عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    03-Mar-2026

بين صافرات الإنذار وزخم الأخبار.. كيف نحصن الأطفال نفسيا؟

 الغد-تغريد السعايدة

 يعيش الأهل وأطفالهم مع كل إطلاق لصفارات الإنذار، لحظات ترقب لا تخلو من الخوف، حيث تحذر تلك الصافرات بضرورة أخذ الحيطة خلال الأحداث الجارية، ومحاولة تجنب المخاطر "المحتملة" في ظل التطورات العسكرية على أرض الواقع.
 
 
تلك اللحظات يرافقها خوف في عيون الأطفال، الذين يترقبون حركة الأهل واندفاعهم نحو النوافذ والأسطح لمراقبة تلك الأجسام التي تتطاير في الأجواء، حيث يعيش الطفل حالة من الهلع يتوقع من خلالها أن خطرا ما قادم، ما قد يسبب الكثير من حالات القلق المزمن احيانا وتجنب الخروج من البيت.
 مخاوف تتجدد لدى الصغار 
أُم سند أكدت أنها اضطرت إلى تعطيل طفلتها عن الدراسة بسبب حالة الذعر التي مرت بها خلال سماعها صفارات الإنذار في الصباح الباكر، ما أدى إلى دخولها في نوبة بكاء مستمرة دفعتها إلى العودة إلى البيت والخوف من التوجه إلى المدرسة.
وتساءل العديد من أولياء الأمور عن طبيعة وتوقيت استخدام تلك الصفارات، التي باتت مصدر قلق لأبنائهم في ساعات الليل والصباح الباكر، خاصة وأن عددا كبيرا من أجهزة الصفارات متواجد بالقرب من المدارس الحكومية في بعض المناطق، الأمر الذي يجعلها مصدر خوف وقلق لهم، خاصة للأطفال ممن هم دون العاشرة.
تساؤلات الأطفال ودور الأهل 
وعلى الرغم من أن أطفال مروة عبيدي اعتادوا على صوت صفارات الإنذار في السابق، ومنهم من عايشها خلال فترة جائحة كورونا، فإنها الآن وبسبب ارتباطها بالأحداث الجارية واعتقادهم بأنها تنبيه لحالة خطر بسبب الحرب، جعلت من حجم الخوف وشكله لديهم مختلفا، على حد تعبيرها.
وتقول مروة إنها تحاول أن تحدث أبناءها بأن ما يحدث الآن لا ينطوي على خطورة، و"أن البلاد آمنة وبعيدة عن أي مخاطر"، إلا أن ذلك لم يمنع الأطفال من الخوف من صوت صفارة الإنذار، حيث بات الأطفال قادرين على الاستيعاب بأنها الآن مرتبطة بالحروب والأجسام التي يشاهدونها بأعينهم في السماء، ومتابعة الأخبار عن كثب.
هذه الأحداث، التي تتعلق بشكل مباشر بأوقات انطلاق صفارات الإنذار في الأردن، تتطلب وعيا أولا من الأهل في كيفية التعامل معها، وطريقتهم في ترجمة ذلك للأطفال لمنحهم شعور الأمان والطمأنينة، وتعزيز ثقتهم بقوة دولتهم وقدرتها على حمايتهم، التي تبدأ من صفارة الإنذار التي يخافون من صوتها.
 الأطفال مرايا عاكسة
 لمشاعر الكبار
وفي ذلك يقول الخبير والمستشار التربوي الدكتور عايش النوايسة إنه لا شك أن ردة فعل الأهل تجاه دوي صفارات الإنذار وما يتبعها من أحداث تنعكس مباشرة على سلوك الأطفال، والأصل أن تمارس الأسرة دورا إيجابيا ينزع الخوف من نفس الطفل؛ والعكس صحيح، فإن الخوف والهلع يزرعان الرهبة في نفسه عند سماع دوي الصفارات، ويشكلان لديه تصوّرا سلبيا يسهم في تعزيز شعوره بالخوف.
وبحسب النوايسة، فإنه لا بد من ضبط المناخ النفسي للطفل، الذي يتضح من خلال استجابته لردود فعل والديه وتعاملهم مع الحدث؛ فالأطفال مرايا عاكسة لمشاعر الكبار، فإذا رأى الطفل أمه ترتجف ويصبح وجهها شاحبا عند سماع الصفارة، سيستنتج فورا أن الخطر واقع وحي، وأنه لا ملجأ له، أما إذا رأى الهدوء والثبات فسيتشرب تلقائيا شعورا بالأمان.
ويشدد النوايسة على أن لجوء بعض الأسر اليوم إلى منع أبنائها من الذهاب إلى المدرسة يعزز لديهم شعورا بعدم الأمان، ويصور المدرسة مستقبلا على أنها مكان غير آمن، مما يحولها من بيئة للتعلم إلى مسرح للرعب، ويرسخ فكرة "الهروب" كحل وحيد للمواقف الصعبة.
