عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    25-Aug-2025

بعد جرائم الإبادة.. لماذا يتبنى إعلام الغرب رواية الاحتلال في تغطية الحرب على غزة؟

 الغد-محمد الكيالي

عند النظر في تغطية الإعلام الغربي للحرب الإبادية الصهيونية على قطاع غزة، يتضح انحيازه لصالح رواية الاحتلال، سواء من حيث اختيار مصادر ومعلوماته، أو طريقة عرضه للأحداث. 
 
 
وفي حقيقة الأمر، فإن هذا الانحياز ليس عشوائيا، بل ينبع من تداخلات معقدة، تشمل الاعتماد شبه الكامل على مصادر الاحتلال الرسمية، واستخدام مصطلحات الاحتلال في المحتوى الإعلامي، بينما يشار إلى الفلسطينيين وضحاياهم، بأسلوب أقل تعاطفا أو مجرد أرقام، ما يقلل من التأثير الإنساني للرواية الفلسطينية.
مؤخرا، نشر موقع Declassified البريطاني تقريرا، أشار فيه إلى أن موظفين من وكالة "رويترز"، أبدوا قلقهم من الانحياز الواضح للاحتلال الصهيوني في تغطية الحرب العدوانية على غزة، معتبرين بأن إدارة الوكالة، تجاهلت "مقتل" آلاف الفلسطينيين، مقابل قيامها بتغطية أكبر للاحتلال.
وأظهر تحقيق داخلي أجراه صحفيون، بمراجعة 499 تقريرا في الفترة بين الـ7 من تشرين الأول (أكتوبر) و14 تشرين الثاني (نوفمبر) 2023، تركيزا على الأخبار التي تمس الاحتلال، لكنه يتجاهل حقوق الفلسطينيين، مع منع استخدام كلمة "فلسطين"، إلا للإشارة إلى الكيان التاريخي قبل 1948. 
وبرغم تعديل دليل أسلوب الوكالة لاحقا، لكن التغطية بقيت متحيزة، واستخدم مصطلح "الإبادة الجماعية" في 14 تقريرا فقط من أصل 300 تقرير، فيما يواصل الاحتلال بدعم أميركي، ارتكاب ما وصفه مراقبون بإبادة جماعية في غزة، أسفرت عن سقوط أكثر من 61 ألف شهيد و153 ألف مصاب مع مئات آلاف النازحين.
وتؤكد هذه الظاهرة، الحاجة الملحة لإعلام مستقل، يعيد الاعتبار للرواية الفلسطينية، وينقل الوقائع بصورة متوازنة وموضوعية، ينأى بها عن التضليل، بل ضرورة لتعزيز الوعي الجماعي ودعم المنصات التي تلتزم بنقل الحقيقة كاملة.
هيمنة الصهيونية على مصادر الإعلام الكبرى
وفي هذا السياق، أوضح الخبير العسكري والإستراتيجي نضال أبوزيد، أن انحياز الإعلام الغربي لرواية الاحتلال بتغطية حرب غزة، يعود لعوامل مترابطة عدة. مشيرا إلى أن أحد الأسباب الرئيسة، هو التبعية الإعلامية للمصادر التي يهيمن عليها التيار الصهيوني اليميني المتطرف. 
وقال أبو زيد، إن بعض وكالات الأنباء الكبرى ما تزال واقعة تحت تأثير الرواية الصهيونية المتعلقة بـ"مظلومية اليهود" و"معاداة السامية"، برغم انكشاف زيف هذه الرواية، مع بدء العمليات العسكرية للاحتلال الصهيوني بغزة، وما ارتكبها الصهاينة من جرائم تجويع وإبادة جماعية وتدمير لكل مظاهر الحياة في القطاع.
وأكد أن هناك أمثلة عديدة، تبين هذا الانحياز، كقيام صحف ووكالات إعلامية ضخمة مثل "دير شبيغل" و"بي بي سي"، بفصل صحفيين لتناولهم القضية الفلسطينية من زاوية تنتقد الاحتلال. ولأن هذه الوكالات، مصادر رئيسة للأخبار بالنسبة لكثير من القنوات والمواقع الإعلامية الغربية، فإنها تعيد تداول الأخبار التي يصوغها إعلاميون موالون للكيان، أو مرتبطون بالتيار الصهيوني اليميني.
فبركة إعلامية واستخباراتية
وأوضح أبو زيد، أن تيارا إعلاميا جارفا، يمارس عملية "الفبركة" لبعض الأخبار، بهدف تحميل المقاومة مسؤولية ما يحدث في القطاع. موضحا بأن هذه الأخبار تصنع في "مطابخ أمنية" الاحتلال، وليس فقط عبر الوحدة 8200 التي تمتلك شعبة متخصصة بالرصد وأخرى بـ"الحقن الإعلامي".
