الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
فيليب هـ. غوردون* - (فورين أفيرز) 12/10/2026
يمكن أن تشكّل شكوى مايكل كورليوني الشهيرة في الجزء الثالث من فيلم "العرّاب" شعارًا لكل رئيس أميركي تولّى منصبه خلال العقود الثلاثة الماضية، حين يتعلّق الأمر بالشرق الأوسط: "تمامًا عندما ظننت أنني خرجت، أعادوني إلى الداخل".
وعد بيل كلينتون بأن يركّز على الاقتصاد "تركيزًا شديدًا، مثل شعاع ليزر"، لكنه أمضى الجزء الأخير من رئاسته منشغلًا بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وبمحاولة احتواء عراق صدام حسين. وتولى جورج دبليو بوش الرئاسة متعهّدًا باتباع سياسة خارجية "متواضعة"، لينتهي به المطاف إلى غزو أفغانستان والعراق واحتلالهما. وأعلن باراك أوباما عن "تحوّل نحو آسيا"، لكنه وجد نفسه منجذبًا إلى تداعيات "الربيع العربي"، وإلى حملة عسكرية ضد تنظيم "الدولة الإسلامية" (المعروف أيضًا باسم "داعش")، وإلى مفاوضات مع إيران استحوذت على اهتمام إدارته بالكامل.
وحاول جو بايدن خفض أولوية المنطقة -إلى أن استهلك هجوم "حماس" على إسرائيل في 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023 جزءًا كبيرًا من عهده الرئاسي. ويُقدم دونالد ترامب الآن الحالة الأكثر إثارة للدهشة؛ فقد انتهى به الأمر، بعد أن خاض حملته الانتخابية متعهّدًا بإنهاء "الحروب التي لا نهاية لها"، إلى المغامرة بشنّ حرب متهوّرة على إيران، والتي يمكن أن تُعرِّف ولايته الرئاسية الثانية.
أعادت الحرب على إيران إضفاء زخم جديد على نقاش قديم بشأن السياسة الأميركية في الشرق الأوسط. وفي مقال نشره مايكل فوكس في مجلة "فورين أفيرز" في آب (أغسطس)، رأى أن هذا الصراع، الذي وصفه بأنه "كارثة ملحميّة"، ينبغي أن يدفع نحو انسحاب مستحقّ منذ وقت طويل. ويذهب فوكس إلى أن على الولايات المتحدة سحب جميع قواعدها وقواتها من المنطقة، و"إنهاء دورها بوصفها ضامنًا للنظام الإقليمي"، بما يتيح لواشنطن التفرغ لتركيز جهودها على أهداف أكثر أولوية في آسيا وأوروبا. وهي حجة جدية ستلقى صدى لدى كثير من الأميركيين الذين تابعوا إنفاق بلادهم تريليونات الدولارات والتضحية بآلاف الأرواح في المنطقة من دون تحقيق نتائج تذكر.
لا شك في أن تشخيص فوكس للمبالغة في الالتزامات الأميركية تجاه المنطقة صحيح، لكن وصفته القائمة على "التخلّي" عن المنطقة وتركها عمليًا لمصيرها ليست كذلك. لم تُثبِت الحرب على إيران أن الولايات المتحدة لم تعد لها مصالح في الشرق الأوسط. وكان ما أثبتته، وبكلفة باهظة للغاية، هو أن لها مصالح فيه، وأن الطريقة التي دأبت واشنطن على السعي إلى تحقيق هذه المصالح بها طوال جيل كامل لم تعد قابلة للاستمرار. وليس الدرس المستفاد هو التخلي عن المنطقة، وإنما إعادة النظر في نهج أصبح باهظ الكلفة ويأتي بنتائج عكسية في آن واحد.
بدلًا من ذلك، ينبغي أن تدافع الولايات المتحدة عن مجموعة أضيق نطاقًا من مصالحها الأساسية من خلال تقليص وجودها العسكري، وتوسيع نطاق الدبلوماسية، وإتاحة بدائل أكثر، والعمل مع عدد أكبر من الشركاء. ولن تقدم مضاعفة الانخراط ولا الانسحاب الكامل مخرجًا من الحلقة المفرغة التي وقع في أسرها كل رئيس أميركي تولّى منصبه في الآونة الأخيرة. لكنّ اتباع مسار وسط أكثر واقعية وانضباطًا قد يتيح ذلك المخرج.
