عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    13-Aug-2025

التحول المفاجئ في الخطاب السائد حول غزة

 الغد-ترجمة: علاء الدين أبو زينة

كيتلين جونستون* - (مدونة كتلين جونستون) 25/7/2025
 
 
من أحد أعراض مرض الحضارة الغربية أن يبدأ أشخاص بارزون الآن فقط في التعبير عن قلقهم إزاء الانتهاكات الوحشية والممتدة التي ترتكبها إسرائيل في فلسطين على مرأى من الجميع.
 
أخيرًا، أعلنت أبرز منظمة حقوقية في إسرائيل، "بيتسيلم"، أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية، وكذلك فعلت منظمة "أطباء من أجل حقوق الإنسان" التي تتخذ من إسرائيل مقرًا لها. وبذلك، تنضم المنظمتان الإسرائيليتان في هذا الاستنتاج إلى "منظمة العفو الدولية"، و"هيومن رايتس ووتش"، وخبراء حقوق الإنسان التابعين للأمم المتحدة، والغالبية الساحقة من أبرز المتخصصين في موضوع الإبادة الجماعية.
لقد انتهى الجدل. خسر المعتذرون والمبرّرون المدافعون عن إسرائيل. وأصبحنا نرى هذا ينعكس الآن في الخطاب السائد.
بدأت نجمة البوب الشهيرة، أريانا غراندي، في التحدث علنًا عن دعمها لغزة، وأخبرت متابعيها على وسائل التواصل الاجتماعي أن "تجويع الناس حتى الموت هو خط أحمر". وهذا تحول جديد في الخطاب. وقد أصبح الوقوف ضد الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل أكثر شيوعًا الآن من أي وقت مضى.
نشرت قناة (إم. إس. إن. بي. سي)، مؤخرًا، تقريرًا صريح العنوان: "إسرائيل تجوّع غزة. وأميركا متواطئة". وتضمّن التقرير فقرة يندد فيها البرنامج المؤيد لإسرائيل بشدة "مورننيغ جو" بهذه الجريمة الجماعية.
وفي مكان آخر، غيّر ولف بليتزر في قناة (سي. إن. إن) وهو موظف سابق لدى "لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية" (آيباك) موقفه كليًا، وأصبح الآن يهاجم إسرائيل على الهواء بسبب حملتها المتعمدة لتجويع السكان.
كما تغلبت صحيفة "نيويورك تايمز" أخيرًا على رُهابها من استخدام وصف "إبادة جماعية"، ونشرت مقالة رأي بعنوان: "أنا متخصص في دراسة الإبادات الجماعية. وأنا أعرفها حين أراها".
كما أننا نشهد الآن تغيّرًا في لهجة شخصيات ديمقراطية صهيونية معروفة، مثل باراك أوباما، وحكيم جيفريز، وكوري بوكر، وإيمي كلوبوشار، الذين شرعوا في مهاجمة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والرئيس الأميركي دونالد ترامب، بسبب مشروعهما المشترك للإبادة في غزة، بينما تتصاعد المعارضة حتى من بعض اليمينيين مثل مارغوري تايلور غرين (التي أصبحت يوم الثلاثاء أول عضو جمهوري في الكونغرس يصف ما يحدث في غزة بأنه إبادة جماعية).
مع هذا التحول المفاجئ في مواقف معلّقين سياسيين، وساسة، ومشاهير في الغرب إلى التنديد بالفظائع الإبادية التي ترتكبها إسرائيل، بعد عامين من الصمت، يصعب تصديق أنه كان يقال لنا قبل بضعة أسابيع فقط إن قول "الموت للجيش الإسرائيلي" هو جريمة كراهية.
ظل أولئك الذين كانوا يشاهدون هذه الإبادة الجماعية منذ البداية يسألون طوال الوقت: ما الذي يستلزمه الأمر؟ ما الذي سيتطلبه الأمر حتى يتوقف مجتمعنا عن السير نائمًا وسط التفاهات السطحية والمشتتات الفارغة ويبدأ في مواجهة المحرقة الجارية في زماننا؟
إمطار معسكر اعتقال ضخم مكتظ بالأطفال بالمتفجرات العسكرية لم يكن كافيًا.
حرق الأطفال وهم أحياء لم يكن كافيًا.
