عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    31-May-2026

البترا تتحوّل إلى خشبة كونية ..«عشيات طقوس المسرحية الدولي» يعيد وصل الفن بجذور الحضارات الأولى
 
الدستور - رنا حداد -
 
في خطوة ثقافية وفنية تحمل أبعاداً حضارية وإنسانية عميقة، بدأت فرقة «طقوس المسرحية» تحضيراتها الأولى لإقامة مهرجان «عشيات طقوس المسرحية الدولي» في مدينة البترا، المدينة الوردية التي ما تزال حتى اليوم واحدة من أكثر الأماكن قدرة على استحضار رهبة التاريخ وسحر الحكاية. وبين السيق والخزنة والمعابد النبطية المنحوتة في الصخر، تسعى الفرقة إلى تقديم تجربة مسرحية مختلفة تستعيد العلاقة الأولى بين الإنسان والطقس والمكان، وتعيد المسرح إلى جذوره القديمة بوصفه فعلاً روحياً وجماعياً نشأ تحت السماء المفتوحة، قبل أن ينتقل إلى القاعات والمنصات الحديثة.
 
ويأتي اختيار البترا لإقامة هذا الحدث الثقافي انطلاقاً من رمزية المدينة الاستثنائية، فهي ليست مجرد موقع أثري عالمي أو مقصد سياحي شهير، بل فضاء حضاري حيّ تختزن جدرانه الصخرية ذاكرة قرون طويلة من التفاعل الإنساني والفني والروحي. فالحضارة النبطية التي ازدهرت في قلب الصحراء، نجحت في تحويل الحجر إلى لغة بصرية تنبض بالمعاني والأساطير، وجعلت من المكان مسرحاً مفتوحاً للحياة والاحتفال والطقوس.
 
وترى فرقة «طقوس المسرحية» أن إقامة مهرجان دولي في البتراء يمثل محاولة لإحياء الفكرة الجوهرية للمسرح، تلك الفكرة المرتبطة بالإنسان الأول حين كان يلجأ إلى التعبير بالحركة والصوت والنار والرمز ليحتفي بالحياة ويواجه أسئلته الكبرى حول الوجود والطبيعة والموت والخلود. ومن هنا، فإن المهرجان لا يقتصر على تقديم عروض مسرحية تقليدية، بل يسعى إلى بناء تجربة فنية متكاملة تتداخل فيها الطقوس الأدائية بالموسيقى والحكاية والفضاء الطبيعي، بحيث تصبح البتراء نفسها جزءاً من العرض المسرحي، لا مجرد خلفية له.
 
وأكدت الفرقة أن التحضيرات الأولية للمهرجان تتجه نحو تأسيس تظاهرة مسرحية دولية تستلهم روح المكان وتفتح أبوابه أمام حوار ثقافي عالمي، من خلال استضافة فرق وفنانين وباحثين من دول عربية وأجنبية، بهدف تقديم عروض وتجارب تستند إلى مفهوم المسرح الطقسي والأداء المرتبط بالذاكرة الجمعية للشعوب. كما تسعى الفعاليات إلى خلق مساحة للتلاقي بين التراث الإنساني القديم وأسئلة الفن المعاصر، في مشهد يربط الماضي بالحاضر ويمنح الفن بعداً إنسانياً عابراً للحدود.
 
وتحمل فكرة المهرجان دلالات خاصة في مدينة مثل البتراء، التي كانت عبر التاريخ ملتقى للقوافل والتجار والثقافات المختلفة، حيث اختلطت اللغات والأساطير والطقوس، وتحولت المدينة إلى نقطة عبور حضارية بين الشرق والغرب. واليوم، يبدو أن «عشيات طقوس المسرحية الدولي» يحاول استعادة هذا الدور التاريخي للبتراء، ولكن بلغة الفن والمسرح، لتعود المدينة ملتقى للمبدعين والحالمين والباحثين عن المعنى والجمال.
 
ويرى متابعون للشأن الثقافي أن إقامة مهرجان مسرحي دولي في البتراء يمكن أن يشكل إضافة نوعية للمشهد الثقافي الأردني والعربي، خاصة في ظل الحاجة إلى مشاريع فنية تخرج من القوالب التقليدية وتعيد التفكير بعلاقة الفن بالمكان والهوية والإنسان. فالمسرح، بحسب القائمين على المشروع، لا ينبغي أن يبقى حبيس الجدران المغلقة، بل يمكنه أن يستعيد طاقته الأولى حين يلتقي بالطبيعة والتاريخ والفضاءات المفتوحة التي تمنح الأداء عمقاً بصرياً وروحياً مختلفاً.
 
كما يراهن منظمو المهرجان على أن تتحول البتراء خلال «العشيات المسرحية» إلى خشبة كونية مفتوحة، تتردد فيها أصوات الحكائين والرحالة والأنباط الذين تركوا حضورهم الأبدي في الحجر والضوء. فكل زاوية في المدينة تحمل حكاية، وكل ممر صخري يوحي بمشهد مسرحي محتمل، ما يمنح العروض المنتظرة خصوصية يصعب تكرارها في أي مكان آخر في العالم.
 
ولا تنفصل هذه المبادرة عن أهمية توظيف الإرث الحضاري الأردني في مشاريع ثقافية معاصرة قادرة على مخاطبة العالم بلغة الفن. فالبتراء، التي أسرت خيال الملايين بجمالها وغموضها، تبدو اليوم أمام فرصة جديدة لتقديم نفسها ليس فقط بوصفها شاهداً على حضارة قديمة، بل أيضاً كمنصة حية للإبداع الإنساني الحديث.
 
وفي الوقت الذي تتواصل فيه التحضيرات الأولية للمهرجان، يترقب الوسط الثقافي والفني ملامح هذه التجربة التي تعد بأن تكون واحدة من أكثر المبادرات المسرحية فرادة في المنطقة، خاصة أنها تجمع بين سحر المكان وقوة الأداء وعمق الفكرة. فإقامة «عشيات طقوس المسرحية الدولي» في قلب البتراء ليست مجرد فعالية ثقافية عابرة، بل محاولة لإحياء المعنى الأول للمسرح كطقس إنساني جامع، وكجسر يصل الإنسان بجذوره وأسئلته وأحلامه.