حماقات السياسة الخارجية
لنتأمل ما يصيب فيه منتقدو السياسة الخارجية الأميركية في المنطقة. كلّفت الحربان اللتان خاضتهما الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق ما لا يقل عن تريليوني دولار لكل منهما، فضلًا عن أرواح آلاف العسكريين الأميركيين ومئات الآلاف من المدنيين المحليين. وألحقت الحربان ضررًا بالغًا بسمعة الولايات المتحدة على الصعيد العالمي، وتركتا جيلًا من الأميركيين يشكّك في قدرة بلاده على أن تكون قوة فاعلة في خدمة الخير في العالم. وعلى مدى خمسة وعشرين عامًا، أسهمت عمليات مكافحة الإرهاب فعليًا في إضعاف التهديد الإرهابي العالمي بدرجة كبيرة، لكنها لم تجعل المنطقة أكثر تحررًا وإنما جعلتها أقل استقرارًا في أماكن كثيرة. والآن، أضافت الحرب على إيران عواقب جديدة لغرور الولايات المتحدة ومبالغتها في استخدام القوة العسكرية، تمثّلت في عشرات المليارات من الدولارات من التكاليف العسكرية المباشرة، وآلاف القتلى والجرحى، وتحويل الأصول العسكرية من مناطق حيوية أخرى، واستنزاف المخزونات المحدودة من الذخائر التي يصعب تعويضها، وتوتّر التحالفات، وتحقيق روسيا مكاسب استثنائية من ارتفاع أسعار النفط، ودفع النظام الإيراني إلى مزيد من التشدد، ناهيك عن أكبر اضطراب في الإمدادات في تاريخ سوق النفط العالمية.
جنود من البحرية الأميركية يحمّلون ذخائر على متن مقاتلة في بحر العرب، أيلول (سبتمبر) 2026 - (المصدر)
كما يصيب المنتقدون أيضًا في قول إن الوجود العسكري الأميركي في المنطقة، الذي لطالما اعتُبر ضرورة لردع الحروب وضمان استمرار تدفق الطاقة، أصبح عبئًا في جوانب عديدة. فقد أصبحت شبكة القواعد العسكرية الكبيرة التي أنشأتها واشنطن بعد حرب الخليج في العام 1991 اليوم عرضة لهجمات الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية الإيرانية بحيث أصبحت هذه القواعد توفر لطهران أهدافًا وأوراق ضغط، بدلًا من أن تردعها عن اللجوء إلى العمل العسكري.
وفي الوقت نفسه، يغري نشر القوات الأميركية في مواقع متقدمة القادة الأميركيين باللجوء إلى الحلول العسكرية، بينما تخلق الحاجة إلى حماية تلك القوات حلقة مفرغة تقوّض الغاية من وجودها؛ حيث يتحوّل التهديد الذي تتعرض له القوات الأميركية إلى أحد المبررات الرئيسية للإبقاء عليها في المنطقة.
ويصيب المنتقدون كذلك في قولهم بأنه كان من السهل التعامل مع دعم الولايات المتحدة لشركائها الإقليميين باعتباره أمرًا مضمونًا، كما كان من السهل إساءة استغلاله. وعلى سبيل المثال، أوجد الدعم الأميركي لإسرائيل، الذي يكاد يكون غير مشروط، حالة من المخاطر الأخلاقية -ما يشبه بوليصة تأمين ضمنية تشجّع إسرائيل على المجازفة، وتجرّ الولايات المتحدة إلى صراعات لم تختر خوضها ولا تستطيع التحكم في مساراتها.
وبالمثل، أدّى اعتماد الولايات المتحدة على شركائها في الخليج للحفاظ على حضورها الأمني إلى إحجام واشنطن عن توجيه انتقادات حادة لممارسات هناك، وإلى قبولها بتدخلات مزعزعة للاستقرار في أماكن مثل ليبيا والسودان واليمن.
