الغد
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
بيتر بومونت* - (الغارديان) 8/8/2025
قرار بنيامين نتنياهو وحكومته بالاستيلاء على غزة سيفرض عبئًا ماليًا هائلًا على إسرائيل، وقد يؤدي إلى زيادة كبيرة في عدد القتلى المدنيين الفلسطينيين.
ثمة صورة يتم الاحتفاء بها كثيرًا في إسرائيل، هي صورة ديفيد روبينغر (المرفقة) لثلاثة مظليين إسرائيليين عند "حائط البراق"، الذي كانت إسرائيل قد استولت عليه حديثًا في العام 1967، وهو الحدث الذي سيشكل بداية احتلال إسرائيل للضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة.
سوف ترى هذه الصورة لدى وصولك إلى مطار بن غوريون في تل أبيب. ويتم استخدامها كصورة توضيحية لصفحة "قيم" جيش الدفاع الإسرائيلي، وتَظهر بشكل متكرر وبلا انقطاع في الإعلام العبري وعلى المواقع المؤيدة لإسرائيل.
من المفارقات أن الشخص الذي يتوسط الصورة، يتسحاق ييفات، رفض في نهاية حياته بعضًا من معانيها على الأقل. وقال لصحيفة "الغارديان" في العام 2017، مستفيدًا من خبرة خمسين عامًا من مراجعة الماضي والتأمل في ذلك الغزو:
"يمكنني القول إن نتائج الحرب كانت سيئة. لقد أدركنا أننا غزونا شعبًا آخر. شعبًا كاملًا. والآن يبدو أننا لا نستطيع الحصول على سلام فعلي، سلام حقيقي".
وما كان صحيحًا في ذلك الحين ما يزال صحيحًا اليوم، بينما صادقت الحكومة الأمنية الإسرائيلية على خطة لإعادة احتلال غزة بالكامل، بدءًا من مدينة غزة.
في حين أن بنيامين نتنياهو ألمح إلى أن ذلك سيكون ضروريًا إلى أن يتم استبدال حركة "حماس"، فإن على المجتمع الدولي أن يأخذ في الاعتبار الاحتمال الكبير لأن تحتفظ إسرائيل بسيطرة مفتوحة النهاية على كامل قطاع غزة -وهي، كما يقول المنتقدون، وصفة لحرب أبدية.
وعلى الرغم من أن البيان الصادر عن مكتب نتنياهو الذي يصف القرار وأهدافه لا يتضمن كلمة "احتلال" -بكل الالتزامات القانونية الدولية التي تترتب عليها- فإنه لا ينبغي لأحد أن يشك في أن هذا هو ما يتم التخطيط لفعله.
كان تاريخ نتنياهو في السياسة والدبلوماسية مليئًا دائمًا بالأعذار التي لا تنتهي لتفسير عدم وجوب التزام إسرائيل أبدًا بالتعهدات التي قدمتها في "عملية أوسلو" نحو تحقيق تقرير المصير الحقيقي للفلسطينيين وإقامة دولة فلسطينية. وقد كرر الحديث بلا نهاية وعلى مدى سنوات طويلة عن غياب "شريك للسلام" أو الزعم بأن أي دولة فلسطينية ستكون تهديدًا لإسرائيل.
من الناحية العملية، يبدو أن قرار إسرائيل السيطرة الكاملة على غزة متهور بقدر ما هو وهمي ولاإنساني -وخاصة فكرة أن تحتفظ إسرائيل بالسيطرة على القطاع إلى حين "إنشاء إدارة مدنية بديلة لا تكون ’حماس‘ ولا السلطة الفلسطينية". وكما هو الحال الآن، ما يزال هذا البديل مجرد قصة خيالية تسكن في مخيلة نتنياهو.
وما سيبدو أكثر قابلية لعدم الفهم بالنسبة للكثيرين هو التصريح غير المستساغ لوزير المالية اليميني المتطرف، بتسلئيل سموتريتش، يوم الجمعة في تفسيره للقرار: "إننا نمحو الدولة الفلسطينية، أولًا بالعمل ثم رسميًا".
ومن الناحية المالية، كما أشارت وسائل الإعلام الإسرائيلية، من المرجح أن تفرض الخطوة عبئًا ماليًا جديدًا هائلًا على دولة ما تزال تنزف الأموال منذ أكثر من عامين من الصراع في ساحات تمتد من لبنان إلى سورية، إلى إيران واليمن وغزة.
في حديثه لصحيفة "إسرائيل هيوم" اليمينية الأسبوع الماضي، قدّر رام أميناح، الخبير في الاقتصاد العسكري الإسرائيلي، أن تكلفة السيطرة الكاملة على غزة قد تصل إلى نحو 6 مليارات دولار في الأشهر المقبلة، مع "تكاليف لا يمكن تصورها" مرتبطة بإعالة سكان فلسطينيين يبلغ عددهم مليوني نسمة في منطقة مدمرة.
