"رحلة في عقل مدمن" للخوالدة.. بين عتمة الإدمان وطريق التعافي
الغد-عزيزة علي
تقترب رواية "رحلة في عقل مدمن"، للمختص النفسي الدكتور مصعب الخوالدة من عالم الإدمان من زاوية نفسية وإنسانية، متتبعةً الصراع الداخلي الذي يعيشه المدمن بين الرغبة في الخلاص والاستسلام لدوامة الإدمان، وما يرافق ذلك من ألم وذكريات وصراعات نفسية متشابكة.
وتأتي الرواية، الصادرة بدعم من وزارة الثقافة عن دار يافا العلمية للنشر والتوزيع، في إطار تجربة أدبية تستند إلى خبرة مؤلفها المهنية في مجال علم النفس، إذ يشير الخوالدة إلى أن عدداً من المواقف والتجارب التي عايشها خلال عمله مع المدمنين شكّلت خلفية لكتابتها، مع التأكيد على أن العمل لا يهدف إلى تبرير الإدمان، بقدر ما يسعى إلى فهم عالم المدمن والصراع الذي يعيشه.
وتدور أحداث الرواية حول شخصية "أدهم"، الذي يجد نفسه غارقاً في مستنقع الإدمان، في مواجهة مستمرة مع ذاته ومع آثار ماضيه، بينما يحاول المختص النفسي "مصعب" مساعدته على فهم جذور معاناته وفتح نافذة نحو التعافي. ومن خلال هذه العلاقة، يأخذ الخوالدة القارئ إلى أعماق عقل المدمن، متسائلاً عن الأسباب التي تقوده إلى الإدمان، والعوامل التي تجعل الخروج منه أمراً بالغ الصعوبة.
ومن خلال رحلة "أدهم"، تضع الرواية القارئ أمام أسئلة تتجاوز تجربة الشخصية الرئيسة، لتلامس مفاهيم الأمل واليأس، والضعف والقوة، والهروب والمواجهة، وتبحث في قدرة الإنسان على النهوض من أزماته واستعادة السيطرة على حياته، مؤكدةً أن الطريق نحو التعافي، وإن كان شاقاً، يظل ممكناً.
ولا تكتفي الرواية بتصوير الإدمان بوصفه سلوكاً أو عادة، بل تسعى إلى استكشاف أبعاده النفسية والإنسانية، وما يختبئ خلفه من صراعات داخلية وآلام وتجارب يمكن أن تؤثر في خيارات الإنسان ومسار حياته. كما تطرح فكرة إمكانية التحول والتغيير، حتى في أكثر اللحظات قتامة.
الخوالدة أهدى روايته إلى كل روح ضاعت في متاهات الإدمان، وإلى من يقف في مواجهة الظلام، ويبحث عن ضوء خافت في نهاية النفق، وإلى أولئك الذين يشعرون بأنهم وحدهم في معركة لا تنتهي، وإلى كل شخص يشعر بأن قلبه قد قُيّد وعقله قد أُغشي عليه، لكن ما يزال فيه بصيص من الأمل.
وقال في إهدائه: "هذه الرواية أهديها لكم لأنني أعلم أن هناك لحظات كثيرة قد تبدو فيها الحياة بلا معنى، وأن الآلام قد تكون ثقيلة على القلب، لكنني أؤمن بأن هناك دائماً فرصة للنهوض، وفرصة لبداية جديدة.
وأضاف: إلى أولئك الذين يظنون أن النهاية قريبة، ولا يعلمون أن البداية الحقيقية تكون دائماً في اللحظة التي تقرر فيها أن تكون أكثر من مجرد ضحية.
وأوضح الخوالدة أن الرواية ليست مجرد قصة، بل هي رحلة لكم أنتم أيضاً؛ رحلة عبر الظلام نحو الضوء، حيث يمكن لكل منكم أن يجد القوة لتغيير حياته، معرباً عن أمله في أن يجد القراء في كل صفحة، وفي كل كلمة، شيئاً يلهمهم للمضي قدماً، ويذكّرهم بأن الأمل لا يموت، مهما كانت الظروف".
وفي مقدمة للرواية، يقول الدكتور الخوالدة: "إن الإدمان ليس مجرد عادة سيئة أو قرار طائش، بل هو متاهة معقدة تتشابك فيها المشاعر والذكريات والصراعات الداخلية. خلف كل مدمن قصة، وخلف كل قصة صرخات مكتومة وأحلام ضائعة.
وبصفتي اختصاصياً نفسياً عملت مع مدمنين، رأيت كيف تتحول العقول إلى ساحات معارك، حيث يتصارع الأمل واليأس، والإرادة والضعف، والرغبة في التعافي والحنين إلى الهروب.