نتيجة لذلك، تتجه السياسة الداخلية الأميركية نحو ضبط النفس -إن لم يكن نحو الانسحاب الكامل. وتقول الغالبية العظمى من الأميركيين لاستطلاعات الرأي إن الحرب على إيران لا تستحق خوضها، كما يزداد تشكّك الناخبين في كلا الحزبين -وخاصة الأصغر سنًا- في الشراكة الأمنية الأميركية مع إسرائيل، وفي "الحروب التي لا نهاية لها" التي لا يبدو أنها تجعل الولايات المتحدة أكثر أمنًا أو تعالج القضايا التي تحظى بأكبر قدر من اهتمامهم. ومن غير المرجح أن تصمد أي استراتيجية تتجاهل هذا التشكيك أمام الانتخابات المقبلة، أو أن تحظى بتمويل من الكونغرس الذي يُرجّح أن تفرزه تلك الانتخابات.
المصالح باقية
لا يعني الإقرار بفشل السياسة الأميركية استنتاج أن المصالح الأميركية قد تلاشت. صحيح أن بعض أهم دوافع الانخراط الأميركي في المنطقة في الماضي قد تراجع بالفعل؛ ومن ذلك التنافس مع الاتحاد السوفياتي خلال الحرب الباردة، والاعتماد الأميركي الكبير على النفط المستورد، والتهديدات التي شكّلها تنظيما "القاعدة" و"داعش" في ذروة قوتهما، وحاجة إسرائيل عندما كانت أكثر عرضة للخطر إلى الحماية من الجيوش العربية المعادية، لكن المصالح التي ما تزال قائمة حقيقية كما أظهرت الحرب على إيران بجلاء شديد.
ولنأخذ الأهمية المستمرة لإمدادات الطاقة. أصبحت الولايات المتحدة اليوم مُصدِّرًا صافيًا للنفط والغاز ولا تستورد سوى كميات ضئيلة من النفط الخام من الخليج العربي، الأمر الذي دفع كثيرين إلى استنتاج أن طاقة المنطقة لم تعد ذات أهمية كبيرة للأميركيين. لكن فكرة "استقلال الولايات المتحدة في مجال الطاقة" مبالغ فيها إلى حد بعيد. فالنفط سلعة قابلة للتداول في الأسواق العالمية، ولها سعر عالمي موحّد. وكما أظهرت الحرب على إيران، فإن انقطاع الإمدادات في أي مكان يؤدي إلى ارتفاع ما يدفعه الأميركيون في محطات الوقود، كما أن تباطؤ النمو في آسيا وأوروبا ينعكس سلبًا على الاقتصاد الأميركي أيضًا.
كما أنّ العالم لا يتخلّص من اعتماده على الوقود الأحفوري بالسرعة التي كان كثيرون يأملونها. وعلى الرغم من الازدهار الفعلي في مصادر الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة الكهرومائية، بلغ الاستهلاك العالمي للنفط والفحم مؤخرًا أعلى مستوى له على الإطلاق. وما يزال الوقود الأحفوري يوفّر نحو 80 في المائة من احتياجات العالم من الطاقة بعد أن كانت حصته تقارب 85 في المائة في أوائل تسعينيات القرن الماضي؛ أي أن التراجع كان محدودًا فقط. ويزيد الانتشار المتواصل لمراكز البيانات كثيفة الاستهلاك للطاقة من ارتفاع الطلب.
كانت الحرب على إيران تذكيرًا قاسيًا بهذه الحقائق. فقد ردّت إيران على الضربات الأميركية والإسرائيلية -كما هو متوقع- باستهداف البنية التحتية للطاقة في المنطقة، وإغلاق حركة الملاحة عبر مضيق هرمز الذي كان يمرّ عبره ربع تجارة النفط العالمية المنقولة بحرًا، وما يقرب من خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم، فضلًا عن الأسمدة والمنتجات النفطية المكرّرة وسلع أساسية أخرى. وقفزت أسعار النفط بما أدى إلى ارتفاع أسعار البنزين في الولايات المتحدة بأكثر من 40 في المائة، وأسعار الديزل بأكثر من 70 في المائة، وهو ما غذّى التضخم ودفع أسعار الفائدة إلى الارتفاع.
