ربع قرن من الحرب.. "على العرب"..! (2-1)*علاء الدين أبو زينة
الغد
قبل نحو ربع قرن من اليوم، بعد ثلاثة أيام من هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 في نيويورك، أعلن الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش أن مسؤولية بلده أصبحت «تخليص العالم من الشر». ويبدو مما شهدناه من أهوال في هذه المنطقة مُذّاك، والصورة النمطية الجمعية الفظيعة التي ألصقوها بنا أن «الشرّ» الذي أراد بوش وبلده تخليص العالم يعني المسلمين –والعرب منهم خاصة. وكما يبدو، لم تكن منطقتنا جزءًا من «العالم» المراد تطهيره من الشر بقدر ما كانت ما يراد تطهيره من العالم –إبعادها وإزالتها منه كشخصية اعتبارية معتبرة على الأقل – وكشخص مادي حاضر ونابض، ما أمكن.
بالنسبة لكثير من الأحياء في الشرق الأوسط، حضرت «الحرب على الإرهاب» طوال 25 بكامل عنفوانها وتجلياتها: الطائرات تقصف، والصواريخ تُمطر، والجيوش تعبر الحدود. وثمة السجون السرية، وأقبية التعذيب، وحواجز الطرق، والاحتلالات، وانهيار الدول، وفيضانات النازحين واللاجئين. وثمة المراقبات، والتحكم في البيانات، وإسكات الأصوات، واستبعاد التفسيرات والاقتراحات. وثمة الموت الكثيف -الكثير جدًا منه!
بحسب تقديرات «مشروع كلفة الحرب» في جامعة براون –التي يغلب أنها متحفظة، كما يمكن الحكم بالعين المجردة لشهود العيان- فقدَ أكثر من 940 ألف شخص أرواحهم بالعنف الحربي المباشر في حروب ما بعد 11 أيلول (سبتمبر) حتى 2023 في خمس دول: العراق وأفغانستان وسورية واليمن وباكستان، بينهم أكثر من 432 ألف مدني. ولأن «مَن لم يمت بالسيف ماتَ بغيره»، مات بتأثيرات هذه الحرب غير مباشرة، نتيجة لتدمير الاقتصادات والصحة والبنية التحتية والبيئة، ملايين آخرون في هذه الدول الخمس، لتبلغ حصيلة الموتى الإجمالية ما بين 4.5 و4.7 ملايين إنسان. ولا تشمل هذه الأرقام الذين قضوا في ليبيا والصومال، على سبيل المثال، ولا الذين سقطوا -ويسقطون- كل دقيقة بعد 2023 في فلسطين، ولبنان، وسورية، واليمن، وإيران وغيرها –والعدّ مستمر.
وفوق فجيعة الموت، تطبّعت الفجيعة. إلى جانب الحرب أنتجت دعاية الحرب بنية سياسية عالمية –وإقليمية- عاملت العنف المؤسسي الأميركي الفاحش كشيء طبيعي، وجنّدت له مبررين ومتعاونين ومتحالفين، وجعلت أمن الأميركيين قيمة كونية بينما مصارع الآخرين ملاحظة غير مقروءة على هامش الحساب. ونحن شاركنا. لم يتوقف العرب عند الإدانة الواجبة للعنف الموجه ضد المدنيين في هجمات نيويورك، وإنما تطوعوا بدخول حومة النقاش من المدخل الخطأ. منذ البداية بدا جزء غالب من الخطاب الرسمي أشبه بتصريح من موقع المقرّ بالذنب -ربما بافتراض أن يعمل الإقرار عمل التماس لتخفيف العقوبة -أو معاملة المعترف كـ»شاهد ملك». وكان الهمّ الشاغل منذ ذلك الحين هو إثبات رفض «الإرهاب» والتبرؤ منه، والإعراب عن استعداد غير مقتصد ولا مشروط للتعاون في مكافحته، والموافقة على تعريف الآخر له بلا ملاحظات، والتأكيد على «الاعتدال» –بما عنى في الممارسة الانضواء في معسكر نفس الناس الذين عرّفونا كلنا علناً بأننا نقيضهم الحضاري –بل نقيض الحضارة على الإطلاق. وكانت هذه طريقة العرب لإعلان الموقف من تحذير: «من ليس معنا فهو ضدنا».
