الغد
في لحظة إقليمية بالغة التعقيد، تتجه الأنظار إلى العاصمة الباكستانية إسلام آباد باعتبارها ساحة دبلوماسية محتملة لإعادة صياغة التوازنات بين الولايات المتحدة وإيران، في ظل تداخل مسارات الحرب والتهدئة، وتزايد مخاطر الانزلاق نحو مواجهة أوسع تشمل أطرافًا إقليمية، وعلى رأسها إسرائيل. ومع اقتراب انتهاء الهدنة المؤقتة، تبدو الوساطة الباكستانية محاولة جادة لاحتواء التصعيد وإعادة توجيه المسار نحو التفاوض بدل الحرب.
تأتي هذه الوساطة في سياق ما يمكن وصفه بـ"ضباب السلام"، حيث لا توجد رواية واضحة أو متفق عليها بشأن مستقبل المفاوضات، رغم وجود وقف إطلاق نار شكلي. فالتصريحات الأميركية المتناقضة، إلى جانب المواقف الإيرانية المشروطة، تعكس حالة من عدم اليقين، تجعل من أي تقدم دبلوماسي أمرًا هشًا وقابلًا للانهيار.
ومع ذلك، يدرك الطرفان أن استمرار الأزمة، خاصة في ظل تهديد الملاحة في مضيق هرمز، قد يؤدي إلى تداعيات اقتصادية عالمية خطيرة.
إسلام آباد وسيط الضرورة لا الرفاهية؛ تتمتع باكستان بميزات فريدة تؤهلها للعب دور الوسيط، فهي تحتفظ بعلاقات متوازنة مع إيران، ولديها في الوقت نفسه قنوات اتصال فعالة مع واشنطن ودول الخليج.
هذا الموقع الوسطي يمنحها قدرة نسبية على تقريب وجهات النظر، خاصة في ظل غياب ثقة مباشرة بين الطرفين.
لكن الوساطة الباكستانية ليست مجرد مبادرة دبلوماسية تقليدية، بل تعكس إدراكًا عميقًا لخطورة المرحلة. فإسلام آباد تدرك أن أي انفجار عسكري واسع لن يبقى محصورًا في الخليج، بل سيمتد إلى النظام الدولي بأكمله، سواء عبر الطاقة أو الأمن البحري. لذلك، كثّفت اتصالاتها مع الطرفين لإزالة العقبات، وعلى رأسها الحصار البحري الأميركي، الذي تعتبره طهران عائقًا أساسيًا أمام التفاوض.
عقدة الثقة وشروط التهدئة، تكشف مجريات المفاوضات أن المشكلة الأساسية ليست في غياب القنوات، بل في انعدام الثقة. إيران ترفض التفاوض تحت الضغط، وتعتبر التصريحات الأميركية تهديدًا مباشرًا، في حين تصر واشنطن على شروط تتعلق بالبرنامج النووي وسلوك طهران الإقليمي.
وفي قلب هذا التعقيد، تبرز
عدة شروط لنجاح التهدئة:
رفع الحصار البحري عن الموانئ الإيرانية. وإعادة فتح مضيق هرمز وضمان حرية الملاحة. وتمديد وقف إطلاق النار لفترة أطول لخلق بيئة تفاوضية مستقرة. هذه الخطوات، وإن بدت تقنية، إلا أنها تمثل "اختبار نوايا" بين الطرفين، وقد تكون المدخل الوحيد لبناء ثقة تدريجية.
بين الحرب والتفاوض مساران متوازيان؛ اللافت في المشهد الحالي أنّ مساري التصعيد والتفاوض يسيران جنبًا إلى جنب؛ فبينما تُجرى محادثات محتملة في إسلام آباد، تتواصل التحركات العسكرية والتوترات البحرية، في انعكاس واضح لاستراتيجية يعتمدها الطرفان تقوم على توظيف الضغط لتعزيز مواقفهما وتحسين شروط التفاوض.
كما أن دخول إسرائيل على خط الأزمة يزيد من تعقيد المشهد، إذ تستعد لاحتمال انهيار المفاوضات، وتضغط باتجاه خيارات أكثر تشددًا تجاه إيران. هذا التداخل بين المسارين الأميركي والإسرائيلي من جهة، والإيراني من جهة أخرى، يجعل من أي تسوية شاملة أمرًا بالغ الصعوبة. سيناريوهات المرحلة المقبلة: يمكن تلخيص مآلات الوساطة الباكستانية في ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
سيناريو النجاح الجزئي:
من المرجح أن تتجه الأطراف نحو تمديد وقف إطلاق النار مع بلورة اتفاق إطار محدود، يركز على خفض التوتر وضمان أمن الملاحة مقابل تخفيف تدريجي للعقوبات. هذا السيناريو لا ينهي الأزمة، لكنه يفتح الباب أمام مفاوضات أطول، مع بقاء احتمالات التصعيد قائمة إذا تعثرت الثقة أو عادت الضغوط العسكرية.