وأكد أن وحدة 8200، تستخدم قوتها في السيطرة على وسائل التواصل الاجتماعي، لضخ كم هائل من الأخبار المضللة التي تخدم أجندة الكيان، مشيرا لوجود تيارين إعلاميين يعملان في هذا السياق: الأول ينحاز للاحتلال الصهيوني فكريا، والثاني هو تيار أمني يضخ الأكاذيب.
خطة "كي الوعي"
وقال أبو زيد، إن هذه الخطة دفعت الكثيرين للاعتماد على المصادر الغربية، معتبرا بأن مواجهة هذا التضليل تتطلب مواجهة الخطاب بالخطاب، وعدم إخلاء الساحة الإعلامية، موضحا بأن هناك عوامل أخرى تفسر تبنّي وسائل إعلام غربية لخطاب الكيان، أبرزها التمويل. 
وقال إن معظم الوكالات الكبرى يملكها أو يمولها أفراد ورجال أعمال من الكيان الصهيوني أو مناصريه، كروبرت مردوخ الذي يسيطر على الكثير من وسائل الإعلام المرئي والمسموع في أميركا وأشهرها "فوكس نيوز". مشيرا إلى أن الممولين يتحكمون بتدفق الأخبار، وهذا التدفق غالبا ما ينهمر من أجهزة استخبارات مباشرة، تهدف لترويج رواية الاحتلال الصهيوني.
وشدد أبو زيد، على أن إعلام الاحتلال الصهيوني، سعى منذ البداية لإسباغ "صبغة إسلامية" على أعمال المقاومة في قطاع غزة، حتى يرسخ صورة أنها ليست مقاومة أو حركة تحرر وطني، بل إن ما يواجه به حركة المقاومة الإسلامية - حماس، وكتائب القسام، وفصائل المقاومة الأخرى كسرايا القدس، إنما هي حرب على الإرهاب والتطرف. 
الاحتلال وتفوق السرد
الخبير في التشريعات الإعلامية د.أشرف الراعي، قال إن الإعلام الغربي يميل لاستخدام الرواية التي يبثها الإعلام العبري، لاستخدامه مصطلحات عاطفية من جهة، والانحياز الواضح سياسيا للكيان، وهو أمر لا يخفى على أحد، فضلا عن التأطير الممنهج للأحداث في سياقات معينة، تسهم بمنع التعاطف مع الفلسطينيين حتى ولو كانوا ضحايا.
وأضاف الراعي، أن العوامل متعددة في ذلك، منها السياسة التي تؤدي دورا مهما بتحديد أجندات التحرير والاصطفاف مع موقف الكيان الصهيوني المحتل، إذ تشكل جماعات الضغط، قوة مؤثرة في صناعة القرار الإعلامي والسياسي، كما أن الجانب الأمني والدبلوماسي يفرض نفسه.
وأضاف أن وسائل الإعلام الغربية، غالبا ما تستند لمصادر الاحتلال الرسمية، باعتبارها "موثوقة" أو "سريعة"، في حين يشكك غالبا بالرواية الفلسطينية، أو يؤطر أطروحاتها في باعتبارها "ادعاءات".
وأشار الراعي، إلى أن اللغة الإعلامية تلعب دورا أساسيا، فالمصطلحات التي تستخدم مثل "الدفاع عن النفس" و"الرد العسكري"، تمنح على نحو شبه حصري إلى الاحتلال، بينما يستخدم توصيف أقل تأثيرا عند الحديث عن الضحايا الفلسطينيين مثل "سقط قتلى" أو "قُتل مدنيون"، من دون توصيف للحدث كمجزرة أو جريمة.
ولفت إلى أن وسائل إعلام غربية تنجرف خلف هذه السردية، إما بحجة "الموضوعية" أو تحت ضغوط سياسية، وهو ما يفضي في النهاية لإعادة إنتاج الرواية ذاتها التي تعزز مشروعية الاحتلال، وتضعف من حضور الرواية الفلسطينية في الوعي العالمي.
وشدد الراعي على أن مواجهة هذا الخلل تتطلب تعزيز الإعلام البديل والمستقل، ودعم المنصات الفلسطينية المهنية التي تنقل الحقيقة كاملة، بالإضافة للضغط على المؤسسات الإعلامية الكبرى لمراجعة معاييرها التحريرية التي باتت تعكس انحيازا سافرا أكثر للكيان الصهيوني، من كونها تمارس مهنية متوازنة.