وقال: "انظر إلى الضغوط الدولية التي تواجهها إسرائيل اليوم واضربها في خمسة على الأقل. لتخفيف هذا الضغط، سيتعين علينا رعاية السكان في غزة. لن يساعد أي طرف دولي في دفع تلك النفقات، ليس بينما يرى الآخرون إسرائيل بالطريقة التي تُرى بها الآن".
بل وهناك حتى سؤال أكبر: هل تمتلك إسرائيل الموارد اللازمة لإدامة احتلال قد يكون طويل الأمد؟
بحسب الإحاطات التي قُدمت للصحفيين الإسرائيليين، تتصوَّر الخطة نشر خمس فرق في عملية تستمر في القطاع لمدة خمسة إلى ستة أشهر، بافتراض أن الجيش الإسرائيلي قادر على تحقيق أكثر مما أنجز في عامين ونصف العام من الحرب، حيث اضطر إلى شن عمليات متعددة في مناطق زعم أنه هزم فيها "حماس"، ليعود ويجد المقاتلين قد عادوا إليها.
كما أن التاريخ الحديث للاحتلالات العسكرية ليس مشجعًا، وأبرز مثال على ذلك تجربة الولايات المتحدة وبريطانيا في مواجهة التمردات في العراق وأفغانستان.
يبدو أن هذا كان حاضرًا، جزئيًا على الأقل، في ذهن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير، حين أعرب عن معارضته للخطة، معتبرًا أنها ستؤدي إلى مقتل ما تبقى من الرهائن الإسرائيليين، وزيادة المخاطر على الجنود في جيش إسرائيلي منهك أصلًا، جراء العبوات الناسفة البدائية.
وفي حين عبّر زامير عن معارضته لنتنياهو في الأحاديث الخاصة، فإن آخرين أثاروا النقاط ذاتها على الملأ، من بينهم زعيم المعارضة الإسرائيلية، يائير لبيد، الذي وصف القرار بأنه "كارثة ستؤدي إلى المزيد من الكوارث".
وبينما اتهم نتنياهو بأن حلفاءه اليمينيين المتطرفين الذين دعوا إلى الاستيطان اليهودي في غزة جروه إلى القرار، وصف لبيد الخطة بأنها "خطوة ستقتل الرهائن والعديد من الجنود، وستكلف دافعي الضرائب الإسرائيليين عشرات المليارات، وستدمر العلاقات الدبلوماسية لإسرائيل".
وقال لبيد: "هذا بالضبط ما أرادته حماس: أن ينتهي الأمر بإسرائيل وقد أصبحت عالقة في غزة من دون هدف، في احتلال عديم الجدوى لا يفهم أحد مغزاه".
كل هذا سيترك ما سيعتبره الكثيرون في المجتمع الدولي القضية الأكثر إشكالية. بينما يسيطر الجيش الإسرائيلي على 75 في المائة من غزة مسبقًا، فإن الـ25 في المائة المتبقية من الأراضي -وهي محور هجوم نتنياهو الجديد- تضم 80 في المائة من سكان غزة الذين جرى دفعهم إلى الهجرة إليها.
أما كيف تخطط إسرائيل للسيطرة الكاملة على القطاع من دون زيادة هائلة في أعداد القتلى بين السكان الفلسطينيين الجائعين واليائسين أصلًا، فأمر يظل غير قابل للوصف وتخيله يجمد الأطراف.
تشير حوادث القتل الجماعي المتكررة في مواقع توزيع الغذاء التابعة لـ"مؤسسة غزة الإنسانية" المدعومة من إسرائيل والولايات المتحدة -حيث قتل الجنود الإسرائيليون، بحسب الأمم المتحدة ومنظمات إغاثية أخرى، المئات من الذين كانوا يسعون إلى الحصول على المساعدات- إلى أن الجيش الإسرائيلي لا يمكن الاعتماد عليه للتصرف بإنسانية حين يواجه هؤلاء المدنيين.
وقال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يوم الجمعة: "إن قرار الحكومة الإسرائيلية بتصعيد هجومها في غزة خاطئ، ونحن نحثها على إعادة النظر فيه على الفور. هذا الإجراء لن يفعل أي شيء لإنهاء هذا الصراع أو للمساعدة في تأمين الإفراج عن الرهائن. إنه سيؤدي فقط إلى المزيد من إراقة الدماء".
*بيتر بومونت Peter Beaumont: صحفي دولي رفيع، غطّى مناطق نزاع واسعة، بما في ذلك أفريقيا والبلقان والشرق الأوسط وأوكرانيا. عمل سابقًا مراسلًا صحفيًا لصحيفة "الغارديان" في القدس. وهو حاصل على العديد من الجوائز، منها "جائزة أورويل" عن عمله في العراق، ومؤلف كتاب "الحياة السرية للحرب: رحلات عبر الصراعات الحديثة" The Secret Life of War: Journeys Through Modern Conflict.
*نشر هذا التحليل تحت عنوان: Israel’s delusional, inhuman Gaza takeover plan could be recipe for perpetual war