بيرنهام يتراجع لمصلحة ترامب.. خلسة وبلا ضجيج
الغد
جون رينتول* - (الإندبندنت) 2026/7/31
يواجه أندي بيرنهام اختبارًا مبكرًا في رئاسة الوزراء بعدما سمح للقوات الأميركية باستخدام قواعد سلاح الجو البريطاني لقصف إيران، في خطوة تتعارض مع اتجاهات الرأي العام البريطاني، وتمثل تراجعا عن الحذر الذي أبداه طويلا، ولا سيما عندما كان وزيرًا للخارجية، تجاه الانخراط في التدخلات العسكرية. ويكشف هذا القرار بوضوح المأزق الذي يواجهه في إدارة علاقته بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، إذ يسعى إلى الحفاظ على التعاون مع واشنطن تحت مظلة الدفاع، من دون الانجرار إلى حرب أوسع قد تهدد تماسك ائتلافه اليساري الوسطي.
***
في واحد من أول قراراته بعد توليه رئاسة الوزراء، وافق رئيس الوزراء البريطاني أندي بيرنهام على استخدام الأميركيين القواعد البريطانية لشن ضربات على إيران. وبذلك واصل بيرنهام سياسة كير ستارمر التي سمحت باستخدام هذه القواعد في ما تسميه الحكومة البريطانية عمليات "دفاعية" في الشرق الأوسط -حتى بعد تصعيد دونالد ترامب العمل العسكري.
وهو في الحقيقة هذا قرار مهم، لكنه مرّ إلى حد ما من دون أن يلاحظه أحد وسط الحماسة التي رافقت تشكيل الحكومة الجديدة. وقد انصبت معظم التعليقات، حتى الآن، على تهديد النظام الإيراني باستهداف "قاعدة فيرفورد" التابعة لـ"سلاح الجو الملكي البريطاني"، وعلى مدى قدرة طهران على تنفيذ ضربة تصل إلى هذا المدى، فيما حظي القرار البريطاني الذي استدعى هذا التهديد باهتمام أقل.
تبرز أهمية قرار بيرنهام، الذي يُفترض أنه اتخذه بالتشاور مع وزير خارجيته، إد ميليباند، في أنه يتعارض بوضوح مع اتجاهات الرأي العام. فقد أظهر استطلاع أجرته مؤسسة "يوغوف" الأربعاء أن 58 في المئة من البريطانيين يعارضون السماح للأميركيين باستخدام القواعد البريطانية، في مقابل 26 في المائة فقط يؤيدون ذلك.
وقد صيغ سؤال الاستطلاع بدقة، وإن كانت بعض الإجابات قد تأثرت بلا شك بالرفض العام للرئيس ترامب، أو لأي تدخل عسكري في الخارج. وقد تناول السؤال تحديداً منح الأميركيين الإذن "بشن هجمات على قواعد الصواريخ في إيران" -وهو الأساس الذي استند إليه ريتشارد هيرمر، المدعي العام السابق، في اعتبار الضربات "دفاعية"، ومتوافقة مع القانون الدولي. ويُفترض أن المدعية العامة الجديدة، إيلي ريفز، تتبنى الرأي نفسه.
قد يرى البعض، وربما كان ستارمر وهيرمر وبيرنهام وميليباند في مراحل سابقة من مسيرتهم السياسية من بين هؤلاء، أن تصعيد ترامب الضربات منذ انهيار وقف إطلاق النار قبل أسبوعين يتعارض مع القانون الدولي.
لكن ثمة في المقابل حجة معقولة مفادها أن الصواريخ الإيرانية تهدد الحلفاء في الخليج وحركة الملاحة الدولية، وأن تدمير منصات إطلاقها يعد، بناء على ذلك، عملاً دفاعياً. ويسهم تهديد "الحرس الثوري" الإيراني باستهداف "قاعدة فيرفورد" في تعزيز هذه الحجة.
غير أن المفاجئ هو أن يتبنى هذه الحجة بيرنهام، "الشعبوي اليساري"، وميليباند، الذي أحبط حين كان زعيماً للمعارضة، خطة باراك أوباما لشن ضربات على بشار الأسد في سورية في العام 2013.
