تفكير واع وإبداع مستمر.. رحلة حسني عايش في علوم العقل
الغد-عزيزة علي
ظلت فكرة التفكير "العلمي، المنطقي، الإبداعي والناقد"، تراود الكاتب والباحث والمربي حسني عايش (اللبدي) منذ بداياته في التعليم، حيث لمس حدود طرق التعليم التقليدية القائمة على الحفظ والتلقين.
ويوضح عايش أنه خلال سنوات من الدراسة والاطلاع، ومن خلال القراءة المتعمقة للمراجع والمجلات العلمية، صاغ كتابه "الطريق إلى التفكير العلمي والمنطقي والإبداعي والناقد"، الصادر عن "الآن ناشرون وموزعون". ليقدم مسارا متكاملا لتنمية العقل، من خطوات التفكير الأولى إلى بناء رؤية إبداعية للعالم.
ويرى أن هذا الكتاب هو عمل يجمع بين الخبرة التعليمية، الرؤية النقدية، والشغف بالمعرفة، معززا بتوجيهات مفكرين أصدقاء ودروس مستخلصة من تجارب الحياة، ليذكر القارئ دوما بأن التفكير هو الطريق نحو وعي أعمق وحياة أكثر إنتاجية وإبداعا.
كتب المؤلف حسني عايش (اللبدي) في مقدمة كتابه قائلا "إن موضوعات هذا الكتاب ظلت تلح عليه وتطارده عقدا بعد آخر، منذ بدايات عمله في التعليم المدرسي في القرن الماضي وحتى اليوم. فقد كان يشعر دائما بوجود نقص فيما نعلم وكيفية التعليم والتعلم؛ إذ كان التعليم، في مجمله، قائما على الحفظ والتلقين والبصم. مبينا أن هذه الموضوعات لم تكن حاضرة في البال، ولا في المناهج أو الكتب المدرسية، كما لم يفكر فيها المعلمون والمتعلمون على حد سواء".
يقول "ومع تقدم العمر وتحصيلي العلمي العالي في أكثر من تخصص جامعي، كان آخرها في جامعة "ميشيغن"، الحكومية بمدينة إيست لانسنغ في الولايات المتحدة، شعرت أن عقلي ينمو ويتسع، وأنه يملؤني بالشكوك والتساؤلات في كثير من القضايا، بل حتى في البديهيات. وكنت أشارك هذه التساؤلات مع أصدقاء أثق بهم ولا يخشون الوشاية، بعيدا عن عامة الناس".
ويضيف "لقد ألزمْت نفسي بتأليف هذا الكتاب، إلى جانب العديد من الكتب السابقة التي تحمل الروح نفسها. وقد جاء هذا العمل نتيجة مواصلتي لاقتناء أحدث الكتب في المواضيع التي أحبها، واشتراكي في عدد كبير من المجلات العلمية والمستقبلية، كانت آخرها مجلة SKEPTICAL ENQUIRER الاستقصائية، التي لا تغفل أي ادعاء علمي زائف إلا وتصدت له".
وللبدء في كتابة هذا الكتاب، يقول المؤلف "كما فعلت مع أعمالي السابقة، توجهت إلى مكتبة الجامعة الأردنية، فلم أجد فيها مراجعا كافية وشاملة تغطي موضوعاته الأربعة: التفكير العلمي، التفكير المنطقي، التفكير الإبداعي والتفكير الناقد. "ولم أكن أعلم ما إذا كان قد ألف سابقا كتاب يجمع هذه المواضيع. وعليه، وجهت اهتمامي نحو المصادر والمراجع الغربية، كما هو مبين في قوائم الكتاب".
ويقول عياش إنه قبل نشر الكتاب، طلب من الصديق المفكر الدكتور إبراهيم بدران، وزير التربية والتعليم الأسبق، التكرم بقراءته، فأنا ممتن له على ملاحظاته القيمة. كما شرفني الشاب الصديق المفكر معاذ بني عامر بقراءة الكتاب، وقد أهداني مقدمة رائعة له، فأشكره على ذلك، وأثني على تفوقه الثقافي الذي يميز كثيرا من أبناء جيله.
وفي الختام، أستذكر ما قاله المفكر نورمان فنسنت بيل (1898–1993)، مؤلف كتاب "قوة التفكير الإيجابي" "إننا نفكر في العموميات بينما نعيش بالتفاصيل، وأنك إذا غيرت فكرك، تغير عالمك". مشيرا إلى ما قاله المفكر الفرنسي بليز باسكال (1623–1662)، "التفكير هو صانع كرامة الإنسان، وعليه فكر جيدا، لأن التفكير هو الخلق الوحيد"، ولا أنسى قول المعلم والكاتب الأميركي ديل كارنيجي (1888–1955) "السعادة لا تعتمد على من أنت أو على ما تملك، وإنما على ما تفكر فيه فقط".
