حينما ينتفض الجمهور.. حملات إلغاء المتابعة تهز عرش المشاهير
الغد-رشا كناكرية
"#إلغاء-متابعة-المشاهير و#معا-لانقاذ-الأجيال-القادمة؛ بعض من الهاشتاغات انتشرت مؤخراً على منشورات عدد من مشاهير ومؤثري السوشال ميديا العرب، لتهدّد عرش شهرتهم الرقمية وتصدرهم قوائم الأكثر متابعة "الفلورز".
خلال الأسابيع الماضية، أطلقت حملة لمقاطعة وإلغاء متابعة عدد من مشاهير السوشال ميديا العرب الذين يعرضون حياتهم الفارهة عبر المنصات؛ بين السفر والمغامرات والثراء وشراء أغلى الماركات، ومشاركة تفاصيل يختارونها ويفرضونها على متابعيهم.
هذا الأمر أشعل شرارة الوعي لدى المتابعين، فانطلقت الحملة عبر منصة "تيك توك" وتوسعت تدريجيا لتشمل مختلف منصات التواصل الاجتماعي، بأسباب تتعدد يوما بعد يوم؛ من رفض سطحية المحتوى المقدم وسط الأزمات الإنسانية التي يعيشها العالم العربي، إلى رفض نشر محتوى ترفيهي واستعراضي بلا قيمة تذكر.
والواقع أن رواد هذه المواقع هم من أوصلوا المشاهير إلى ما هم عليه من نجاح، لكن اليوم يرى المتابعون أن هناك استهتارا بمشاعرهم وعدم مراعاة لهم، من خلال محتوى سخيف لا يظهر سوى الأموال وحياة الرفاهية.
وتهدف الحملة إلى دعوة المتابعين لمقاطعة بعض المشاهير وأصحاب الصفحات المليونية، باعتبارهم يضللون الجمهور ويعرضون حياتهم بطريقة غير حقيقية، فضلا عن استفادتهم من دعم المتابعين ليصبحوا مشاهير وأصحاب ثروات.
وكالنار في الهشيم، انتشرت الدعوات بسرعة كبيرة، ما أدى إلى انخفاض بسيط في أعداد المتابعين، وأثار نقاشات واسعة حول مصداقية بعض هؤلاء المشاهير وأثرهم على المتلقين. لنطرح هنا سؤالا: هل تمثل هذه الحملة نقطة البداية لإزالة غشاء تزييف العالم الرقمي، وولادة شرارة وعي جماعي؟
وبدوره يبين المستشار الإعلامي والمدرب المتخصص في التسويق والعلاقات العامة، بشير مريش، أن هذا النوع من الحملات يُمكن اعتباره مؤشراً واضحا على زيادة الوعي الجمعي لدى المتابعين وإدراكهم لقوة التأثير التي يمتلكونها.
ويوضح مريش أنه لأول مرة نشهد تحركا جماعيا من الجمهور لإعادة ضبط العلاقة مع "المؤثرين"، بعد سنوات طويلة كانوا فيها هم الطرف الأضعف والمتلقي السلبي.
ويشير مريش إلى أن هذا يظهر أن المتابعين أصبحوا أكثر وعيًا بأن الأرقام "المشاهدات، الإعجابات، المتابعين" هي أساس شهرة المؤثرين ومصدر أرباحهم، وبالتالي لهم القدرة على صنع الشهرة أو إلغائها.
وكما يظهر الوعي بمسؤولية المحتوى بحسب مريش، بمعنى أن هناك إدراكا متزايدا بأن عرض حياة الترف والرفاهية وسط أزمات اقتصادية وإنسانية يُعد استفزازا، وأن المؤثر الحقيقي يجب أن يقدم محتوى له قيمة وفائدة.
ويتابع، كما تظهر تغيير في ميزان القوة، فهذه الحملات تضع المؤثرين أمام حقيقة أن النجاح الرقمي ليس ملكا لهم وحدهم، بل هو نتيجة دعم الجمهور وثقته.