هذه الرواية ليست مجرد سرد لتجربة مدمن، بل هي رحلة استكشافية داخل عقله؛ سنرى الإدمان كما يراه هو، وسنشعر به كما يشعر، ونتتبع أفكاره المتشابكة، ونغوص في ذكرياته، ونحاول فهم كيف وصل إلى هذه المرحلة، ولماذا يجد صعوبة في العودة.
(رحلة في عقل مدمن) ليست محاولة لتبرير الإدمان، بل لفهمه؛ إنها نافذة إلى عالم قد يبدو بعيداً عن الكثيرين، لكنه أقرب مما نتصور.
ربما نجد في هذه الرحلة إجابات، وربما نكتشف أن الأسئلة أكثر تعقيداً مما كنا نظن".
ويتحدث الدكتور الخوالدة عن بداية كتابته للرواية، قائلاً:"لم أكن أكتب فقط عن شخصيات خيالية، بل عن مواقف حقيقية عاشتها العديد من الأرواح التي مرت في حياتي العملية. وقد كان هذا العمل محاولة للغوص في أعماق الصراع النفسي الذي يعايشه المدمن، وهو صراع لا يظهر في الخارج، بل يدور في عقل وروح من يعاني.
ما دفعني إلى كتابة هذه الرواية لم يكن مجرد تسليط الضوء على معاناة المدمنين، بل أيضاً محاولة فهم كيف يمكن للألم أن يكون دافعاً إلى الشفاء، وكيف أن النفس البشرية، مهما كانت مكسورة، قادرة على التغيير والنمو.
كل كلمة في هذه الرواية هي انعكاس لتجارب حقيقية، وآلام حقيقية، ولحظات تحول حقيقية. وأنا أكتب هذه الكلمات، أتمنى أن يجد كل من يعاني من الظلام في داخله، الضوء في هذه الصفحات.
إن الطريق نحو الشفاء ليس سهلاً، لكنه ممكن. ومن خلال الكتابة، أردت أن أقول لأولئك الذين يشعرون بأنهم لا يستطيعون الخروج من دوامة الإدمان: أنتم لستم وحدكم، وهناك دائماً أمل في المستقبل.
هذه الرواية ليست فقط عن الإدمان، بل عن كل واحد منا، وعن الصراع الداخلي الذي قد نواجهه في حياتنا اليومية، وعن لحظات الضعف التي تصبح فيها القوة أضعف ما تكون، وعن اللحظات التي نجد فيها الأمل بعد أن نكون قد فقدناه بالكامل.
عسى أن تكون هذه الكلمات نقطة انطلاق لكل من هو في طريقه إلى التغيير".
وفي كلمة على غلاف الرواية، يشير المؤلف إلى أن عالماً مليئاً بالمخاطر والظلام يطل فيه "أدهم"، غارقاً في مستنقع الإدمان، ويواجه الأيام والليالي في صراع مستمر مع نفسه. فكل لحظة تمر به تحاصره قوى لا تُرى، تتصارع فيها رغباته الداخلية وأشباح ماضيه المدمر.
ويضيف أن الإدمان "ليس مجرد عادة بالنسبة له، بل هو كائن حي يتغذى على آلامه، ويستحوذ على عقله، ويشده نحو الهاوية".
لكن هناك شخصاً واحداً قادراً على اقتحام هذا العالم المظلم، هو "مصعب"، المختص النفسي الذي لا يخشى الغوص في أعماق الألم، بحثاً عن بصيص أمل.
وبينما يحاول "أدهم"، الهروب من فخ الإدمان، يجد نفسه في مواجهة مع وحوشه الداخلية، ومع تلك اللحظات التي يظن فيها أنه فقد كل شيء، لكنه لا يعلم أن كل خطوة يخطوها، وكل معركة يخوضها داخل عقله، تفتح أمامه أبواباً لم يكن يعرفها من قبل.
ويطرح المؤلف في ختام كلمته على غلاف الرواية جملة من التساؤلات حول مصير "أدهم"، هل سيتمكن من النهوض من بين الركام؟ وهل ستتمكن الأضواء التي حاول مصعب، أن يزرعها في قلبه من إضاءة طريقه المظلم؟ أم أنه سيفقد طريقه في بحر من الألم لا نهاية له؟
ويؤكد أن الرواية ليست مجرد رواية عن الإدمان، بل هي معركة مميتة بين الظلام والنور، وبين الهروب والشجاعة. كل صفحة تحمل قنبلة موقوتة، وكل لحظة تكشف سراً جديداً قد يقلب حياة أدهم رأساً على عقب.
ويختتم المؤلف كلمته بالقول: "إن كانت لديك القدرة على مواكبة هذا الجنون، فتأكد أنك ستجد نفسك في رحلة لا عودة منها".