الدستور
درجت الأدبيات السياسية والإعلامية على اعتبار الدعم الأميركي اللامحدود لإسرائيل بمثابة العوار الكبير للسياسة الأميركية في تسويق روايتها حول نشر الديمقراطية في العالم دعم حقوق الأنسان، فالمستمع لهذه الرواية في الوقت الذي تكون اذنه تستمع لهذه السردية تكون عينه على سلوك اسرائيل فلسطينياً كان او اقليمياً في الوقت الذي تحصل فيه على المساعدة الاقتصادية والعسكرية والغطاء السياسي الأميركي الأكبر من بين دول العالم، ولسان حال هذا المستمع سواء كان دولاً او جماعات او اشخاص المثل المصري المشهور «أسمع كلامك أصدقك أشوف عمايلك استعجب»، ومن هنا كان هذا الدعم لألة العدوان والقتل الإسرائيلية بمثابة «الكرت الأحمر» الذي بات يشهر في وجه الإدارات الأميركية المتعاقبة والذي اصبح فيه تبريرها لهذا الدعم بأنه لحليف استراتيجي يحفظ المصالح الأميركية في المنطقة تأكيداً لشراكتها الكاملة في السلوك الإسرائيلي.
ومع بداية تأزيم الأحداث الحالي وتكريس عقلية القتل والابادة والتهجير الإسرائيلي في الضفة والقطاع فضلاً عن التوتر الإقليمي الذي صاحب هذه العقلية، كان تأكيد السياسة الأردنية الدائم ان الدعم الغربي لإسرائيل والصمت عن جرائمها سيكون بمثابة النيران التي يصعب احتواؤها، وجاء التبني الأميركي الدائم للسردية الإسرائيلية بمثابة الوقود ذي الأوكتان العالي الذي اجج هذه النيران التي لم تحرق المنطقة فحسب بل وصل لهيبها للثوب الأميركي نفسه، فأصبح الدعم الأميركي لإسرائيل بمثابة الورقة التي اعتاد مسؤولي الإدارة الأميركية الصمت العاجز حيال هذا الدعم ليس فقط على المستوى الداخلي بل على المستوى الخارجي وحتى مع اجتماعاتهم الدولية مع الدول الجزرية في المحيط الهادي ودول اميركا اللاتينية التي كانت توصف الى عهد قريب بأنها بمثابة الحديقة الخلفية لواشنطن.
ومع تعمق اسرائيل في عدوانها في غزة القائم منذ عامين تقريباً ورغم القوة الهائلة التي عجزت باعتراف اقطاب السياسة والجيش والإعلام الإسرائيليين عن تحقيق أي هدف من اهداف العدوان المعلنة في بداياته، طبعاً مع استثناء تعميق التدهور الكبير في السمعة الإسرائيلية رسمياً وشعبياً على مستوى العالم وجعل اسرائيل بمثابة الدولة المنبوذة وصاحبة السردية الكاذبة التي لم يعد يُستمع لها فضلاً عن موافقتها وتصديقها، وفي ظل ذلك كله اصبح الدعم الأميركي بمثابة زيادة البلل لوحل الطين الإسرائيلي المعاش، ومن هنا كان مناشدة الكثير من منظري السياسة والاعلام الاستراتيجي الإسرائيليين للإدارة الأميركية ان تعيد النظر بدعمها لنهج حكومتهم الحالية لأنه ببساطة بمثابة الضرر الاكبر الاستراتيجي لدولة الاحتلال في ظل ما يجري من نتائج على الواقع كما يرى هؤلاء المنظرون.
يبدو جيداً ان كلاً من واشنطن وتل ابيب في هذا الوقت في حالة «رد الجميل» لبعضهما ان صحت التسمية المجازية وذلك بما يخص سقوط سمعة التعاطي السياسي لهما في غزة، فدعم الأولى للثانية اصبح وبالاً عليهما في تسويق الرؤية الأميركية بتعزيز الديمقراطية وحقوق الانسان فضلاً عن حالة النبذ الشديد لسياسي اسرائيل وجيشها الذي ما فتأت بتسويقه بانه الجيش الأكثر اخلاقية في العالم، غزة باتت الآن الكاشفة التي فضحت بمأساتها بأن ألمها الحالي هو الفاصل بين عهدين من التحالف «الاستراتيجي» الذي طالما تغنى به ساسة واشنطن وتل ابيب واصبح الآن بمثابة الهم المكره كشارب ماء البحر المالح الذي يزداد عطشاً مع دوام شربه.