الدستور
في لحظةٍ يتجه فيها العالم إلى متابعة التصريحات المتصاعدة حول الحرب الامريكية الصهيونية على إيران، ومن تهديدات بضربات عسكرية إلى توقعات بإنهاء العمليات خلال أسابيع، يظل قطاع غزة ساحةً مفتوحة للعبث الصهيوني بعيداً عن الأضواء، هذا الانشغال الدولي منح دولة الكيان الصهيوني فرصةً نادرةً لتكريس واقع جديد في القطاع، واقع يتجاوز حدود القصف اليومي إلى مشروع هيكلي طويل الأمد يهدف إلى إعادة رسم الجغرافيا والديموغرافيا.
التقارير الصادرة عن الأوضاع في قطاع غزة تكشف حجم الكارثة الإنسانية المستمرة حتى اللحظة، في ظل حصار خانق لم يُرفع ويمنع الغذاء والدواء، ويحوّل الحياة اليومية إلى معركة بقاء، لكن الأخطر ليس هذا فقط، بل في التحولات الميدانية التي تُنفذ بصمت، فما يُسمى بـ"الخط الأصفر" لم يعد مجرد منطقة عازلة، بل أصبح حاجزاً برياً بطول سبعة عشر كيلومتراً، يقطع أوصال القطاع ويمنع عودة النازحين، فيما تُقام فوق أنقاض المساجد والمقابر في هذه المساحة بؤر استيطانية جديدة، وكأن إسرائيل تعيد إنتاج مشروعها الاستيطاني داخل "غزة" نفسها.
هذا العبث يتخذ أشكالاً متعددة، من بناء مواقع عسكرية دائمة إلى الدفع بقوانين مثل إعدام الأسرى، في محاولة لتشريع القتل الجماعي وتحويل أدوات الحرب إلى منظومة قانونية، وفي الوقت الذي ينشغل فيه المجتمع الدولي بملف إيران، تُنفذ دولة الكيان الصهيوني أخطر سياساتها في غزة دون محاسبة.
هذا المشهد يكشف أن غزة تُستخدم كساحة خلفية، حيث تُترجم السياسات الكبرى إلى خطوات عملية على الأرض، فكل تهديد ضد إيران ينعكس مباشرة في غزة، وكل انشغال دولي يمنح الصهيانة مساحة أوسع لتثبيت وقائع جديدة، إنها سياسة قديمة تتكرر.. استغلال الفوضى الإقليمية لفرض واقع لا يمكن التراجع عنه لاحقاً.
العبث الصهيوني في غزة ليس مجرد تفاصيل جانبية في زمن الحرب على إيران، بل هو جوهر المشروع الصهيوني الذي يسعى إلى تحويل القطاع من ملف تفاوضي إلى قضية منسية، محاصرة بالحصار والجدران والقوانين، وإن إدراك هذا البعد يكشف أن المعركة الحقيقية ليست فقط في طهران او منطقة الشرق الاوسط، بل في قطاع غزة الذي يُدفع يومياً نحو التلاشي.