عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    04-Oct-2026

نهاية الشرق الأوسط الأميركي.. وبداية ماذا..؟! (3-2)*علاء الدين أبو زينة

 الغد

- من احتكار الهيمنة إلى تعدد مراكز القوة
إذا كان «الشرق الأوسط الأميركي» قد شرع في التفكك، كما يقترح مارك لينش، فإن المرحلة التالية لا تبدأ من فراغ، وإنما من إعادة توزيع لوظائف القوة نفسها. وبحسب هذا التصور، انتهت- أو تراجعت بشدة- قدرة مركز واحد على تعريف الأمن الإقليمي وإدارة توازناته من موقع الممسك الرئيسي بقواعد اللعبة، من دون أن تكون قد تشكلت بعد منظومة بديلة مستقرة. والنتيجة المتوقعة هي مرحلة أكثر تعددا في مراكز القوة والمصالح والتحالفات، وأكثر انفتاحا على إعادة صياغة العلاقات بين دول المنطقة والقوى الدولية.
 
 
ولا يعني هذا التعدد خروج الولايات المتحدة من الشرق الأوسط. سوف تظل واشنطن قوة عسكرية واقتصادية وسياسية كبرى، وستبقى شبكاتها وقواعدها وتحالفاتها جزءا من الحسابات الإقليمية. لكن التغير يقع في مكان آخر: في تراجع قدرتها على تحويل حضورها إلى نظام يضبط سلوك جميع الأطراف، أو إقناع حلفائها بأن أمنهم النهائي مرتبط بمركز واحد. وبذلك لا تعود المسألة متعلقة بغياب القوة الأميركية بقدر ما تتعلق بانتهاء احتكارها لوظيفة تنظيم الإقليم.
في البيئة الجديدة، ستزداد أهمية القوى التي تمتلك القدرة على الجمع بين القوة العسكرية والوزن الاقتصادي والموقع الجغرافي وشبكات العلاقات. وتظهر تركيا والسعودية وإيران في مقدمة القوى الإقليمية التي ستسعى إلى توسيع مجال حركتها- بالتوازي مع استمرار أدوار روسيا والصين وأوروبا، أو محاولتها توسيع أدوارها، بدرجات مختلفة. ويفتح هذا الواقع المجال أمام ترتيبات أمنية لا تمر بالضرورة عبر واشنطن، ويجعل التنافس على النفوذ مرتبطا أيضا بالقدرة على بناء مؤسسات وشبكات واتفاقات تستطيع الصمود خارج المظلة الأميركية.
وقد يكون اتفاق الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، الذي أشار إليه مايكل يونغ، أحد التعبيرات المبكرة عن هذا الاتجاه. ولا تكمن أهمية الاتفاق في الدول الموقعة عليه بقدر ما تكمن في الفكرة التي يعكسها: انتقال جزء من وظيفة الأمن من الاعتماد على قوة خارجية واحدة إلى ترتيبات تستطيع دول المنطقة نفسها أن تشارك في تشكيلها. أما إذا كان هذا المسار سيتحول إلى بنية مستقرة، فسؤال يظل مفتوحا، لكن ظهوره في هذه اللحظة يفصح عن تغير في طريقة تفكير الدول الإقليمية في أمنها ومصالحها.
في هذا المناخ الذي تتركز الأنظار فيه على الخليج باعتباره مركز الحدث في هذه المرحلة، يرى بول سالم- الباحث الأول غير المقيم في برنامج الشرق الأوسط في «مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية»- نافذة مختلفة داخل هذا الاضطراب في بلاد الشام.
في مقاله المعنون «فرصة بلاد الشام في شرق أوسط يعاد تشكيله»، المنشور على موقع المركز في 21 أيلول (سبتمبر)، يشير سالم أيضا إلى أن الحروب التي عصفت بالمنطقة منذ 2023 أضعفت ما تبقى من النظام الإقليمي الهش، لكنها فتحت في الوقت نفسه مجالا لإعادة بناء منطقة بلاد الشام على أسس أكثر اتصالا بمصالح دولها. وهو المدخل الذي يتخذه بول سالم ليتحدث عن «الفرصة الشامية»: بناء دول أكثر قدرة على إدارة أراضيها، ومؤسسات أكثر فاعلية، وربط للاقتصاد والطاقة والنقل بين دول بلاد الشام والخليج والمتوسط وأوروبا بحيث يصبح الاقتصاد جزءا من هندسة الأمن والاستقرار.