ويضيف مريش أن هذه الحملات تعد إشارة لتحول ثقافي فقد تكون هذه الحملات بداية لمرحلة جديدة من التفكير النقدي تجاه المحتوى الرقمي، حيث لم يعد المتابع يقبل أي شيء يُعرض عليه، بل بات يبحث عن الأصالة والشفافية.
ووفقا لذلك؛ يؤكد مريش أنه هذه الحملات قد لا تؤدي إلى نتائج جذرية فورية، لكنها رسالة قوية بأن المتابعين أصبحوا أكثر وعيًا بقيمتهم وصوتهم الجماعي.
ويذكر مريش أن هذا الوعي عند رواد مواقع التواصل الاجتماعي يدل على عدة مؤشرات مهمة في مقدمتها النضج الرقمي، بمعنى أن المتابعين لم يعودوا مستهلكين سلبيين للمحتوى، بل أصبحوا قادرين على التمييز بين ما هو ترفيهي سطحي وما هو مفيد وواقعي.
وثانيا؛ إدراك قيمة التأثير، فالجمهور بدأ يفهم أن المتابع الواحد هو جزء من القوة التي تمنح المؤثر شهرته ومصدر دخله، وبالتالي يمكنهم سحب هذه القوة إذا لم يكن المحتوى مسؤولًا.
وثالثاً؛ الوعي الجماعي، إذ إن انتشار حملات المقاطعة بشكل واسع يدل على أن هناك إدراكا جماعيا لقوة العمل المشترك، وأن التغيير ممكن عندما يتوحد صوت المتابعين.
وأخيرا؛ تحول الأولويات بحسب مريش، ففي وسط الأزمات الاقتصادية والإنسانية أصبح المتابعون أكثر حساسية تجاه المحتوى السطحي والاستعراضي، ويبحثون عن محتوى يلبي احتياجاتهم النفسية والمعرفية بدلا من استفزازهم بمظاهر الرفاهية.
ووفقا لذلك يذكر مريش أن هنالك عدة أسباب لهذا الوعي يمكن تلخيصها بداية في التجربة الطويلة مع المحتوى الرقمي فبعد سنوات من متابعة المؤثرين، بدأ الجمهور يميز بين الصدق والزيف.
ومن جهة أخرى، الأزمات الاقتصادية والاجتماعية دفعت المتابعين لمراجعة أولوياتهم والنفور من الاستعراض غير الواقعي بحسب مريش، بالإضافة إلى تنامي النقاشات العامة فالحملات الجماعية ووسائل الإعلام فتحت مساحات للنقاش حول قيمة المحتوى وتأثيره.
ولا ننسى تأثير الجيل الجديد، فالشباب اليوم أكثر وعيًا بمفاهيم مثل الشفافية، المصداقية، والمسؤولية الاجتماعية، مؤكدا بذلك أن هذا الوعي يعكس تطور علاقة الجمهور مع المنصات الرقمية من مجرد استهلاك عاطفي إلى ممارسة نقدية واعية تعيد تشكيل مشهد المؤثرين.
ووفق مريش؛ فإن الأثر المتوقع من هذه الحملات على منصات التواصل الاجتماعي سيكون متعدد الأبعاد، بداية إعادة ضبط العلاقة بين الجمهور والمؤثرين وبذلك سيصبح المؤثرون أكثر حذرًا في المحتوى الذي يقدمونه، ويميلون إلى التركيز على القيمة والمصداقية بدلاً من المظاهر الفارغة
والجمهور سيشعر بقوة تأثيره، مما يزيد من محاسبة المؤثرين.
هذا بدوره سيعمل على تحفيز منصات التواصل الاجتماعي على مراجعة سياساتها بحسب مريش، بمعنى أنه قد تضطر المنصات لتشجيع المحتوى المفيد والمسؤول على حساب المحتوى السطحي إلى جانب زيادة أدوات التفاعل التي تسمح للجمهور بالتعبير عن رفضهم مثل (إخفاء، حظر، تقليل الظهور).
