الغد
توبياس إلوود - (الإندبندنت) 2025/7/31
يرى توبياس إلوود أن الاعتراف بدولة فلسطين بات ضرورة استراتيجية، لا رمزية، لعزل "حماس" وإنقاذ حل الدولتين وإنهاء المعاناة في غزة، في ظل غياب رؤية إسرائيلية واضحة لما بعد الحرب واستمرار المجاعة التي تهدد المدنيين.
صدمت صور المجاعة المأسوية التي ترد من غزة العالم وأثارت غضبه. ومع ذلك، تبلد إحساسنا بصورة خطرة حيال حجم الخسائر اليومية في الأرواح والدمار، بينما نبدو عاجزين عن التدخل. ولكن، حين يصل الأمر إلى أن يعترف حتى الرئيس ترامب في مؤتمراته الصحفية بـ"مجاعة حقيقية" في غزة، فإن ذلك قد يشير إلى نقطة تحول محتملة.
يشكل رد إسرائيل على الهجمات البربرية التي وقعت قبل 21 شهراً بصورة متزايدة اختباراً للمجتمع الدولي. صحيح أن لكل دولة الحق في الدفاع عن نفسها، ولكنها تتحمل كذلك مسؤولية استخدام القوة على نحو يتسم بالحكمة. إن كيفية تنفيذ الانتقام، وطريقة استعمال القوة العسكرية، وكيفية تأثير العمليات على المدنيين في الأراضي المحتلة، هي كلها أمور بالغة الأهمية. إنها تؤكد التزامنا بقيمنا، وتميزنا عن أولئك الذين يجب علينا أن نحاربهم.
لا يمكن تبرير المعاناة المستمرة بهذا الحجم في غزة بمجرد حق إسرائيل في هزيمة "حماس". وهذا لا يعني التراجع عن مواجهة "حماس"، لكن المشكلة تكمن في غياب أي استراتيجية واضحة لدى إسرائيل لتحويل المكاسب العسكرية إلى سلام دائم، أو للفصل بين "حماس" والشعب الفلسطيني الأوسع. ثلثا غزة بات مدمراً، ومليونا إنسان نازحون، والعشرات يموتون أسبوعياً، ليس في المعارك بل لمجرد اقترابهم من طوابير الغذاء الفوضوية طلباً للمساعدات.
ميدانياً، أصبحت قوات "حماس" في وضع ضعيف للغاية. وإيران، الداعم الرئيس لها، أصبحت هي الأخرى تحت الضغط. ومع ذلك، يبدو أن المجاعة باتت التهديد الأكبر. وقد سمحت إسرائيل، تحت ضغط دولي، بإلقاء مساعدات غذائية من الجو، لكن هذه المساعدات، كما قال منسق الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة توم فليتشر، لا تمثل سوى "نقطة في بحر".
إن إسقاط المساعدات من الجو ليس وسيلة فعالة، خصوصاً في ظل وجود مئات الشاحنات المحملة بالمساعدات عالقة خلف المعابر المغلقة. وقد أبقى رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، على تلك المعابر مغلقة، ونقل مسؤولية توزيع الغذاء من وكالات الأمم المتحدة إلى الجيش الإسرائيلي الذي يفتقر إلى البنية التحتية والخبرة اللازمة للقيام بذلك بكفاءة.
لنكن صريحين، بخلاف شعار "تدمير حماس"، لا يقدم نتنياهو أي نهاية واضحة أو خطة موثوقة لإدارة غزة بعد الحرب، ولا أي خريطة طريق نحو الحل الذي طال انتظاره: حل الدولتين. وما يظهر من أفعاله يوحي باستراتيجية قائمة على الصراع الدائم.
إن القوى الإقليمية، بما في ذلك مصر والأردن والإمارات العربية المتحدة، إلى جانب جزء كبير من المجتمع الدولي، حريصة على تقديم المساعدة -ليس فقط لمعالجة الأزمة الإنسانية، ولكن أيضاً من أجل دعم إقامة بنية حكم موثوقة في غزة ما بعد "حماس"، وهو أمر سيحتاج إلى إشراف دولي. لكن نتنياهو يرفض هذا الدعم، محتمياً بمساندة مستمرة من البيت الأبيض الذي قدم، حتى الآن، دعماً منطقياً، لكنه غير مشروط، منذ هجمات السابع من تشرين الأول (أكتوبر).
لكنّ قرارات نتنياهو التكتيكية، التي تفتقر إلى أي رؤية استراتيجية، بدأت في وضع هذا الدعم في موضع الاختبار. وعلينا أن نتساءل إلى أين يتجه هذا الصراع، وهو الصراع المتواصل بمعنى أوسع منذ العام 1948؟ إن حملته المدمرة على غزة وتوسع الاستيطان غير القانوني في الضفة الغربية يوحيان بنية واضحة: تقويض إمكان قيام دولة فلسطينية.
في العام 2014، عندما ناقش البرلمان البريطاني آخر مرة فكرة الاعتراف بدولة فلسطينية، كنت وزيراً للخارجية، وقلت حينها إن بريطانيا ستعترف بدولة فلسطينية فقط عندما ترى أن مثل هذه الخطوة ستساعد في تحقيق عملية السلام، وليس كبادرة رمزية. إنها ورقة لا يمكن أن تُلعب سوى مرة واحدة، ولذلك يجب استخدامها بحكمة.
من السهل قول أن الوقت الحالي غير مناسب وأن علينا التركيز على معالجة الأزمة الملحة. لكنني أزعم أن الوقت الحالي هو الوقت المناسب تماماً لتوجيه ضربة قد تؤدي إلى تغيير ضروري لمسار خطر؛ مسار يهدد بإغلاق نافذة حل الدولتين إلى الأبد.
إن هذه القضية مدرجة على جدول أعمال الأمم المتحدة في نيويورك، ومن الممكن أن يساعد الاعتراف في تحويل التركيز العالمي، وعزل "حماس" سياسياً، فضلاً عن تقويض مبررات إيران لتسليح وكلائها في المنطقة.
إن الانتظار إلى أجل غير مسمى بحثاً عن "اللحظة المثالية" ليس استراتيجية. لن يؤدي استمرار الوضع القائم، أو السعي نحو حل الدولة الواحدة، إلا إلى ترسيخ تمرد دائم تغذيه قوى خارجية، ويبقي إسرائيل في حالة توتر دائم مع جيرانها.
بينما يربط ترامب دعمه لنتنياهو بشروط متزايدة، بما في ذلك الدعوات إلى اتخاذ إجراءات حاسمة من أجل منع تفشي المجاعة، دعونا نستغل هذه اللحظة لإعادة تركيز الاهتمام على الضرورة الاستراتيجية الأوسع، وهي تحقيق حل الدولتين. فمن دون ذلك، ستستمر المعاناة والتطرف والحرب التي لا نهاية لها.
*توبياس إلوود Tobias Ellwood: برلماني بريطاني سابق عن حزب المحافظين. شغل سابقاً منصب وزير دولة في وزارة الخارجية البريطانية.