قد تكمن أهمية هذا التصور في أنه ينقل مركز الاهتمام من الترتيبات العسكرية وحدها إلى البنية الأشمل التي تجعل الاستقرار ممكنا. وستكون منطقة بلاد الشام، إذا أصبحت تضم دولا قادرة ومؤسسات فاعلة وشبكات اتصال ومصالح اقتصادية متبادلة أقل احتمالا لأن تكون مجرد ساحة لتنافس القوى الخارجية. وقد يشكل ذلك أحد المسارات المحتملة لاستعادة الإقليم جزءا من قدرته على تحديد أولوياته بنفسه.
لكن منطقة شرق المتوسط تنطوي على عقدة لا يمكن لهذا التصور أن يتجاوزها: فلسطين. ويبرز العامل الفلسطيني بقوة في قراءة الباحث وأستاذ العلوم السياسية الأميركي شون يوم لتفاعلات الحالة الأردنية. في مقاله المنشور في مجلة «فورين بوليسي» في 31 آب (أغسطس)، بعنوان «الأردن يرى في إسرائيل خطرا أكبر من الخطر الإيراني»، يستند شون إلى أحاديث أجراها مع مسؤولين وصحفيين ومعلقين أردنيين ليخلص إلى أن المخاوف من تداعيات الحرب مع إيران، على أهميتها، تتراجع أمام القلق البالغ الذي يثيره مسار ضم الضفة الغربية. ويؤكد يوم أن هذا توصيف لمواقف محاوريه، وليس حكما عاما على الموقف الرسمي أو الشعبي في الأردن.
على الرغم من أن الأردن يقع في مركز التهديد، فإن إعادة تشكيل الضفة الغربية، وتوسيع الاستيطان، واحتمالات الضم والتهجير، ترتبط مباشرة بالجغرافيا السياسية لكل منطقة بلاد الشام: بالحدود والسكان واللاجئين والمياه والحركة والعلاقات بين دول المنطقة. ومن هذا المنظور، يدخل مستقبل فلسطين بصورة متزايدة في تعريف الأمن الإقليمي كله كما ينبغي تعريفه. وهذا يعني أن الترتيبات الجديدة، مهما تعددت مراكز القوة التي تنتجها، ستظل تواجه حقيقة أن أحد أكثر مصادر عدم الاستقرار أهمية- وربما أهمها على الإطلاق- في الإقليم يقع في قلبه الجيوسياسي.
لدى وضع كل هذه العوامل المتشابكة في الاعتبار، لا تكفي قراءة التحول الجاري في الإقليم باعتباره انتقالا من مركز أميركي إلى تعدد مراكز القوة. يمكن للتعدد أن يوسع هامش القرار الإقليمي، لكنه قد يفتح أيضا منافسة جديدة على النفوذ، ويخلق ترتيبات متداخلة ليست لها قواعد مستقرة. وتبقى قيمة التحول مرتبطة بما ستفعله دول المنطقة بهذا الهامش: هل تستخدمه لبناء منظومة أمن ومصالح أكثر استقلالا واتصالا، أم يتحول إلى مجرد ساحة جديدة لتنافس القوى الكبرى والإقليمية؟
بذلك تبدو المرحلة المقبلة أقرب إلى صراع على تعريف قواعد النظام منها إلى مجرد صراع على ملء الفراغ الأميركي. ومن يملك القدرة على تحديد معنى الأمن والاستقرار، وحدود القوة المشروعة، وشروط التعاون الاقتصادي والسياسي، سيكون أكثر تأثيرا في شكل الإقليم من القوة التي تمتلك أكبر عدد من القواعد العسكرية أو الأسلحة.وفي كل هذا تخرج فلسطين من هامش التحليل إلى مركزه. إذا كان النظام القديم قد تمكن طوال عقود من إدارة التناقض بين أمن الكيان الصهيوني والمصالح العربية مع إبقاء القضية الفلسطينية في إطار تفاوضي مؤجل، فإن تعدد مراكز القوة يضع المنطقة أمام إمكانية مختلفة: أن يصبح الأمن الإقليمي مرتبطا بصورة مباشرة بالقضايا التي صنعت عدم الاستقرار، وفي مقدمتها فلسطين.
بذلك، لا تعني نهاية «الشرق الأوسط الأميركي» - بعد - حلول نظام جديد مكتمل الملامح. إنها أقرب إلى بداية صراع مفتوح على تحديد من يضع قواعد النظام، وكيف يعرّف مصالحه، وما إذا كانت دول المنطقة ومجتمعاتها ستصبح أطرافا في صياغته أم تظل موضوعا لترتيبات تضعها القوى الأكثر نفوذا. وفي قلب هذا الصراع، ستكون فلسطين أحد الاختبارات الأكثر دلالة على الوجهة التي سيتخذها الإقليم.