وبحسب مريش فإن هذه الحملات قد تقود لنشوء موجة جديدة من المؤثرين، إذ ستفتح المجال أمام صعود جيل جديد من صانعي المحتوى الذين يقدمون محتوى واقعيًا، تعليميًا أو إنسانيًا، وزيادة الطلب على المؤثرين "الموثوقين" أو "المتخصصين" بدلا من المؤثرين الاستعراضيين. ويؤكد مريش أنه سيكون هنالك تأثير اقتصادي مباشر يتمثل في انخفاض عقود الإعلانات لبعض المشاهير الذين يخسرون متابعين أو مصداقية، وتحول ميزانيات التسويق نحو مؤثرين أصغر لكن أكثر مصداقية مع جمهورهم.
ويعتقد مريش أنه ستتغير ثقافة الاستخدام، بمعنى أن المتابعين سيصبحون أكثر وعيًا بمحتوى يستهلكونه وأكثر انتقائية في من يتابعونه، بالإضافة إلى تعزيزها ثقافة "المقاطعة كوسيلة ضغط"، وهو مؤشر على نضج القوة الجماعية في الفضاء الرقمي.
ويقول مريش "هذه الحملات قد تكون نقطة تحول في المشهد الرقمي، تنقل المنصات من مرحلة "الاستعراض" إلى مرحلة "المحتوى المسؤول"، وتعيد للجمهور دوره الفعّال في تشكيل اتجاهات السوشال ميديا". ويعتقد أنه على المدى البعيد من المرجح جدًا أن نشهد المزيد من الحملات المشابهة، بل وربما بشكل أكثر تنظيمًا وتأثيرًا.
وينوه أن هذا سيكون لعدة أسباب أساسية في مقدمتها تراكم الوعي الرقمي، فمع كل حملة مقاطعة أو رفض جماعي، يتعلم الجمهور أن له قوة حقيقية في تغيير المعادلة، وهذا الوعي لن يتراجع، بل سيتضاعف مع الأجيال الجديدة الأكثر إدراكًا لأهمية المحتوى والمسؤولية الرقمية.
ويتابع مريش، ثانيا تحول الجمهور من "مستهلك سلبي" إلى "صانع قرار"، فاليوم أصبح المتابعون يعرفون أن "المتابعة" ليست مجرد رقم بل قوة اقتصادية ومعنوية، منوها أن هذه المعرفة تجعلهم يحددون معايير جديدة للمحتوى المقبول أو المرفوض.
وثالثا، الضغط على منصات التواصل الاجتماعي نفسها، فمع تزايد الحملات ستضطر المنصات إلى إعادة النظر في خوارزمياتها وطريقة إبراز المحتوى وقد تفرض سياسات أكثر صرامة تجاه المحتوى الاستعراضي أو غير المفيد.
ورابعا، تغير في منهجية صناعة المحتوى، بمعنى أن المؤثرين الجدد سيضطرون لبناء حضورهم على أساس القيمة، والمصداقية، والانسجام مع وعي الجمهور، مؤكدا بذلك أن الحملات ستؤدي إلى تراجع "النجومية الفارغة" وصعود "المؤثر المتخصص" أو "المسؤول اجتماعيًا".
وأخيرا ستكون بداية تشكيل ثقافة رقمية جديدة، بمعنى أن هذه الحملات ليست مجرد موجة عابرة، بل هي بذور لثقافة رقمية جماعية ستؤثر على الإعلام الرقمي، الإعلانات، وحتى السياسات الحكومية المتعلقة بالمحتوى.
وعلى المدى البعيد قد تصبح هناك معايير مجتمعية غير مكتوبة تحدد ما هو مقبول وما هو مرفوض على السوشال ميديا.
ويختتم مريش حديثه بقوله "من المتوقع أن نرى هذه الحملات تتحول من رد فعل عفوي إلى حركة واعية ومستمرة تشكل جزءًا من واقع التواصل الاجتماعي، وتعيد صياغة العلاقة بين المؤثر، الجمهور، والمنصات الرقمية".