بمستوى الإتقان وثقافته في المجتمع؛ إذ إن جوهر الإتقان هو السعي إلى تحقيق الكمال والجودة في مختلف مجالات الحياة. لذلك اتجهت تلك الجهود إلى البحث عن حلول عملية فاعلة، تستند إلى رؤية شاملة وإطار نظري متكامل، مع تحليل أوضاع المسلمين ومقارنتها بتجارب أمم أخرى لفهم أسباب التراجع وتحديد سبل النهوض واستئناف العمران.
وشملت هذه المعالجات، بحسب مشوش، مختلف الجوانب المادية والمعنوية، مثل تحسين مناهج التعليم وأنظمته، والعودة إلى أصول الإتقان ومعاييره، وتعزيز البحث العلمي، وتطوير البنية الاقتصادية، والاهتمام بالقضايا الاجتماعية والسياسية. كما ركزت مؤلفات تلك المرحلة على إحياء الجوانب الإيمانية والأخلاقية، وتقديم أطر عامة لتفعيل قيم الإتقان في العمل وإدارة شؤون الحياة.
ومع التحولات المتسارعة في المجتمعات المعاصرة وبروز دور المؤسسات، اتجهت الدراسات إلى مفاهيم الجودة في التربية، وإدارة المؤسسات، والتنمية البشرية، وغيرها من المجالات المواكبة للتطور. ورغم ما قدمته بعض المؤلفات الحديثة من إضافات مهمة، فإن معظمها جاء في صورة ترجمات أو ملخصات لنظريات وتجارب غربية في الإدارة والجودة، من دون مراعاة خلفياتها الدينية والفلسفية وسياقاتها التاريخية الخاصة.
وانطلاقا من الحاجة إلى تأصيل مفهوم الإتقان في سياق مؤسسي إسلامي، سعت هذه الدراسة إلى تقديم معالجة مختلفة شكلا ومضمونا، تنطلق من منظومة عقدية وثقافية إسلامية متميزة. وتهدف إلى صياغة تصور أصيل وشامل للإتقان، منسجم مع الهوية الدينية والثقافية للمجتمعات الإسلامية، وقادر على مساعدة الباحثين والقادة وأصحاب المؤسسات على إحداث تغيير إيجابي وإحياء ثقافة الإتقان في المجتمع.
الكتاب تناول مفاهيم حيوية متعددة بوصفها أدوات لتحريك حالة الركود التي يعانيها المجتمع المسلم المعاصر، من أبرزها: عقيدة التوحيد، والإبداع، والتربية والتعليم، والمهارات، وبناء الشخصية، والصحة، والأمن، والتنمية، والعمل الصالح، والمسؤولية، والقيادة الرشيدة، والتماسك الاجتماعي، والتميز. كما سعى إلى تشخيص أسباب تراجع ثقافة الإتقان، واقتراح حلول منسجمة مع هوية المجتمع المسلم وتحدياته الحضارية.
في خاتمة الكتاب، يؤكد المؤلف أن بحثه يمثل خطوة أولى في معالجة موضوع الإتقان، من خلال تناول جملة من مفاهيمه ومصطلحاته الأساسية، مبرزا الفجوة بين الواقع والمأمول. ويخلص إلى أن الحضارة الإسلامية زاخرة بشواهد الإبداع والإتقان، وأن مقومات النهوض ما تزال متوافرة إذا استوفيت شروطها وأُحسن توظيفها، انطلاقا من رؤية مستقبلية متفائلة تؤمن بإمكان تجاوز التحديات الراهنة.
ويرى أن الإتقان ليس ظاهرة استثنائية ولا موهبة فطرية حكرا على فئة أو عِرق، ولا سرا غامضا يختص به الأذكياء وحدهم، بل هو سنن إلهية ومنهج أداء منظم يقوم على رؤية واضحة وخطوات عملية قابلة للتعلم والتربية. وهو لا يقتصر على إتقان الصورة المادية أو تحقيق المنفعة المجردة، بل يحمل أبعادا روحية وأخلاقية تدفع الإنسان إلى طلب الأجر وإحسان العمل في إطار من القيم والفضائل.
كما عرض البحث البناء المفاهيمي للإتقان في الوحي، مبينا تكامل التداول الاصطلاحي مع الشواهد التطبيقية. ويكشف الاستعمال القرآني لمفاهيم الإتقان عن غنى دلالاتها، وعن المكانة التي أولاها القرآن لحسن العمل وجودة الأداء وضبط معاييره ومقوماته ومؤشراته. فالإتقان فقه لسنن الله في الآفاق والأنفس، ووعي بالواقع واستشراف للمستقبل، وإحياء لثقافة القراءة، واكتساب للمهارات.
والعالم المتقن الصنعة، الذي هيأه الله تعالى للإنسان مهدا للاستخلاف والعمارة وميدانا للعلم والعمل، هو تجل لسنن الخلق والإبداع، ودعوة إلى النظر في ملكوت السماوات والأرض واستلهام مظاهر الإتقان في صنع الله في هذا الكون الفسيح. ومن ثم فإن إهمال الإتقان مجانبة لسنن الله في الكون، ومخالفة للوحي والعقل، وانحراف عن الفطرة السليمة.
وخلص إلى أنه البحث رصد ممارسات المسلمين في الإتقان، مبرزا أبعاده الدينية والنفسية والتنظيرية؛ فالمسلم يفكر ليعمل، ويعمل ليتقن، وبذلك يغدو الإتقان مهارة تدبيرية تتجلى في الوسائل والتقنيات والفنون الإدارية التي أبدعها المسلمون، جامعة بين القيم الروحية والمعنوية والمادية.