في لحظة إعادة تعريف النظام الدولي للأمن بعد 11 أيلول (سبتمبر)، لم يختر العرب في الغالب مواجهة المنطق الذي أقيمت عليه «الحرب على الإرهاب» -حتى بينما اتسع تعريف الإرهاب ليطمس الفوارق بين العنف ضد المدنيين، والمقاومة المسلحة المشروعة، والرفض السياسي للهيمنة. ودخل العرب في ترتيبات هذه الحرب، وتبنوا معظم مفرداتها وآلياتها، وعكفوا على إثبات الانضباط تجاهها وغضوا الطرف عن مساءلة تعريفاتها، وحدودها، وآثارها السياسية والعملية التي لم يكن من الصعب توقعها.
ومع الوقت، أصبح الأمن المشترك يُبنى جزئيًا على مواجهة ظواهر داخل المجتمعات العربية نفسها في حين ظلت المصادر الأوسع لعدم الاستقرار -من الاحتلالات والتدخلات الخارجية إلى انسداد الآفاق السياسية واختلال موازين القوة- خارج التداوُل. وهكذا تسنّت الإمكانية لتحويل «الحرب على الإرهاب» من حرب على تهديد محدد إلى منطق سياسي وأمني يدفع أجزاء من المنطقة إلى خوض صراعاتها الداخلية وفق تعريفات ومصالح صيغت كلها تقريبًا خارجها.
وكان لا بدّ أن تظهر كلفة هذا الخيار في النتائج التي شهدتها العقود التالية: تمدُّد العنف بدلًا من انحساره؛ وتفكك مجتمعات وانهيار دول؛ واتساع النزاعات الطائفية والمسلحة؛ وتضييق المساحات المتاحة للسياسة لحساب فيض المقاربات الأمنية. وحدث أنّ الحرب التي قيل إنها تستهدف حماية الاستقرار أسهمت كثيرًا في إنتاج بيئات أكثر هشاشة وقابلية لإنتاج العنف. ولم تكن المشكلة في هذا المستوى تتعلق بما فعلته القوى الكبرى في المنطقة فحسب، وإنما بما لم يُطرح عربيًا بما يكفي وكما ينبغي: ما كان ينبغي قبول تعريف المشكلة كما وضعه الآخرون والبصم عليه بالعشرة، ثم الاكتفاء بإدارة تداعياتها إعجازية التعقيدات. وكان ينبغي بناء مقاربة عربية ترفض الإرهاب والعنف ضد المدنيين بوضوح، لكنها ترفض في الوقت نفسه تحويل هذا الرفض إلى إقرار بمنظومة تفسير تختزل تاريخ المنطقة في مجرد مشكلة إرهاب وأمن. وكان ثمن القبول بهذا المنطق أن يصبح العرب في بعض الحالات شركاء منخرطين في إدارة أعراض أزمة كانوا غائبين عن تعريف أسبابها.
في الربع قرن الذي مر منذ 11 أيلول (سبتمبر) خاض العرب حروبًا أطول وأعنف من «داحس والغبراء». وخاضوا قسمًا جيدًا منها وفق إطار مفاهيمي لم يضعوه هم، وبأولويات أمنية لم تعبر غالبًا عن ترتيبهم الخاص للأسباب والنتائج. وأصبح أمن منطقتنا مرهونًا بمواجهة ما يتمّ تعريفه لنا بأنه «التهديد» بينما تُرك ليزدهر كل ما نفهم نحن -مواطني هذه المنطقة- بعقولنا وقلوبنا، أنه المنابع الأولى لعدم الاستقرار والتهديد. وهكذا تحولت «الحرب على الإرهاب» من حدَث استثنائي إلى طريقة حياة ونهج مستدام لإدارة فوضى المنطقة. بل إن المشكلة لم تعد محصورة بالحرب التي شُنّت وتُشن علينا -الفظيعة بما هي- وإنما تعدتها بغرابة إلى قبول المنطق الذي جعلنا نخوض معاركها، في أحيان كثيرة، ضد أنفسنا.