"الحكاية الشعبية في الزرقاء".. توثيق لذاكرة شفوية وتراث حضاري
الغد-عزيزة علي
أعادت وزارة الثقافة الأردنية طباعة كتاب "الحكاية الشعبية في الأردن، الزرقاء"، ضمن فعاليات الدورة التاسعة عشرة من برنامج "مكتبة الأسرة الأردنية – القراءة للجميع"، الذي يعتبر من أهم مبادرات الوزارة لتعزيز الثقافة وتشجيع القراءة في المجتمع الأردني.
ويعد الكتاب، الذي أعده الدكتور محمد وهيب بمشاركة عدد من الباحثين، وهم: "الدكتور عبد العزيز محمود هويدي، عدنان عصفور، عمار الشعلان، أشرف عليمات، فاطمة جلبوش، والآنسة هبة خير". إضافة نوعية لسلسلة توثيق التراث اللامادي في المملكة.
يركز الكتاب على جمع وتوثيق الحكايات الشعبية المتنوعة في محافظة الزرقاء – من الحكايات التاريخية والأمثال والألغاز إلى الشعر والنوادر-انطلاقًا من قيمتها الثقافية والاجتماعية لدى سكان تلك المناطق منذ نشأتها حتى الوقت الحاضر. ويُبرز العمل الجهد الميداني الذي قام به فريق البحث في أحياء وقرى المحافظة، إضافة إلى أهمية صون التراث الشفوي من مخاطر الاندثار ونقله إلى الأجيال القادمة.
ومن الجدير بالذكر، أن الكتاب المعنون بـ"الحكاية الشعبية في محافظة الزرقاء"، يأتي كمحاولة جادة لتوثيق التراث غير المادي في محافظة الزرقاء وإصداره ضمن سلسلة من الكتب الثقافية التي تتناول مختلف جوانب التراث الشفهي والأدبي في المجتمع المحلي. ويعد هذا التراث جزءًا مهمًا من الثقافة المحلية في المحافظة.
قسم الكتاب إلى خمسة فصول تغطي موضوعات مختلفة في التراث الشعبي في الزرقاء، يركز على توثيق الحكاية الشعبية، التي تعد جزءًا أساسيًا من الأدب الشفهي، وتشكل مورداً معرفيًا مهما لفهم الجوانب الاجتماعية والثقافية لدى الأفراد والمجتمعات في المحافظة.
يقدم الفصل الأول لمحة تاريخية عن محافظة الزرقاء عبر رحلة الزمن، بدءًا من العصور القديمة وصولًا إلى وقتنا الحاضر. بينما يتناول الفصل الثاني، الحكاية التاريخية التي تعالج حادثة مقتل عتيبة بن أبي لهب في محافظة الزرقاء. وركز الفصل الثالث على الإطار النظري للثقافة الشفهية، فقسم إلى أربعة أبواب: الباب الأول يعالج حكايات الإنسان والحكمة، والباب الثاني يتناول حكايات الإنسان والعمل، والثالث يتناول الإنسان والقدر والخرافات. أما الباب الرابع، فيتناول حكايات الإنسان والحيوان.
وجاء الفصل الرابع بعنوان "الآداب الشعبية"، وقسم إلى أربعة أبواب أيضًا: الباب الأول يتناول الأمثال الشعبية والألغاز، الباب الثاني يتناول الشعر والغناء الشعبي، والباب الثالث بعنوان "الملح والنوادر والطرف"، والباب الرابع بعنوان "المذكرات الشخصية حول المكان".
فيما، يتناول الفصل الخامس الخاتمة التي توصل إليها فريق العمل، فقد أكدوا أهمية توثيق التراث غير المادي في محافظة الزرقاء، إذ تعد هذه المحافظة إحدى كبريات محافظات المملكة الأردنية الهاشمية، لما تمتلكه من تنوع في مضامين التراث الشعبي ودور بارز في ثقافة الأفراد والمجتمعات المحلية.
وقد أبرز هذا الفصل القيمة المعرفية والأثر الثقافي للحكاية الشعبية في المجتمع الزرقاوي، ودورها في إبراز الهوية والذاكرة الجماعية للسكان. كما اشتمل الفصل على قائمة المصادر والمراجع التي استند إليها الباحثون أثناء إجراء المقابلات وجمع المادة الوثائقية، الأمر الذي يظهر عمق البحث ومصداقيته في توثيق التراث اللامادي بالمحافظة.
كتب نائب رئيس الجامعة الهاشمية، الدكتور حمود عليمات، مقدمة للكتاب الذي طبع للمرة الأولى ضمن سلسلة توثيق التراث اللامادي الأردني. يشير في مقدمته، إلى أن توثيق الحكاية الشعبية في محافظة الزرقاء يمثل خطوة مهمة نحو حماية التراث اللامادي في إحدى كبريات محافظات المملكة الأردنية الهاشمية، التي تمتاز بتراث حضاري عريق منذ فجر التاريخ.
وأكد عليمات أن الجامعة الهاشمية، في إطار واجبها الوطني بالاهتمام بالإرث الحضاري، قامت بنشاطات عدة، منها عقد الندوات وورش العمل والمؤتمرات بالتعاون والتشارك مع المؤسسات الثقافية والاجتماعية في المحافظة، إضافة إلى إجراء دراسات وأبحاث علمية تهدف إلى توثيق المباني التاريخية والبيوت التراثية، ومحاورة أصحاب الخبرة والاختصاص، من خلال المؤتمر السنوي الذي تعقده تحت عنوان "دارات أردنية".