وتجدر الإشارة أيضا إلى ما قاله المؤرخ الأميركي كنت روث (1916–1991) "يستطيع الإنسان العيش بدون هواء لدقائق قليلة، وبدون ماء لأيام، وبدون طعام لنحو شهرين (وقد تجاوز المعتقلون الفلسطينيون في سجون إسرائيل هذه المدة بكثير)، وبدون تفكير جيد لسنوات ممتدة".
جاء الكتاب، الذي قدمه الدكتور معاذ بني عامر، في اثني عشر فصلا، تناول موضوعات متنوعة في التفكير العلمي والمنطقي والإبداعي والناقد. وخصص المؤلف الفصل الأول، للحديث عن التفكير العلمي وقواعده، فيما تناول الفصل الثاني، قواعد المنطق (Logic) وأسس التفكير المنطقي. أما الفصل الثالث، فركز على التفكير الإبداعي، وتناول الرابع العلاقة بين تعليم التفكير وتفكير التعليم.
ويطرح المؤلف في الفصل الخامس سؤالًا جوهريًا: ما التفكير؟، ليجيب عنه في الفصل السادس موضحًا أسباب ضرورة تعليم التفكير وربطه بتفكير التعليم. وفي السابع يناقش آليات تعليم التفكير وكيفية جعل التعليم نفسه مفكرا، بينما خصص الفصل الثامن لعرض طرائق تعليم التفكير.
أما الفصل التاسع، فقد تناول التفكير الناقد باعتباره مصدر الكمال الأخلاقي والمواطنة المسؤولة، وأفرد العاشر لفضائل وآداب التفكير الناقد، ثم جاء الفصل الحادي عشر ليوضح الترابط بين الفضائل العقلية والأخلاقية. ويختتم الكتاب بالفصل الثاني عشر، الذي قدم فيه المؤلف مرافعة شاملة حول أنواع التفكير الأربعة.
وفي تقديمه للكتاب، يشير الدكتور معاذ بني عامر إلى أن إحدى أعقد مشكلات الإنسان تتعلق بما يخرج من رأسه من أفكار، مؤكدا أن جذور هذه المخرجات ترتبط أساسا بما يدخل إلى رأسه؛ أي أن العملية برمتها تتوقف على الخطوات الأولى للعملية المعرفية. فأي خلل في هذه الخطوات الأولى يقود حتما إلى فوضى في المراحل اللاحقة.
ويحذّر بني عامر من خطورة تفاقم هذه المشكلة حين تنتقل من مستواها الفردي إلى مستوى الأمم والحضارات، إذ تحدث اختلالات عميقة في رؤيتها للعالم، فتصبح قائمة على الأوهام والجهالات والهلوسات. وفي هذه الحال، تنحدر الأمة أو الحضارة إلى مستوى متدن يجعلها منفعلة بالوجود بدلا من أن تكون فاعلة فيه، ويمارس عليها التأثير بدل من أن تمارسه. وهكذا تخرج من دائرة الأمم القادرة على الإبداع الحضاري، لتدخل في سبات عميق ومميت.
ويرى الدكتور بني عامر أن المدخلات المعرفية تسلك مسارين أساسيين: كمي ونوعي. فالمسار الكمي يقوم على التزود بالمعرفة قدر المستطاع، شريطة توافر بيئات حاضنة تمكن من ذلك، بما يشمل الاطلاع على معارف وعلوم وفلسفات وأديان الأمم والحضارات المختلفة، قديمها وحديثها. والغاية من ذلك أن يتحرر الإنسان من وهم تفوق ثقافته المطلقة وصوابها ومركزيتها، وأن يدخل في فضاء التنافس الخلّاق مع النتاج المعرفي والروحي الإنساني.
أما المسار النوعي، فيتعلق بكيفية معالجة هذه المعارف، سواء تلك المتصلة بثقافتنا الخاصة أو الوافدة من ثقافات أخرى، وذلك عبر تنقيتها من الأوهام والهلوسات والأفكار الخادعة وغير العقلانية. ولا يتحقق ذلك إلا بتعلم المنطق والتفكير الناقد.
ويشير بني عامر إلى أن هذا ما انشغل به المربي والباحث حسني عايش في كتابه "الطريق إلى التفكير العلمي والمنطقي والإبداعي والناقد"، حيث وضع أطرا محكمة لضبط الفوضى الناتجة عن فساد المقدمات. فتعلم المنطق – من بناء الجملة البسيطة إلى بناء العالم في الذهن – يمثل أولوية قصوى، تضمن أن تثمر شجرة المعرفة ثمارا ناضجة، وتمنع الانحرافات أو الاختلالات القاتلة في النتائج والأحكام.