عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    29-Mar-2026

كلفة "نزهة" ترامب الإيرانية على حلفاء الولايات المتحدة

 الغد

 ترجمة: علاء الدين أبو زينة
 
دين بيكر* – (بيت ذا برِس) 23/3/2026
 
بطريقة ما، يعتقد دونالد ترامب أن حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا وآسيا ينبغي أن يكونوا ممتنين له على بدء حرب تُكبّدهم تكاليف هائلة ولا تعود عليهم بأي فوائد واضحة تُذكر. ويشبه الأمر أن يقوم شخص بإحراق منزلك ثم يتوقع منك أن تشكره لأنه كان يظن أن المنزل قبيح.
 
 
في منشوراته الأخيرة التي تضج بالانفعالات والخطب اللاذعة على وسائل التواصل الاجتماعي، اشتكى دونالد ترامب من أن حلفاءنا هم أناس ناكرون للجميل عندما يتعلق الأمر بالحرب التي بادر إلى شنّها ضد إيران. وهو غاضب بشكل خاص لأنهم لا يُبدون حماسة لإرسال قواتهم العسكرية لكسب حرب يَزعم أنها قد حُسمت وكُسبت مُسبقًا. كما لا يبدو أن ترامب يرى أي أهمية في كونه لم يستشر على الإطلاق– بل حتى لم يحذّر- أيًّا من حلفاء الولايات المتحدة، مع الاستثناء اللافت لإسرائيل.
بالنسبة لأي شخص لا ينتمي إلى دائرة أنصار ترامب، لا تعدو هذه الشكاوى كونها ضربًا من العبث والجنون الصرف. كانت حرب ترامب لطمة هائلة توجهت إلى الاقتصادات في مختلف أنحاء العالم. ولن تكون هذه الدول ممتنة بأيّ حال لتلقّي ضربة اقتصادية تعادل في فداحتها أثر كارثة مناخية كبرى أو جائحة خطيرة.
سوف يعتمد مدى السوء الذي تنطوي عليه هذه الضربة الاقتصادية على كلٍّ من مدة استمرار الحرب، وحجم الضرر الدائم الذي تُلحقه بالمرافق المادية. لكن ثمة طريقة بسيطة ورخيصة وسريعة لتقدير الأضرار، تتمثل في النظر إلى مقدار ما تكلّفه زيادة أسعار النفط للدول مقارنةً بحجم اقتصاداتها.
هكذا هي الصورة، استنادًا إلى افتراض أن أسعار النفط قد ارتفعت بمقدار 40 دولارًا للبرميل مقارنة بمستواها قبل الحرب، وأنها ستبقى عند هذا المستوى لمدة عام كامل. وليست لدي في الحقيقة كرة بلورية سحرية تُخبرني بما إذا كانت الأسعار ستستقر عند هذا الحد، لكن هناك العديد من المحللين الذين يجادلون بأنها قد ترتفع إلى مستويات أعلى بكثير. وإذا تم فتح مضائق هرمز قريبًا، سواء بفعل عمل عسكري أو باتفاق سلام، يُفترض أن تكون الأسعار قد قطعت معظم الطريق في رحلة عودتها إلى مستوياتها قبل الحرب. لكن ارتفاعًا قدره 40 دولارًا للبرميل يجب أن يكون نقطة انطلاق معقولة للتحليل.
كما أشرت سابقًا، يبدو أن دول آسيا هي الأكثر تضررًا من هذه الزيادات في الأسعار. سوف تضطر كوريا الجنوبية إلى إنفاق مبلغ إضافي يعادل 2.2 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي على النفط، تليها الهند بنسبة 1.8 في المائة، ثم كندا بنسبة 1.4 في المائة. وللمقارنة، تعادل نسبة 1.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة نحو 3.700 دولار لكل أسرة.
لكن هذا المقياس للضربة الاقتصادية يظل بعيدًا كل البعد عن أن يكون شاملًا. إلى جانب ارتفاع أسعار النفط، تضاعف سعر الغاز الطبيعي في أوروبا وآسيا. كما ارتفعت أسعار صادرات أخرى من منطقة الخليج أيضًا -الأسمدة بشكل خاص. وبالإضافة إلى ذلك، فقدت بقية العالم، ولو مؤقتًا على الأقل، سوقًا رئيسيا لصادراتها.
وهناك أيضًا بعض المُدخلات الإيجابية. بالنسبة للدول خارج منطقة الخليج التي تندرج بين المُصدِّرين الرئيسيين للنفط - كندا والبرازيل والمكسيك بشكل خاص- تأتي القفزة التي تصنعها الحرب في أسعار النفط لتكون بمثابة مكسب غير متوقع. ومع ذلك، يمكن أن يوفّر العبء الذي يشكله ارتفاع أسعار النفط تقديرًا أوليًا جيدًا للتكاليف التي يتحملها حلفاؤنا كنتيجة للحرب التي يقول ترامب إن عليهم أن يكونوا ممتنين لها.