 امتلاك أولياء الأمور أدوات نفسية وتربوية
وكانت المديرية العامة للدفاع المدني، ومن خلال مدير العمليات والتدريب فيها فراس أبو السندس، قد نوهت في بيان رسمي عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، أن "صافرات الإنذار التي تطلقها مديرية الأمن العام ليست مجرد صوت، إنما هي نظام متكامل من الإنذار المبكر المرصود والمدروس، تتجسد فيه قوة الدولة الأردنية حرصا على سلامة المواطنين".
وبين أبو السندس أيضا أن "إطلاق صافرات الإنذار يكون من خلال رصد المخاطر وتحويلها إلى صوت إنذار"، مؤكدا ضرورة امتثال المواطنين لها، كما حذر عند سماعها من الوجود في تجمعات بشرية كبيرة، وعدم التعامل بعفوية مع الأجسام المتساقطة.
لذلك، يقول النوايسة إنه يصبح من الضروري اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أن يمتلك أولياء الأمور أدوات نفسية وتربوية للتعامل مع مثل هذه الحالات الطارئة، بعيدا عن العاطفة والفزعة، ومعتمدين بشكل أساسي على بناء الشخصية النفسية للطفل.
  تغزيز مفاهيم الأمن والسلامة بلغة بسيطة
ويتم ذلك، وفق النوايسة، عبر تخفيف المخاوف أو نزعها من خلال التعزيز النفسي، والابتعاد عن إظهار الخوف غير المبرر أمام الأطفال، مع تعزيز مفاهيم الأمن والسلامة من خلال غرس الثقة بالدولة وأجهزتها الأمنية، وإعادة تأطير المخاوف لتحويلها من مشاعر سلبية معيقة إلى وعي إيجابي مبكر.
لذا، يجب إعادة صياغة الحدث من وجهة نظر الطفل؛ فبدلا من أن يبقى صوت الصفارة مجهولا ومفزعا، ينبغي تبسيطه بلغته البريئة، ويمكن تشبيهه بـ"جرس الإنذار" في الألعاب، أو بإشارة "الوقوف" في المرور، ليتم استيعابه كأداة تنبيه وفحص، لا إنذارا بكارثة واقعة، كما يوضح النوايسة.
مستشار الطب النفسي الدكتور وليد سرحان تحدث عن أن الاستماع المستمر والمتكرر لأخبار الحرب يسبب آثارا نفسية وعصبية حقيقية، حتى لمن هم بعيدون عن مناطق القتال، بسبب تنشيط مستمر لمنظومة التهديد في الدماغ.
 إبعاد الأطفال عن المتابعة المستمرة للأخبار
ويقترح سرحان أنه يمكن استبدال صفارات الإنذار، لما تشكله من آثار نفسية، بطرق عملية أخرى أقل حدة، كرسالة على الهاتف المحمول لثوانٍ فقط.
ومن أبرز الأعراض التي يمكن أن تظهر على الشخص، كما يبينها سرحان: "زيادة القلق والتوتر، اضطرابات النوم، صور ذهنية مزعجة أو كوابيس، تضخيم الإحساس بالخطر، أعراض جسدية مثل الخفقان والصداع، وانشغال قهري بالأخبار وضعف التركيز".
وعن الفئات الأكثر عرضة لذلك، فهم الأطفال والمراهقون، وكبار السن، ومن لديهم تاريخ من القلق أو الصدمة؛ لذا من الأهمية بمكان أن نحدد وقتا للأخبار لا يتجاوز 20 دقيقة يوميا، وتجنب المتابعة قبل النوم، وموازنة الأخبار بنشاط مهدئ، إذ يبين سرحان أن المشكلة ليست في معرفة الأخبار، بل في الإفراط غير المنظم في متابعتها.
 تسليح الأطفال بالوعي
كما يقدم النوايسة للأهل ترجمة لغوية وعملية يجب أن يتبعوها مع أبنائهم، وهي أن "هذا الصوت مجرد زر يتم ضغطه ليقول لرجال الأمن: انتبهوا، نحن في حالة تأهب قصوى لحمايتكم"، وبالتالي فإن سماع الصوت يعني أن "النظام يعمل"؛ وأن هناك عينا ساهرة تراقب وتدافع عنهم.
وينوه النوايسة إلى أن حماية الأطفال لا تكون بعزلهم عن تحديات الواقع، بل بتسليحهم بالعقلية الصحيحة التي تجعل من صفارة الإنذار صوتا يملؤه الفخر والثقة برجال الأمن، لا صوتا مملوءا بالرعب والهلع.