تطوير التعليم.. وآليات العمل*د. ابراهيم بدران
الغد
في مداخلة لوزير التربية والتعليم الدكتور عزمي محافظة في جلسة لمجلس الأعيان، أشار إلى أن تطوير التعليم يشكل أولوية قصوى بالنسبة للحكومة. وأوضح أنه يجري العمل على إستراتيجية شاملة لتطوير قطاع التعليم بالارتكاز إلى خمسة منطلقات رئيسية: الأول تأهيل الكوادر التعليمية، والثاني تطوير المناهج، والثالث التحول الرقمي، والرابع تحسين البيئة المدرسية، والخامس وضع خطط خاصة لتطوير التعليم الأكاديمي والمهني.
وتحدث الوزير عن برامج إعداد وتأهيل المعلمين قبل الخدمة أو أثنائها بالتعاون مع الجامعات وأكاديمية الملكة رانيا لتدريب المعلمين، وكذلك إطلاق منصة تعليمية شاملة تتضمن توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي وتزويد مدارس المملكة بخدمة الإنترنت، إضافة إلى برنامج لإنشاء 500 مدرسة خلال السنوات الأربع القادمة، ومواصلة المركز الوطني لتطوير المناهج بمراجعة وتحديث المناهج مستفيدًا من التغذية الراجعة من الميدان التعليمي وبما يواكب التطورات العلمية والإشراف التربوي.
الحقيقة أن جهود الدولة مشكورة لتطوير وتحديث التعليم متواصلة منذ سنوات في إطار عدة إستراتيجيات وضعها الخبراء والأكاديميون. ولكن ظروفًا كثيرة حالت دون أن يصل التعليم إلى المستوى الذي يطمح إليه الأردن مقارنة بالدول المتقدمة، وإن كان يحتل مكانة متقدمة على المستوى العربي ومستوى الدول النامية. وحتى تكون إستراتيجية الوزارة مؤهلة لأن تكون مثمرة، لا بد من التركيز على عدد من النقاط وعلى النحو التالي:
أولاً: إن المنطلق الأكثر خطورة وفاعلية وإلحاحًا يتمثل في إعداد وتأهيل المعلمين. وأثبتت السنوات السابقة أن منظومة التأهيل والتدريب الحالية لدينا غير كافية، إضافة إلى أن «التأهيل القصير المدة أثناء العمل» بطيء التأثير خاصة وأننا نتحدث عن أعداد ضخمة من المعلمين تتجاوز 90 ألف معلم في المدارس الرسمية يدخل منهم إلى العمل ما يقرب من 3 آلاف معلم جديد سنويًا. وبالتالي لا بد من الاستفادة من تجارب الدول الناجحة في هذا المجال والمتمثلة في «إنشاء مراكز تأهيل معلمين متخصصة» في كل مديرية تعليم، حتى يمكن تغطية الاحتياجات المطلوبة بالشكل الصحيح المتوافق مع التطورات العلمية والتكنولوجية السريعة.
ثانيًا: من الصعب إنشاء مثل هذه المراكز وبالتالي تأهيل المعلمين دون تخصيصات رأسمالية من الدولة بمعدل 2 مليون دينار لكل مركز في سنة الإنشاء حتى يكون التدريب متواصلًا على مدى العام بكامله، وحتى يتحصل المعلم المؤهل على دبلوم تعليم لا تقل مدته عن 9 أشهر متواصلة ليكون قاعدة للانطلاق الصحيح للمعلم في المدرسة.
ثالثًا: إن البيئة المدرسية تتطلب الكثير من الجهد وخاصة في مدارس الذكور وفي المدارس المزدحمة وفي الأرياف. إن البيئة المطلوبة واسعة المدى تمتد من شكل المدرسة والسور المدرسي إلى داخل الغرفة الصفية بكل ما يلزم من أثاث ومعدات وتهوية وتدفئة أو تبريد وألوان للجدران وزراعة الأشجار في أطراف الساحات وحول الأسوار من الداخل والخارج على طريق المدرسة الخضراء، والإفادة من المياه المستعملة لهذه الغاية. بمعنى أن نسبة من الجمال بما فيها العلاقة بين المعلم والطالب والحاكمية الرشيدة في المدرسة ينبغي أن تصبح جزءًا من البيئة المدرسية. وبعض من هذه التجميلات والتخضير يمكن أن يقوم بها الطلبة أنفسهم كجزء من الاحتفال في المناسبات الوطنية. هذا إضافة إلى الإرشاد النفسي المتواصل والعناية الصحية المتميزة والتغذية المدرسية المستقرة للصفوف الستة الأولى على الأقل.
