عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    31-May-2026

كيف يمكن أن يتحول طموح الأهل إلى ضغط نفسي على الأبناء؟

 الغد-ديمة محبوبة

 "لفت انتباهي طريقته وغضبه المخفي من أول لحظة دخل فيها القاعة"؛ تقول مديرة مركز يهتم بتطوير المهارات، راما عون، مؤكدة أنها لم تحتج وقتا طويلا لتفهم أن هذا الطفل الذي يبلغ العاشرة من عمره، ويحمل حقيبة أكبر منه، ويجلس حيث أجلسته والدته، ويفتح كتابه على الصفحة التي قيل له أن يفتح عليها، ما هو إلا ولد أجبر على الذهاب إلى هذا المكان.
 
 
‎وتصف بأن عينيه كانتا في مكان آخر تماما، بعيدتين عن الجدران والألوان والأنشطة المعلقة على اللوحات. فتقول عون: "كنت أعرف أن هذا الطفل لا يريد أن يكون هنا، لم يكن كسولا ولا عنيدا، كان فقط غائبا، جسده في القاعة وهو في مكان آخر".
‎وتبين أن هذا المشهد لا تراه للمرة الأولى، إذ يتكرر كل أسبوع، بأوجه مختلفة وأسماء مختلفة، لكن بعيون متشابهة.
‎وتوضح أن الأطفال يحضرون مع عائلاتهم إلى مراكز تطوير المهارات لا لأنهم اختاروا، بل لأن أحدا اختار عنهم، إما لتعلم الموسيقى أو الغناء أو حتى مهارات التمثيل أو رقص الباليه وغيرها الكثير من المهارات التي تعمل هذه المراكز على تطويرها.
‎وتشدد على فكرة أن الحب يقف خلف هذا الاهتمام من الأهالي، لكنهم يترجمونه إلى قرارات لم يُسأل عنها الطفل.
‎تقول المرشدة النفسية والتربوية رائدة الكيلاني: "إن الطفل الذي يكبر في بيئة كمالية لا يتعلم كيف ينجح، بل يتعلم كيف يخاف من الفشل، والفرق بين الاثنين شاسع، فالأول يتحرك بدافع الشغف، والثاني يتحرك بدافع الخوف، وحين ينتهي الخوف لا يبقى شيء يدفعه إلى الأمام".
‎وتشير الكيلاني إلى أن كثيرا من الأهل لا يدركون أنهم يمارسون ضغطا على أبنائهم، لأن هذا الضغط مغلف بالمحبة والطموح. يقولون "نريد الأفضل لك"، وهم صادقون تماما، حسب الكيلاني، لكن الطفل يسمع رسالة مختلفة، مثل "أنت لست كافيا بعد".
ولفهم ظاهرة الكمالية الوالدية، لا يمكن عزلها عن سياقها الاجتماعي، فالأهل لا يعيشون في فراغ، بل يحملون هم أيضا ثقل التوقعات المجتمعية، ومقارنات الجيران، وسؤال "ابنك وين صار؟" الذي لا ينتهي.
‎ويرى اختصاصي علم الاجتماع الدكتور حسين خزاعي أن المجتمع يربط قيمة الإنسان بإنجازاته منذ الطفولة. ويؤكد أن الطفل المتفوق يُمدح في التجمعات، وأهله يكرمون بسببه، ما يخلق معادلة خطيرة يصبح فيها نجاح الطفل مرتبطا بكرامة الأهل، وحين يصل الأمر إلى هذه المرحلة، لا يعود الضغط رحيما على أي فرد في العائلة.
‎ويشير خزاعي إلى أن الأزمة الاقتصادية فاقمت هذه الظاهرة، فحين يضيق سوق العمل وتشتد المنافسة، يتحول التفوق الدراسي في عقل الأهل من هدف تربوي إلى تذكرة نجاة، فيدفعون أبناءهم بكل ما أوتوا من قوة، لأن الخوف من المستقبل يصبح أقوى من أي اعتبار آخر.
‎ولا يقتصر الأمر على الدراسة، ففي الأعوام الأخيرة انتشرت ثقافة اكتشاف المواهب بشكل لافت، وصارت مراكز تطوير المهارات وجهة أسبوعية لآلاف الأسر الأردنية.
‎لكن السؤال الذي يطرحه المختصون: من يختار الموهبة، الطفل أم الأهل؟ وهل فعلا يحمل الطفل موهبة حقيقية، أم أنه يدفع إليها رغما عنه؟
‎تقول مديرة المركز عون: "إن اكتشاف موهبة الطفل وصقلها شيء جميل حقا، لكن الإشكالية تبدأ حين يفرض على الطفل أن تكون له موهبة بعينها".
‎ووفق قولها، فإنها ترى أطفالا يأتون إلى المركز وهم لا يريدون الحضور، فيجلسون في الصف وعيونهم في مكان آخر، وهؤلاء لا يتعلمون موهبة، بل يتعلمون كيف يتظاهرون بالرضا.
‎وتضيف أن الضغط الذي يحمله هؤلاء الأطفال لا يُرى بسهولة، لأنه يتراكم ببطء؛ طفل يذهب إلى المدرسة، ثم إلى دروس خصوصية وبعدها إلى نشاط موهبة لم يختره، ثم يعود إلى بيت ينتظر منه مزيدا من الإنجازات. وتنوه: "هذا ليس طموحا، هذا إرهاق منظم".
‎ويبين تربويون أن الأطفال الذين يكبرون تحت وطأة الكمالية لا يتمردون دائما، فكثير منهم يصمتون ويتكيفون، ويحققون ما يطلب منهم.
‎لكن الكيلاني تؤكد أن هؤلاء الأطفال يخافون من اتخاذ القرار، لأنهم اعتادوا أن يقرر الآخرون عنهم، فيصلون إلى مرحلة الشباب والجامعة من دون أن يعرفوا ما يريدون، ويكبرون وهم يحملون صوت أهلهم في رؤوسهم حتى في لحظات وحدتهم.
‎وبحسب الكيلاني: "إن من أصعب الحالات الطلاب الذين لا يملكون رفاهية الخطأ، فنجدهم يجلدون ذواتهم لأن هذا ما اعتادوا عليه".
‎وتضيف أن المراهقين تحديدا يعانون في صمت، إذ يجدون أنفسهم عاجزين عن التعبير عن إرهاقهم الداخلي أمام أهل يرون في تعبهم كسلا لا ألما.
‎وتلفت إلى أنه من الظلم تصوير الأهل وكأنهم يقصدون إيذاء أبنائهم، فمعظمهم يحبون بصدق ويخافون بصدق أيضا، من مستقبل غير مضمون ومن مجتمع يحكم على الجميع.
‎لكن الكيلاني ترى أن الخوف لا يصلح وقودا للتربية، مؤكدة مقولة: "حين تربي من خوفك لا من حبك، فأنت تنقل الخوف لا الحب".
‎ويدعو الدكتور خزاعي إلى تغيير نمط تعامل الأهل مع تطوير مهارات أبنائهم، فربما من خلال الشراكة في القرار يصنعون إنسانا يثق بنفسه، لا إنسانا يحتاج إلى موافقة الآخرين ليشعر بقيمته، ويصبح أكثر قدرة على معرفة ما يرغب فعلا بتطويره والتركيز عليه.