عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    09-Mar-2026

بين النشر والمسؤولية.. كيف نتعامل مع المعلومة في زمن الأزمات؟

 الغد-ديمة محبوبة

مع لحظات الخوف والتوتر وفي أوقات الأزمات والحروب، تتغير وظيفة المعلومة؛ فلم تعد مجرد خبر يتم تداوله، أو صورة تنشر، أو فيديو يجذب الانتباه لبضع دقائق.
 
 
المعلومة في هذه اللحظات تكون عنصر أمان أو مصدر خطر، وبين هذين الحدين يقف ملايين المستخدمين على منصات التواصل الاجتماعي، يحمل كل منهم هاتفا قادرا على النشر الفوري، وأثرا قد يتجاوز ما يتخيله.
السوشال ميديا اليوم لم تعد مساحة خاصة للتعبير عن الرأي فقط، أو مساحة لألبوم صور رقمي بدلا من الورقي، بل أصبحت ساحة عامة يتشكل فيها الوعي والقلق والطمأنينة في الوقت نفسه.
وفي أوقات التوتر أو الأحداث الأمنية أو الحروب، يمكن لمنشور واحد غير دقيق أو صورة التقطت في لحظة اندفاع أن تتحول إلى مادة لإشاعة، أو مصدر ذعر، أو حتى معلومة قد تُستغل ضد أمن المجتمع.
تداول المعلومة قبل التحقق منها
ورغم أن كثيرين ينشرون بدافع حسن النية، ظنا منهم أنهم يحذرون الآخرين عبر النشر، أو ينقلون ما يشاهدونه، أو يشاركون في الحديث العام، إلا أن المشكلة تبدأ حين تتقدم الرغبة في التفاعل والمشاهدة على التفكير في العواقب، خصوصا في زمن الخوارزميات، حيث تقاس القيمة بعدد المشاهدات والإعجابات، قد ينسى البعض أن ما يبدو "محتوى جذابا" قد يكون في لحظة حساسة معلومة لا يجب نشرها.
اختصاصيون يشيرون إلى أن أخطر ما في أوقات الأزمات هو سرعة تداول المعلومة قبل التحقق منها؛ فالصورة القديمة قد تعود للحياة وتقدم على أنها حدث جديد، والفيديو المقتطع من سياقه قد يصنع قصة كاملة غير حقيقية، ومع كل مشاركة جديدة، تكبر الرواية حتى تصبح "حقيقة" في نظر كثيرين.
النشر المسؤول في أوقات الأزمات
أستاذة الإعلام الرقمي والمدربة في مجال الدراية الإعلامية الدكتورة بيان القضاة، تبين أنه في ظل التحول الرقمي أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي مصدرا رئيسيا للمعلومات بالنسبة للكثيرين، لكن هذا التحول جعل كل مستخدم في الوقت ذاته ناشرا ومؤثرا في تشكيل الرأي العام أو ما يطلق عليه "المواطن الصحفي"، لذلك تبرز أهمية الالتزام بمبدأ النشر المسؤول، لا سيما في أوقات الأزمات والحروب، حيث تنتشر المعلومات بسرعة كبيرة، وقد تؤدي الأخبار الكاذبة والمضللة أو الصور والمقاطع المفبركة وغير الموثقة إلى إثارة الهلع والخوف وتضليل الجمهور.
وتؤكد القضاة أنه في مثل هذه الظروف، لا ينبغي أن تكون نسب المشاهدة أو التفاعل الدافع الأساسي للنشر، لأن الأولوية يجب أن تكون دائما لأمن المجتمع وسلامة المواطنين، فنشر معلومات مضللة وكاذبة أو صور ومقاطع مزيفة قد يكشف مواقع أمنية حساسة أو تفاصيل ميدانية، وهذا يعرض الأمن المجتمعي لمخاطر حقيقية حتى لو تم النشر "بحسن نية".
التمييز بين الخبر الموثوق والمحتوى المضلل
وتلفت القضاة إلى أن ما سبق يجعل الدراية الإعلامية والمعلوماتية مهارة أساسية لكل مستخدم للفضاء الرقمي، وليست مقتصرة على الصحفيين أو العاملين في الإعلام، فهي تمكن الأفراد من تقييم مصداقية المعلومات، وفهم سياقها، والتمييز بين الخبر الموثوق والمحتوى المضلل أو المقتطع من سياقه.