لم يحُل دون تفاقم الأضرار بدرجة أكبر حتى الآن سوى اجتماع ثلاثة عوامل: خفض الصين وارداتها النفطية بمقدار فاق التوقعات بفضل تخزينها احتياطيات كبيرة وتحولها نحو مصادر الطاقة المتجددة؛ والإفراج الطارئ عن كميات من الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية؛ ووجود خطوط أنابيب سعودية وإماراتية تتجاوز المضيق.
وعند التفكير في ما إذا كانت الولايات المتحدة ما تزال في حاجة إلى الاهتمام بتدفّق النفط من الشرق الأوسط، يجدر تذكّر أن انخفاض الناتج المحلي الإجمالي الأميركي بنسبة واحد في المائة سنويًا نتيجة صدمة في إمدادات النفط سيكلّف الولايات المتحدة أكثر من 300 مليار دولار من الناتج المفقود؛ وسيكلف تراجع الناتج العالمي بنسبة واحد في المائة العالم أكثر من تريليون دولار. وهذه عواقب ينبغي أن تهمّ جميع الأميركيين.
يشكّل منع الانتشار النووي مصلحة أخرى دائمة. وثمة باحثون يرون أن من الممكن ردع إيران إذا امتلكت أسلحة نووية، بل إن بعضهم يذهب إلى أن انتشار الأسلحة النووية قد يسهم في استقرار المنطقة، مثلما حدث على نحو يمكن المجادلة بشأنه خلال الحرب الباردة. ويعتقد آخرون أن إيران ستتخلّى ببساطة عن الخيار النووي إذا زال خطر التدخل العسكري الأميركي أو تراجع، وبذلك لا يوجد ما يدعو إلى القلق كثيرًا. وكلا الاحتمالين وارد، لكنّ من غير المرجّح أن يراهن أي رئيس أميركي على تحقّق أحدهما -ولأسباب وجيهة.
سوف تدرك إيران تمتلك أسلحة نووية أنها قادرة على مواصلة دعم القوى التي تعمل بالوكالة عنها أو زيادة هذا الدعم، والاستمرار في التدخل في شؤون جيرانها أو تصعيد صراعها مع إسرائيل وهي مطمئنة إلى أن ترسانتها النووية ستردع أي محاولة للإطاحة بالنظام ردًا على ذلك.
وإذا امتلكت إيران السلاح النووي، يغلب أن تسعى دول الجوار الإقليمي إلى امتلاكه هي الأخرى. وكان ولي العهد السعودي محمد بن سلمان قد قال إن السعودية "سيتعيّن عليها الحصول على سلاح نووي" إذا امتلكت إيران واحدًا -علمًا بأنه وقّع اتفاقية دفاع مشترك مع باكستان، الدولة النووية، في العام 2025، ثم أبرم اتفاقًا مماثلًا مع تركيا وباكستان في العام 2026. كما صرّح وزير الخارجية التركي في وقت سابق من هذا العام بأن بلاده ستدرس الإقدام على الخطوة نفسها.
وسيكون الشرق الأوسط الذي يضمّ قوى نووية متعددة -الكثير منها متنافسة- أشد خطورة بكثير مما هو عليه اليوم مع ارتفاع مخاطر وقوع حادث نووي أو استخدام الأسلحة النووية. ويفترض المنطق الذي يستند إليه الانكفاء الأميركي عن المنطقة أن واشنطن قد تستطيع التعايش مع امتلاك إيران سلاحًا نوويًا مثلما تتعايش مع امتلاك باكستان وكوريا الشمالية له. وربما كان ذلك ممكنًا، لكن معظم الأميركيين يُرجّح أن يفضّلوا ألّا يضطروا إلى اختبار هذا الاحتمال على الإطلاق.
كما أن التهديد الإرهابي تراجع، لكنه لم يختفِ. فقد أدّت عقود من العمل الاستخباراتي والضغط العسكري إلى إضعاف قيادة تنظيم القاعدة إضعافًا شديدًا، وإلى تجريد تنظيم "داعش" من "خلافته" الإقليمية. ولم تنفّذ أي جماعة إرهابية أجنبية هجومًا على الأراضي الأميركية يتسبّب في سقوط أعداد كبيرة من الضحايا منذ هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001. وهذا يعني أن واشنطن تستطيع -وينبغي لها- تخصيص موارد أقل بكثير لمكافحة الإرهاب مما خصّصته خلال ما عُرف باسم "الحرب العالمية على الإرهاب".
