عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    24-Mar-2026

صوت هند الذي يرعبهم*د.عاصم منصور

 الغد

عاد الجدل ليثور مجدداً حول فيلم «صوت هند رجب» وذلك بعد منع بطل الفيلم الممثل الفلسطيني؛ معتز ملحيس من السفر إلى الولايات المتحدة لحضور حفل توزيع جوائز الأوسكار، ومن ثم منع عرض الفيلم في الهند التي تعتبر الحليفة الأقرب لدولة الاحتلال بعد الولايات المتحدة.
 
 
فما الذي يخيف دولة الاحتلال وحلفاءها من فيلم صنع بأدوات بسيطة وميزانية بائسة؟
قد يكون استشهاد طفلة في وسط آلاف الشهداء في غزة حدثا عاديا في لغة الأرقام الجافة التي نتابعها يوميًا على نشرات الأخبار، لكن قصة هند رجب لم تكن مجرد رقم يضاف إلى القائمة؛ بل كانت بمثابة الزلزال الذي عرّى عجز الضمير العالمي وهشاشة القوانين الدولية أمام صرخة طفولة محاصرة!
لقد جاء الفيلم ليوثق اللحظة الفارقة في حياة طفلة فلسطينية محاصرة بالموت والعجز، محولاً هذه المأساة من خبر عابر على أشرطة الفضائيات الإخبارية إلى وثيقة سمعية وبصرية وإنسانية مؤثرة. يتناول الفيلم الساعات الاثنتي عشرة التي قضتها هند، ابنة الست سنوات، وحيدة داخل سيارة محاطة بجثامين عائلتها ودبابات الاحتلال في مدينة غزة، وتركز مخرجة الفيلم التونسية كوثر بن هنية في بناء السرد على «الصوت» كعنصر درامي أساسي، مستخدمة التسجيلات الحقيقية لمكالمة هند مع الهلال الأحمر الفلسطيني؛ هذا الاختيار الفني جعل المشاهد لا يكتفي بالمشاهدة، بل أن يعيش حالة الرعب والوحدة التي عاشتها الطفلة وهي تردد بكلمات بريئة ومفجعة: «تعالوا خدوني.. أنا خايفة!»
ولم تقتصر مأساة هند على حصار الدبابات، بل امتدت لتشمل حصاراً من نوع آخر استهدف الفيلم نفسه؛ حيث واجه العمل محاولات إسرائيلية حثيثة للتغييب والمحاصرة الرقمية والثقافية. فقد سعت الماكينة الإعلامية والدبلوماسية الإسرائيلية الضليعة في التضليل إلى التشكيك في الرواية التي يقدمها الفيلم، وممارسة ضغوطات على بعض المهرجانات والمنصات الدولية لمنع عرضه والحد من وصوله للجمهور العالمي، بذريعة «التحريض». هذا الحصار يعكس الخوف الذي يعتري الاحتلال من قوة الصورة والكلمة التي توثق الجريمة بالدليل القاطع، وتكشف زيف الرواية التي تحاول طمس معالم الإبادة الجماعية في غزة، مما جعل من عرض الفيلم في المحافل الدولية معركة بحد ذاتها لإيصال  الحقيقة.
فنياً نجح الفيلم في مزج الواقعية الوثائقية بالرؤية السينمائية الشاعرية، فبينما كانت الكاميرا تنقل قسوة المشهد في شوارع غزة المدمرة، كانت الزوايا التصويرية تحاول تجسيد عالم هند الداخلي؛ ذلك العالم الذي انكمش ليصبح مجرد مقعد سيارة ضيق محاصر بالموت من كل جانب. فالفيلم لا يكتفي بعرض المأساة، بل يطرح تساؤلات أخلاقية عميقة حول صمت المجتمع الدولي وعجز المؤسسات الإنسانية عن الوصول إلى طفلة لم تكن تبعد عنهم سوى أمتار قليلة، لكنها كانت تفصلها عن النجاة حالة عجز وفجوة أخلاقية عالمية هائلة.
لقد جاء «صوت هند رجب» ليثبت لنا أن السينما قادرة على استعادة الأصوات التي حاول الرصاص إسكاتها، وأن «صوت هند» سيبقى يتردد في الوجدان العالمي، مذكراً الجميع بأن خلف كل رقم في غزة قصة حياة، وأحلام، وصوت كان يرنو إلى الحياة ما استطاع إليها سبيلا.