وتوضح أن المستخدم الواعي رقميا هو من يتوقف لحظة قبل النشر أو المشاركة، ليسأل نفسه "ما مصدر هذه المعلومة؟ وهل هي دقيقة؟ وما الأثر المحتمل لنشرها؟"، لأن المسؤولية في البيئة الرقمية أو الفضاء الرقمي لم تعد مسؤولية المؤسسات الإعلامية وحدها، بل أصبحت مسؤولية مشتركة بين المؤسسات والجمهور على حد سواء.
وتشدد على أن تعزيز ثقافة الدراية الإعلامية في المجتمع يسهم في الحد من انتشار الإشاعات والمعلومات المضللة، خصوصا في الفترات الحساسة، ويساعد الأفراد على التعامل مع المحتوى الرقمي بوعي ومسؤولية بما يحافظ على استقرار المجتمع ويعزز الثقة بالمعلومات المتداولة.
النشر الواعي موقف وطني
ويتفق اختصاصي علم الاجتماع الدكتور حسين خزاعي مع الدكتورة بيان، ويقول "في أوقات الأزمات، يصبح الصمت أحيانا موقفا مسؤولا، تماما كما يكون النشر الواعي موقفا وطنيا"، مبينا أنه ليس من الضروري نشر كل ما نراه أو التعليق عليه، إذ إن هناك فرقا بين نقل المعلومة المفيدة ونشر تفاصيل يمكن أن تثير الخوف أو تكشف ما يجب أن يبقى بعيدا عن التداول.
ويؤكد أن احترام الخصوصية يصبح أكثر أهمية في هذه الظروف، فمثلا "صور الضحايا أو المصابين، مشاهد الألم أو الخسارة، قد تتحول على الشاشات إلى محتوى سريع التداول، لكنها في الواقع حياة أشخاص وعائلات تمر بلحظات قاسية، فالإنسانية تسبق السبق الصحفي، والكرامة أهم من الانتشار"، وفق خزاعي.
منشورات تفتح بابا للإشاعات والخوف
ويبين أن الأمن المجتمعي في زمن السوشال ميديا لم يعد مسؤولية المؤسسات وحدها، فالمستخدم العادي أصبح جزءا من منظومة الحماية أو الإرباك، بحسب ما يختاره أن ينشره، وأن منشورا واحدا مسؤولا قد يهدئ القلق ويعيد الأمور إلى سياقها الصحيح، بينما قد يفتح منشور آخر متسرع بابا للإشاعات والخوف.
ويشدد خزاعي على فكرة أن الوعي الرقمي لا يقاس بكمية ما ننشره، بل بالقدرة على التمييز بين ما يجب نشره وما يجب التوقف عنده، وفي لحظات التوتر، ربما تكون أهم مساهمة يقدمها المستخدم هي أن يتذكر أن الوطن والمجتمع أكبر من أي رقم في عداد المشاهدات.
أما من الجانب النفسي، فتشير المرشدة النفسية والتربوية رائدة الكيلاني إلى أن تدفق المعلومات غير الدقيقة في أوقات الأزمات يمكن أن يضاعف القلق الجماعي.
المسؤولية تقع على عاتق كل مستخدم
وتقول الكيلاني "إن الإنسان في الظروف غير المستقرة يكون أكثر قابلية لتصديق الأخبار المثيرة أو المخيفة، لأن الدماغ يبحث عن تفسير سريع لما يحدث". وتوضح أن تكرار مشاهدة الصور أو الفيديوهات الصادمة على الشاشات قد يترك أثرا نفسيا عميقا، خصوصا لدى الأطفال والمراهقين. وتضيف الكيلاني أن مشاركة هذا النوع من المحتوى من دون وعي قد تخلق حالة من التوتر المستمر داخل البيوت، فالقلق ينتقل عبر الشاشات بسهولة، وكل مشاركة جديدة تعني جرعة إضافية من الخوف لدى المتابعين.
وتوضح أنه في ظل هذا الواقع، فإن المسؤولية هنا لا تقع على الإعلام فقط، بل على كل مستخدم، فكل حساب على منصة اجتماعية هو اليوم أشبه بمنبر صغير وله أثر كبير، وما ينشر عليه قد يصل خلال دقائق إلى مئات أو آلاف الأشخاص.
وتتفق مع مقولة الخزاعي بأنه "في أوقات الأزمات، يصبح الصمت أحيانا موقفا مسؤولا، تماما كما يكون النشر الواعي موقفا وطنيا، وليس كل ما نراه يجب أن ينشر، وليس كل ما يصلنا يجب أن يعاد تداوله".