لكن تنظيم "داعش" وفروعه ما تزال قادرة على تنفيذ هجمات توقع أعدادًا كبيرة من الضحايا كما أظهرت هجماته في محيط موسكو وفي مدينة كرمان الإيرانية في العام 2024. وما يزال التنظيم قادرًا على إلهام إرهابيين مثل الشخص الذي اقتحم بشاحنته حشودًا في شارع بوربون بمدينة نيو أورلينز في كانون الثاني (يناير) 2025، وكذلك منفّذي الهجوم الذي أودى بحياة 15 شخصًا في شاطئ بوندي بأستراليا في وقت لاحق من العام نفسه.
وفوق ذلك، فرّ مئات من عناصر تنظيم "داعش" من السجون السورية -أو أُطلق سراحهم منها- وسط الفوضى التي رافقت المرحلة الانتقالية في سورية عقب سقوط نظام الأسد في كانون الأول (ديسمبر) 2024. ولذلك، ستظل هناك حاجة إلى الإبقاء على مهمة محدودة، وإن كانت ذات شأن، لمكافحة الإرهاب، وإلى مواصلة التعاون في هذا المجال مع الشركاء الإقليميين.
وأخيرًا، للولايات المتحدة مصالح إيجابية في المنطقة تتجاوز مجرد تفادي التهديدات. تمتلك الدول الأعضاء في "مجلس التعاون الخليجي" صناديق ثروة سيادية تزيد أصولها على خمسة تريليونات دولار، كما تحوز أصولًا أميركية تصل قيمتها إلى تريليوني دولار، بما في ذلك سندات الخزانة التي تساعد على إبقاء تكاليف الاقتراض الأميركي منخفضة. وبإجمالي ناتج محلي يفوق تريليوني دولار، تنفق دول المجلس أيضًا مئات المليارات من الدولارات على مراكز بيانات تُبنى بالتعاون مع شركات أميركية، بما يرسّخ اندماجها في المنظومة التكنولوجية الأميركية بدلًا من المنظومة الصينية.
ومع توسّع هذه الدول في برامج الطاقة النووية المدنية وغيرها من مشاريع البنية التحتية، فإن من المرجّح أن تنفّذها بالتعاون مع شركات أميركية -أو أنه ينبغي للأميركيين أن يأملوا في ذلك على الأقل. ولا تبرر هذه الروابط الاقتصادية في حد ذاتها وجودًا عسكريًا أميركيًا واسع النطاق أو شراكات أمنية واستخباراتية موسّعة. لكنها تزيد كلفة عدم الاستقرار الإقليمي، وكذلك كلفة أي إعادة اصطفاف جيوسياسي باتجاه بكين قد يشجّع الانسحاب الأميركي على حدوثها.
حدود التخلّي عن المنطقة
تستند الحجة الداعية إلى فك الارتباط بالشرق الأوسط إلى سلسلة من الافتراضات المتفائلة. ووفقًا لهذه الرؤية، ستتمكن المنطقة من الوصول إلى حالة من التوازن الداخلي إذا غابت الولايات المتحدة عنها. وستجد دول الخليج سبلًا للتعايش مع إيران بدلًا من الانخراط في التنافس معها أو الدخول في صراعات عنيفة. وستتخلّى إيران عن السلاح النووي بعد زوال التهديد الذي تشعر به. وستصبح إسرائيل أكثر حذرًا في غياب المظلة الأميركية التي توفر لها الحماية من دون أن تضعف إلى حدّ يجعلها عرضة للهجوم. وستدفع المصالح الذاتية لدول المنطقة إلى ضمان استمرار تدفّق النفط، ولن تظهر ملاذات آمنة جديدة للإرهابيين، ولن تسعى أي قوة خارجية إلى ملء الفراغ.
قد يتبيّن أن بعض هذه الافتراضات صحيح. لكن اجتماعها كلّها لا يعدو أن يكون مقامرة تستند إلى الأمل أكثر مما تستند إلى التجربة -أملٍ بأن يكون مستقبل الشرق الأوسط أقل اضطرابًا وخطورة من ماضيه، وبأن أي حالة من عدم الاستقرار أو أي صراع ينشب فيه لن تكون له تداعيات على الولايات المتحدة.
