ما بعد العاصفة.. إعادة تشكل خطرة تحتم التحرك*محمود خطاطبة
الغد
حتى لو وضعت الحرب التي تقودها الولايات المُتحدة الأميركية والكيان الصهيوني، أوزارها قريبًا، وسقط النظام الإيراني، كما هو مُتوقع، فإن هذا لن يُمثل نهاية التحديات التي تُخيم على المنطقة، بل قد تكون البداية لمرحلة أكثر تعقيدًا.
وبعيدًا عن فجوات السلطة والفراغ الأمني التي ستظهر بسرعة، وتستغلها قوى إقليمية ودولية، يقف رئيس وزراء صهيوني مُتطرف ومهووس بالتوسع، بينما تتوالى التصريحات التوراتية الأميركية المُتطرفة، آخرها للسفير مايك هكابي، حول «حق إسرائيل في التوسع».. وهي كلمات مهما حاولت إدارة الرئيس دونالد ترامب التخفيف من وقعها أو الادعاء بإخراجها عن سياقها، لكنها في الواقع تُشكل قنابل سياسية تُهدد استقرار المنطقة برمتها.
يُقدم التاريخ لنا دروسًا مؤلمة، لكنها واضحة، فالعراق بعد احتلاله العام 2003، ومن ثم إعدام رئيسه صدام حسين، أظهر كيف يتحول الفراغ الأمني والسياسي إلى فوضى عارمة على شكل مليشيات ومؤسسات تنهار، ودولة تتحول إلى ساحة نزاع داخلي مفتوح على النفوذ الإقليمي والدولي.. وينطبق السيناريو نفسه على سورية منذ العام 2011، إذ كُرست نفس الصورة حين فقدت الدولة سلطتها المركزية، وانهار الاقتصاد المحلي، واستغلت القوى الخارجية الصراع لمصالحها الخاصة، ودفعت بموجات لجوء جماعي هائل، كان للأردن نصيب الأسد منها.
هذه التجارب تُثبت أن سقوط أي نظام سياسي أو تصعيد عسكري، لا يعني نهاية الأزمة، بل بداية مرحلة أطول وأعقد، تكشف هشاشة المُجتمعات والدول أمام الصدمات الخارجية.. وفي هذا الواقع الضبابي لا يكفي أن نكون في موقع رد الفعل على الأحداث، بل في قصب السبق في إدارة الأزمات، التي تتطلب رؤية إستراتيجية طويلة المدى، تجعل الإنسان محورها، وتربط بين الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والأمن الوطني.
وهُنا، يبرز الأردن تحت قيادة جلالة الملك عبدالله الثاني كنموذج نادر في المنطقة، فاستقرار وطننا وتجربته الطويلة في مواجهة موجات اللجوء، وأزمات الطاقة والاقتصاد، يعكس حكمة القيادة ومرونة المؤسسات.. هذه المرونة ليست صُدفة، بل نتاج تراكم خبرات على مدار عقود، وقدرة على ربط السياسات الداخلية بالتوازنات الإقليمية والدولية.
وتبقى الدعوة إلى قمة عربية عاجلة، لمواجهة التحديات الإقليمية، ضرورة إستراتيجية لتعزيز التضامن العربي، ووضع أُطر عملية للتصدي للصدمات، وحماية المُجتمعات، من تداعيات خروج المشهد عن السيطرة، كما شهدناه في العراق وسورية، خصوصًا أن الاستقرار الداخلي لأي دولة في هذا الجوار المُضطرب، لا يُقاس بالقوة أحيانًا، بل بالقُدرة على الصمود، وبناء مُجتمع مُتماسك، واقتصاد مُقاوم واحتياط مالي وطاقوي.. وهذا يحتاج إلى إعادة اللحمة العربية كخط دفاع لمواجهة أخطار الداخل والخارج.
مُجمل الحديث، أن الأردن أكبر من مجرد دولة تواجه تحدياتها الداخلية، بل ركيزة محورية في أي مسعى عربي للتكامل، فاستقرار الأردن لا يحمي حدوده فقط، بل يوفر قاعدة صلبة يُمكن للدول العربية الأُخرى البناء عليها لإدارة الأزمات المُشتركة، كما أن خبرته الطويلة في مواجهة موجات اللجوء، وإدارة الموارد المحدودة، وتنسيق الجهود الإنسانية والاقتصادية، تجعله نموذجًا عمليًا للقيادة الإستراتيجية في بيئة إقليمية مُضطربة.
فالقاصي والداني يعرف أن الدولة الأردنية أثبتت أن بناء قُدرات داخلية متينة، وربطها بالجهود الإقليمية، يجعلها منصة لإطلاق مُبادرات عربية مُشتركة، ليست مجرد على شكل تحركات دبلوماسية- على أهميتها في مسارات مُراكمة العمل- بل شبكات حماية إقليمية، وخطط طوارئ، وبرامج تعاون اقتصادي واجتماعي.. والأردن مُرشح بقوة ليقود هذا التكامل عبر تبادل المعلومات الاستخباراتية، والتدريب المُشترك للقوى المدنية والأمنية، وربط المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية بالدول الأخُرى لتعزيز قُدرة المنطقة على الصمود.
هذه المرونة، والتحرك الاستباقي، يعكسان حكمة القيادة الأردنية، ويجعلان المملكة شريكًا أساسيًا في أي مشروع عربي، يهدف إلى الاستقرار والصمود والتنمية المُستدامة.
نعم، الأردن بقدراته وتجربته يوضح أن الدولة يُمكن أن تكون مُحركًا للتكامل العربي، يجمع بين السيادة الوطنية والمسؤولية الإقليمية، ويخلق نموذجًا قابلًا للتكرار.
أيها السادة، حين تكون المملكة قادرة على الصمود، وإدارة الأزمات، وقيادة المُبادرات العربية، فإن ذلك يُعزز قُدرة الجوار كُله على مواجهة الصدمات، ويحول أي تهديد خارجي إلى فُرصة لتعزيز التضامن الإقليمي.. وفي هذا الإطار يُصبح التكامل العربي إستراتيجية بقاء لا مجرد خيار، حيث تُصبح كُل دولة جُزءا من شبكة أمان مُشتركة، قادرة على حماية مصالح شعوبها، وتخفيف تداعيات أي أزمة قبل أن تتحول إلى كارثة.