تتمثل الحجة الترامبية لتبرير الحرب في أن النظام الإيراني كان خطيرًا، وأن على الجميع أن يكونوا سعداء برؤية هذا النظام بينما يتم إضعافه- إن لم يكن إسقاطه بالكامل. وفي الحقيقة، ثمة قلة قليلة فقط ممن سينظرون إلى إيران بوصفها نموذجًا يُحتذى به. إنها دولة قتلت وسجنت عشرات الآلاف من مواطنيها. كما أنها بنت قوة عسكرية يُعتد بها، وهو ما يجعلها تشكل- من حيث الإمكان على الأقل- تهديدًا محتملًا لبقية العالم.
لكن النظام الإيراني بالكاد يمتلك احتكارًا لهذه الصفات. وإذا كنا بصدد البحث عن أنظمة قمعية عسكرية، فإن كوريا الشمالية ستتصدّر على الأرجح قائمة الجميع. في حالتها ليس علينا أن نقلق من أن كوريا الشمالية ستقوم بتطوير أسلحة نووية وصواريخ باليستية؛ إنها تمتلكها بالفعل. ومع ذلك، لم يُطرح أي حديث عن مهاجمة كوريا الشمالية- حتى أن ترامب ما يزال يتفاخر بـ"رسالة الحب" التي تلقاها من زعيمها، كيم جونغ أون.
وبالمثل، ثمة دول في نفس المنطقة ما تزال تخضع لأنواع من الحكم الشمولي الذي لا يتكلف حتى عناء الادعاء بأنه ديمقراطي. وهي دول تعتقل المعارضين وتعذّبهم وتقتلهم بشكل روتيني، وتمارس تمييزًا صريحًا ضد النساء. كما أنها طورت هي الأخرى قدرات عسكرية كبيرة. ولم تتردد في ملاحقة معارضيها خارج حدودها. ومع ذلك، لا يبدو أن ترامب يخطط لأي حروب ضدها، بل إنه يصفها بأنها صديقة له وشريكًا اقتصاديًا مهمًأ.
ليس ثمة عوز في الدول ذات الأنظمة غير الديمقراطية التي لم يشعر ترامب بالحاجة إلى مهاجمتها. ومن الجدير بالذكر أيضًا أن هناك تاريخًا حديثًا ذا صلة هنا. سوف يجادل قليلون بأن صدام حسين كان رجلًا صالحًا. لكن من الصعب أن يقول أحد أن الشعب العراقي أو العالم أصبحا في حال أفضل بعد الإطاحة به.
وينطبق الأمر ذاته على حركة طالبان في أفغانستان. في تلك الحالة، وبعد عشرين عامًا من الحرب والاحتلال، عاد البلد إلى ما كان عليه قبل الغزو في العام 2001 فحسب. وبالطريقه نفسها، كان معمر القذافي دكتاتورًا قاسيًا، لكن الإطاحة به في العام 2011 أدّت إلى اندلاع حرب أهلية في ليبيا ما تزال مستمرة حتى اليوم. وسيكون من الصعب الادعاء بأن العالم أو الشعب الليبي أصبحا في وضع أفضل نتيجة هذا التدخل العسكري.
خلاصة القول هنا هي أن دونالد ترامب يعتقد، بطريقة ما، أن حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا وآسيا ينبغي أن يكونوا ممتنين له على بدء حرب تُكبّدهم تكاليف هائلة ولا تعود عليهم بأي فوائد واضحة تُذكر. ويشبه الأمر أن يقوم شخص بإحراق منزلك ثم يتوقع منك أن تشكره لأنه كان يظن أن المنزل قبيح. قد يبدو هذا منطقيًا بالنسبة لدونالد ترامب، لكنه لا يبدو كذلك لأي شخص آخر في العالم.
 
*دين بيك Dean Baker: اقتصادي أميركي بارز ومحلل في السياسات الاقتصادية، وأحد المؤسسين المشاركين لـ"مركز البحوث الاقتصادية والسياسية" (CEPR) في واشنطن العاصمة، حيث يشغل منصب كبير الاقتصاديين. حصل على درجة الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة متشيغان، وعمل باحثًا ومستشارًا في قضايا الاقتصاد الكلي، وأسواق العمل، والضمان الاجتماعي، والرعاية الصحية. يُعرف بانتقاداته للسياسات النيوليبرالية ودفاعه عن العدالة الاقتصادية، كما كتب لعدد من المنصات مثل صحيفتي "الغارديان" و"ذا نيويورك تايمز". ألف عدة كتب من أبرزها " التلاعب المُحكَم: كيف صيغت العولمة وقواعد الاقتصاد الحديث لجعل الأثرياء أكثر ثراءً" Rigged: How Globalization and the Rules of the Modern Economy Were Structured to Make the Rich Richer.
 
*نشر هذا المقال تحت عنوان: What Trump’s Iran “Excursion” Cost US Allies