رابعًا: إن المناهج وتطويرها لا تقتصر على الكتاب المدرسي على أهمية ذلك، وإنما يجب أن تمتد لتشمل ما يسمى النشاطات اللامنهجية بما في ذلك الرياضة واللياقة البدنية والفنون بأنواعها والنشاطات الثقافية والفكرية والكشفية، إضافة إلى تعزيز مفاهيم الريادة وصنع الأشياء والارتقاء بدور المختبرات في التعليم. وهذا يستدعي تغيير الثقافة لدى الكثير من الإدارات المدرسية والتعليمية بأن النشاطات هذه تضيف حقيقة إلى قدرات الطالب على الاستيعاب الذهني والتفاعل مع المادة العلمية، وليس إضاعة للوقت كما يظن البعض. وهذه المفاهيم تستلزم إعطاء النشاطات أعلاه أوقاتًا كافية في البرنامج الأسبوعي لا تقل عن ثلاث أو أربع حصص أسبوعيًا.
خامسًا: إن منظومة التعليم وخاصة في السنوات الست الأولى من المدرسة، ينبغي أن تعطي اهتمامًا خاصًا للغة العربية قراءة وكتابة واستيعابًا، دون إهمال اللغات الأجنبية، وذلك حتى يتغلب طلبتنا على «فقر التعلم» والذي يصل إلى 60 % ويمتد معهم بسبب ضعف اللغة العربية إلى السنوات العليا في الثانوي والجامعة بل وفي الحياة العملية لاحقًا.
سادسًا: مع انتشار شبكات الإنترنت والذكاء الاصطناعي فإن صدقية المهارات الأساسية التي يجب أن يكتسبها الطالب تحتل أهمية خاصة. الأمر الذي يتطلب تأهيل المعلم والإدارة والطالب نفسه على التعامل مع مفرزات الذكاء الاصطناعي من موقف الفهم والتحليل والتقييم والتقدير والنقد، وليس مجرد النقل والاقتباس، حتى لا يعود التعليم المدرسي إلى التلقين بصورة جديدة، أي «تلقين الذكاء الاصطناعي ومفرزاته» بدل تلقين المعلم.
سابعًا: إن احتياجات المملكة من المدارس الجديدة بسبب الزيادة الطبيعية في السكان تصل إلى 150 مدرسة سنويًا بسعة 350 طالب للمدرسة الواحدة، وبكلفة إجمالية تتعدى 80 مليون دينار. ومن هنا فإن الاعتماد على المنح والمساعدات لإنشاء المدارس سوف يجعل بناءها بطيئًا وغير متواكب مع زيادة أعداد الطلبة. الأمر الذي يتطلب أن تكون هناك مخصصات واضحة لبناء المدارس الجديدة بما لا يقل عن 80 مليون دينار كجزء أساسي من موازنة وزارة التربية والتعليم.
ثامنًا: من جانب آخر فإن على البلديات أن تأخذ في حسابها تخصيص الأراضي المناسبة لإنشاء المدارس الجديدة، بحيث تكون هذه الأراضي في مواقع متوسطة من الأحياء عند تنظيم المدن والقرى أو الأحياء الجديدة. وعلى مهندسي التنظيم أن يوفقوا بين الزيادات المتوقعة في السكان وبين المساحات المخصصة للمدارس الجديدة، إضافة إلى تخصيص مساحات من الأراضي لمراكز ثقافية ورياضية.
تاسعًا: إن التعامل مع المختبرات لا بد من تطويره ليصبح المختبر فرصة لاستخراج مهارات الطالب وإمكاناته الإبداعية، سواء في تفهم الجوانب العلمية والتكنولوجية أو بناء النماذج التطبيقية، والخروج بها إلى فضاء التنفيذ مع تقدم الطالب على سلم التعلم.
وأخيرًا فإن تحديث قطاع التعليم شكّل ركنًا أساسيًا في نهضة الدول الصاعدة في إيرلندا ودول شرق آسيا مثلًا، وأن إستراتيجية تطوير التعليم لها أهميتها الكبيرة للمحافظة على رأس المال البشري بل وتنميته. ولكن دون برنامج تفصيلي طويل المدى وبرنامج تمويلي رسمي مناظر يرفع مخصصات التربية والتعليم إلى 5 % من الناتج المحلي الإجمالي، ودون مشاركة المجتمعات المحلية والأسر والقطاعات الاقتصادية، فإن الجهود لن تثمر حجم ونوعية النتائج التي نتوقعها بتطوير التعليم إلى مستويات متقدمة غدت اليوم ضرورة لبناء المستقبل.