كثيراً ما سعى ميليباند إلى النأي بنفسه عما يراه خضوع حزب العمال الجديد للولايات المتحدة. فقد عارض حرب العراق. وبعد 10 أعوام رفض تأييد الضربات التي اقترحها ديفيد كاميرون لمعاقبة الأسد على استخدام الأسلحة الكيماوية. وخسر الاقتراح التصويت في "مجلس العموم"، فتخلت الإدارة الأميركية نتيجة لذلك عن خطتها لفرض "الخط الأحمر" الذي رسمه أوباما.
ومن جهته، صوّت بيرنهام لمصلحة المشاركة في غزو العراق، لكنه أعرب لاحقاً عن ندمه، وكتب في "اتجه شمالاً" Head North، وهو كتاب يجمع بين المذكرات والبيان السياسي، صدر في العام 2024: "لقد تعلمت درساً مؤلماً من هذه التجربة، وفي الأعوام التالية أصبحت أميل إلى التصويت ضد اللجوء إلى العمل العسكري كلما عُرضت مثل هذه القرارات على مجلس العموم".
مع ذلك، ها هو الآن، بصفته رئيساً للوزراء، يأذن بعمل عسكري في صراع حذّر في بدايته من أن له "أوجه شبه" بحرب العراق. وقد أيّد رفض كير ستارمر السماح للأميركيين باستخدام القواعد البريطانية في الضربات الأولى، لكنه أيد أيضاً تراجع ستارمر عن ذلك الموقف فور إطلاق إيران صواريخها وإغلاقها مضيق هرمز رداً على الهجمات.
وما يزال هذا الموقف قائمًا حتى الآن، وقد كرره متحدث باسم الحكومة أمس حين قال: "لم تتغير مقاربة المملكة المتحدة إزاء الصراع؛ نحن ملتزمون بالدفاع عن شعبنا ومصالحنا وحلفائنا، والعمل وفقاً للقانون الدولي، وعدم الانجرار إلى الصراع الأوسع".
لكن العبارة الأخيرة محيرة. ما هو "الصراع الأوسع" الذي لا نشارك فيه، فيما تقلع القاذفات الأميركية من "قاعدة فيرفورد" في غلوسترشير، ومن دييغو غارسيا في إقليم المحيط الهندي البريطاني، لقصف أهداف داخل إيران؟
وماذا لو نفّذ الرئيس ترامب تهديده الجامح الذي أطلقه الأسبوع الماضي بتدمير محطات الكهرباء والجسور "الأسبوع المقبل"، ما لم "يجلس الحرس الثوري الإيراني إلى طاولة المفاوضات"؟ عندها ستنهار أيضاً الحجة القائلة بأن الضربات الأميركية ذات طابع "دفاعي".
في تلك الحالة، سيضطر بيرنهام وميليباند، استناداً إلى مشورة ريفز، إلى سحب الإذن باستخدام القواعد البريطانية مرة أخرى.
لكن رئيس الوزراء الجديد نجح حتى الآن في انتهاج سياسة براغماتية، تقوم على التعاون الهادئ مع الإدارة الأميركية، من دون استفزاز المحتجين المناهضين للولايات المتحدة ودفعهم إلى النزول إلى الشوارع. وبذلك ما يزال الائتلاف الواسع الذي يقوده بيرنهام، والذي يجمع قوى اليسار والوسط، متماسكاً -في الوقت الراهن على الأقل.
*جون رينتول John Rentoul: صحفي وكاتب بريطاني معروف بتغطيته للشؤون السياسية البريطانية. يشغل منصب كبير المعلقين السياسيين في صحيفة "الإندبندنت" حيث يكتب عمودًا أسبوعيًا ويركز على السياسة الداخلية، والأحزاب البريطانية، والانتخابات، والشخصيات العامة. بدأ مسيرته الصحفية في صحيفة "الإندبندنت" منذ تأسيسها تقريبًا في العام 1986 قبل أن يصبح من أبرز كتابها السياسيين. وهو مؤلف كتاب عن رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، ويدافع عن نهج سياسي براغماتي قريب من تيار الوسط في حزب العمال البريطاني، مع اهتمام خاص بتحليل الخطاب السياسي وصناعة القرار الحكومي.