لنتأمل الكيفية التي يغلب أن تستجيب بها الدول الأكثر تأثرًا لفك الارتباط الأميركي بالمنطقة. لن تكتفي الدول العربية الخليجية التي لن يعود بوسعها الاعتماد على الحماية الأميركية بالتكيّف مع طهران. والأرجح أنها ستلجأ إلى تنويع خياراتها والتحوّط من المخاطر من خلال تعميق علاقاتها الدفاعية مع باكستان وتركيا والصين. وربما تتجه السعودية، على وجه الخصوص، نحو الاقتراب من خيار امتلاك سلاح نووي خاص بها. وقد تصبح إسرائيل، التي ستشعر بأنها أكثر عرضة للخطر، أميل إلى توجيه ضربات استباقية، بينما قد تجد إيران والقوى الإقليمية المتحالفة معها مزيدًا من الحوافز للردّ عليها في غياب الولايات المتحدة عن المعادلة. وقد تخلص إيران أيضًا إلى أن الطريق إلى امتلاك القنبلة النووية أصبح أخيرًا مفتوحًا أمامها عبر برنامج التخصيب الذي استثمرت فيه أموالًا طائلة وربطته بقدر كبير من كبريائها الوطني على مدى عقود.
وحتى لو لم تعد للولايات المتحدة قواعد عسكرية أو قوات متمركزة في المنطقة، فمن المرجّح أن يتأثر الأميركيون بعواقب سباقات التسلح، والتنافس على الأمن، والصراعات المحتملة التي قد تنجم عن ذلك.
وثمة حدود أيضًا لفكرة أن الانسحاب الأميركي من المنطقة سيمنح واشنطن نفوذًا أكبر في قضايا مثل حقوق الإنسان. سوف يتيح وقف العلاقات الأمنية ومبيعات الأسلحة والتعاون الاستخباراتي مع دول الشرق الأوسط للولايات المتحدة ممارسة ضغوط علنية عليها بشأن هذه القضايا، لكنه قد يضعف نفوذها أيضًا إذا شعرت الدول التي كانت شريكة لها بأنه لم يعد لديها ما تخسره. وقد تشعر واشنطن بارتياح أكبر إزاء إبقاء مسافة بينها وبين المنطقة، لكنها قد لا ترضى عن النتائج التي تترتب على ذلك.
وتشير التجربة التاريخية أيضًا إلى أن الانسحاب من المنطقة قد يؤدي إلى عواقب غير مقصودة. عندما سحبت الولايات المتحدة قواتها من العراق في العام 2011 لم تكن النتيجة الاستقرار، وإنما صعود تنظيم "داعش" الذي سيطر على أراضٍ في العراق وسورية تعادل مساحتها تقريبًا مساحة بريطانيا العظمى، وقتَل أميركيين وأعدادًا كبيرة من أشخاص آخرين، ودبّر هجمات في الخارج، مما اضطر واشنطن إلى العودة إلى المنطقة لشنّ حملة جوية وبرية استمرت سنوات عدة.
ولو أقدمت إدارة أميركية مقبلة على تفكيك الانتشار العسكري الأميركي في المنطقة وإنهاء الشراكات الأمنية والاستخباراتية الراسخة، واستبعاد سيناريوهات الشرق الأوسط من خطط الطوارئ العسكرية التي يضعها البنتاغون، فلن يعني ذلك بالضرورة انتفاء الحاجة إلى التدخل الأميركي عند اندلاع الأزمة المقبلة، لكنه سيحدّ من الخيارات المتاحة أمام واشنطن حين تحين تلك اللحظة. (يُتبع)
*فيليب هـ. غوردون Philip H. Gordon: باحث سيدني شتاين الابن المتميز في "معهد بروكينغز". شغل منصب مستشار الأمن القومي لنائب الرئيس في إدارة بايدن، ومنسّق البيت الأبيض لشؤون الشرق الأوسط في إدارة أوباما. هذا المقال مقتبس من مساهمة له ستصدر قريبًا في طبعة العام 2027 من كتاب "قرارات كبرى" Great Decisions، الذي تصدره جمعية السياسة الخارجية.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: America Shouldn’t Let Go of the Middle East: Why Disengagement Is Not the Answer