شرط التحقق: يتطلب نجاح المسار التفاوضي تحقق شرطين أساسيين: أولًا، التزام متبادل بوقف الإجراءات التصعيدية، خاصة في مضيق هرمز؛ وثانيًا، تقديم ضمانات عملية لبناء الثقة، مثل رفع الحصار مقابل خطوات إيرانية ملموسة في الملف النووي.
فرص التحقق: ترتبط فرص النجاح بوجود إرادة سياسية حقيقية لدى الطرفين، مدفوعة بضغوط داخلية وخشية من كلفة الحرب، إلى جانب فاعلية الوساطة الباكستانية في تقريب المواقف وتقديم حلول مرحلية قابلة للتطبيق.
سيناريو جمود طويل الأمد:
يتجه المشهد نحو جمود طويل الأمد، حيث تستمر المفاوضات بشكل متقطع دون تحقيق اختراق حقيقي، بالتوازي مع توترات ميدانية محدودة تُستخدم كأدوات ضغط. يبقى وقف إطلاق النار هشًا وقابلًا للتمديد، فيما تسعى الأطراف إلى إدارة الأزمة بدل حلها، مع ترقب دائم لاحتمال التحول نحو تصعيد إذا اختلت موازين الردع أو تصاعدت الحسابات الإقليمية.
شرط التحقق: استمرار الحد الأدنى من قنوات الاتصال الدبلوماسية دون انهيار كامل، مع التزام غير معلن بعدم التصعيد الشامل رغم الخروقات المحدودة.
فرص التحقق: مرتفعة نسبيًا، نظرًا لعمق فجوة الثقة بين الطرفين، ورغبة كل منهما في كسب الوقت وتحسين موقعه التفاوضي دون الانخراط في حرب مفتوحة.
سيناريو انهيار وتصعيد:
ينزلق الوضع نحو تصعيد عسكري واسع بعد انهيار الوساطة، مع عودة الضربات المباشرة وتوسع رقعة الاشتباك إقليميًا، خاصة مع انخراط أطراف أخرى بشكل مباشر. تتأثر الملاحة في مضيق هرمز وترتفع أسعار الطاقة عالميًا، فيما تتراجع فرص التفاوض لصالح منطق القوة، ما يهدد بمرحلة أكثر خطورة وعدم استقرار طويل الأمد.
شرط التحقق: فشل قنوات التفاوض بشكل كامل، مع تصاعد الخروقات العسكرية وغياب أي التزام بوقف إطلاق النار، إضافة إلى تمسك كل طرف بشروطه القصوى دون تقديم تنازلات.
فرص التحقق: متوسطة، لكنها تبقى قائمة في ظل ارتفاع مستوى التوتر، وتداخل حسابات أطراف إقليمية، واحتمال سوء التقدير أو الانزلاق غير المقصود نحو المواجهة.
هل تنجح باكستان؟
الإجابة الواقعية هي أن إسلام آباد قد تنجح في إدارة الأزمة لكنها لن تتمكن من حلها بالكامل. فالأزمة الأميركية - الإيرانية ليست وليدة اللحظة، بل تراكمت على مدى عقود، وتشمل ملفات معقدة تتجاوز قدرة أي وسيط منفرد. ومع ذلك، فإن قيمة الدور الباكستاني تكمن في منع الانفجار الكبير، عبر خلق مساحات للحوار، وتقديم حلول مرحلية تحفظ ماء وجه الأطراف. فالدبلوماسية في مثل هذه الحالات لا تهدف إلى إنهاء الصراع دفعة واحدة، بل إلى تقليل كلفته ومنع تحوله إلى حرب شاملة.
في نهاية المطاف، تبدو إسلام آباد وكأنها تمسك بخيط رفيع بين الحرب والسلام. نجاحها لن يُقاس بتوقيع اتفاق تاريخي، بل بقدرتها على إبقاء هذا الخيط حيًا. وفي عالم تتزايد فيه الأزمات المركبة، قد يكون هذا الإنجاز بحد ذاته كافيًا لتأكيد أن الدبلوماسية، رغم كل التحديات، لا تزال قادرة على تأجيل الحروب… إن لم تكن قادرة على إنهائها.