وأوضح عليمات أن الجامعة تقدمت خطوة إضافية بالتعاون مع وزارة الثقافة، بمناسبة اختيار الزرقاء مدينة الثقافة للعام 2010 للاهتمام بالتراث اللامادي وتوثيقه، وتسهيل مهمة الباحثين، وتقديم كل أشكال الدعم- المباشر وغير المباشر- لهم، حيث تكون النتيجة النهائية إنجازًا فريدًا ومتميزًا.
وأشار كذلك، إلى أن الحكاية الشعبية في الزرقاء ما هي إلا خلاصة تجربة التنوع العرقي والاجتماعي الذي عاش بانسجام وتوافق منذ تأسيس المملكة الأردنية الهاشمية، وأن هذا العمل يمثل مساهمة علمية وثقافية في إبراز مكونات الهوية الوطنية المحلية.
وأشار عليمات، إلى أن فريق العمل تنقل في أرجاء محافظة الزرقاء من بيت إلى بيت، ومن حي إلى حي، وفي القرى والمزارع بحثا عن الحكاية بأنواعها، وخاصة الحكاية التاريخية، وذلك لتوثيق الثقافة الشفوية وتنوع إنتاجها من حكايات الإنسان والحكمة، إلى حكايات الإنسان والعمل، والقدر والخرافات، والحيوان، إضافة إلى الأمثال الشعبية والألغاز، والشعر والغناء الشعبي، والمذكرات الشخصية.
وأكد عليمات أن الحكاية الشعبية تشكل جزءًا مهمًا من الأدب الشعبي ومصدرًا أساسيًا لدراسته، فهي نتاج فكري غير مدون يساهم في تشكيل شخصية أفراد المجتمع والتأثير في سلوكهم. وقد أخذت الجامعة الهاشمية على عاتقها تدوين هذا التراث الشفوي وحفظه، ثم تدريسه ونقله إلى الأجيال القادمة، لتظل ذاكرة الجماعة حافظة لهويتها الثقافية.
تشير خاتمة الكتاب، إلى أنه من خلال إعداد هذا العمل تتضح الأهمية البالغة لجمع التراث اللامادي في المملكة الأردنية الهاشمية، وخاصة في محافظة الزرقاء، التي تعد من كبريات المحافظات في البلاد، لما تمتلكه من تنوع ثقافي وتراثي غني يعود إلى أزمنة طويلة. وقد ركز البحث على الزرقاء التي تضم سبع بلديات هي: "بلدية الزرقاء القصبة، بلدية بيرين، بلدية الرصيفة، بلدية حلابات، بلدية الظليل، بلدية الهاشمية وبلدية الأزرق".
وشمل البحث تفصيلا للحكاية الشعبية لدى سكان هذه المناطق منذ نشأتها حتى الوقت الحاضر. ويظهر العمل كيف تطورت الحكاية الشعبية وفقًا لأنماط الاستقرار الاجتماعي والثقافي في المحافظة، مما يعكس ثراء المشهد التراثي الشفهي في هذه المنطقة وتأثيره في تكوين الوعي الجماعي.
ويذكر في الخاتمة أن ما جمع من حكايات وأمثال وألغاز ونوادر وشعر، يعكس الوضع الثقافي الذي كان سائداً في محافظة الزرقاء، ويبين مدى غنى التراث الشفوي باعتباره نتاجًا فكريًا غير مدون يشكل جزءًا أساسيًا من الذاكرة الجماعية للمجتمع المحلي.
وكان للجهد الميداني النصيب الأكبر في الإنجاز، فقد تنقل فريق العمل في جميع أرجاء المحافظة من بيت إلى بيت، ومن حي إلى حي، وفي القرى والمزارع بحثًا عن الحكاية بأنواعها، وخاصة الحكايات التاريخية، كما تمت الاستعانة بالمصادر التاريخية والمراجع المتوفرة والمكتبات المتخصصة في مجال التراث، لضبط الروايات وتنسيق محتوياتها، بما يتناسب مع أهميتها ومضمونها.
وتم تقديم المواد بأسلوب بسيط وواضح يتيح للقارئ الاستفادة منها في المدارس والجامعات ومراكز الأبحاث والدراسات، ويعكس الحقيقة الكاملة لثقافة التراث الشفوي الذي يواجه خطر الاندثار والزوال، بوفاة كبار السن من الآباء والأجداد.
وتبرز الحاجة الماسة إلى الاستمرار في توثيق التراث الشفوي وأن يكون هناك مركز متخصص في هذا المجال يتواصل مع مراكز أخرى في مختلف محافظات المملكة، حيث تكون عمليات التوثيق منسجمة ومتوافقة، ويصان التراث اللامادي الذي يعد امتدادًا للإرث الحضاري في البلدان المجاورة. وكان التنوع في الحكايات الشعبية يعكس التنوع السكاني في محافظة الزرقاء، الذي شكل في نهاية المطاف مزيجًا اجتماعيًا متناغمًا بقيادة سياسية وقيادية ملهمة، جعلت من هذا النسيج نموذجًا يحتذى به في المنطقة العربية.