التدمير المنهجي للبنية التحتية الصحية في غزة -وصولًا إلى اقتحام المستشفيات التي سبق استهدافها وتخريب الأجهزة الطبية فيها قطعة قطعة- لم يكن كافيًا.
قتل عدد من الصحفيين يفوق الذين قتلوا في كل من الحربين العالميتين، إلى جانب الحرب الأهلية الأميركية، وحرب كوريا، وحرب فيتنام، وحروب يوغوسلافيا، وحرب أفغانستان، والحرب الجارية في أوكرانيا، لم يكن كافيًا.
الاغتصاب والتعذيب الممنهجان للمعتقلين لم يكونا كافيين.
نشر جنود الجيش الإسرائيلي صورًا وفيديوهات لأنفسهم وهم يرتدون بسخرية ملابس نساء فلسطينيات ميتات أو مهجّرات، ويلعبون بألعاب أطفال مقتولين أو مشردين، لم يكن كافيًا.
تصريحات المسؤولين الإسرائيليين الصريحة التي تفصح عن نية إبادة سكان غزة لم تكن كافية.
إعلان الرئيس الأميركي ورئيس الوزراء الإسرائيلي صراحة عن هدفهما المتمثل في التطهير العرقي الكامل لإقليم فلسطيني لم يكن كافيًا.
تجربة أسلحة جديدة على الفلسطينيين كما لو كانوا فئران تجارب في مختبر لم تكن كافية.
ترك عدد لا يحصى من المدنيين يموتون اختناقًا أو عطشًا تحت أنقاض المباني المقصوفة لم يكن كافيًا.
إنشاء نظام ذكاء اصطناعي للتأكد من قصف مقاتلي "حماس" المشتبه بهم عندما يكونون في منازلهم مع أطفالهم، وتسميته بـ"أين بابا"؟ لم يكن كافيًا.
استخدام الفلسطينيين كدروع بشرية لم يكن كافيًا.
دفن مدنيين جرحى وهم أحياء بالجرافات لم يكن كافيًا.
اعتراف الجيش الإسرائيلي بإدارته قناة مشهورة على "تيليغرام" تُدعى "72 عذراء"، تنشر أفلام رعب دموية وسادية لأشخاص في غزة وهم يُذبحون على يد القوات الإسرائيلية، لم يكن كافيًا.
صور قنّاصة الجيش الإسرائيلي وهم يطلقون النار بشكل روتيني على رؤوس وصدور الأطفال في جميع أنحاء قطاع غزة لم تكن كافية. 
الطائرات المسيّرة التابعة للجيش الإسرائيلي التي تُصدر في الليل أصوات بكاء أطفال لاستدراج المدنيين المختبئين من أجل قتلهم لم تكن كافية.
وحدات الجيش التي تخبر الصحافة الإسرائيلية بأنها تتلقّى أوامر بذبح المدنيين الجائعين الذين يبحثون عن الطعام في مواقع المساعدات لم تكن كافية.
القناصة الإسرائيليون الذين يستهدفون أجزاء مختلفة من أجساد المدنيين الجائعين في أيام مخصصة -يوم الساق، يوم الرأس، يوم الأعضاء التناسلية، وغيرها- لم يكونوا كافين. 
المواطنون الإسرائيليون اليمينيون المتطرفون الذين أقاموا حواجز لوقف شاحنات المساعدات من دخول غزة بينما يقيمون حفلات شواء في مواقع الحواجز، لم يكونوا كافين.
استخدام الأكاذيب والدعاية لتفكيك منظومة إيصال المساعدات الغذائية والمواد الأساسية إلى غزة، واستبدالها بعملية أميركية/ إسرائيلية يُذبَح فيها طالبو المساعدة كل يوم، لم يكن كافيًا.
استخدام الحصار كسلاح لتجويع غزة عمدًا على مدى الأشهر الاثنين والعشرين الماضية لم يكن كافيًا.
ولكن الآن، عندما بلغ الجوع نقطة حرجة، وبعد أن أصبحت الوفيات الناجمة عن سوء التغذية ترتفع بشكل صاروخي، وبعدما بدأت صور الأطفال الموتى الهزالى كالهياكل العظمية تملأ شاشاتنا، وبعدما أصبح الضرر الذي أصاب الأعضاء والدماغ نتيجة الجوع غير قابل للعلاج في كثير من الحالات -الآن أصبح هذا كافيًا.
كانت هذه هي الحدود، على ما يبدو. هذا هو ما قرّر الوعي السائد في الغرب أنه "أكثر من اللازم". أما كل ما حدث قبل هذه النقطة، فكان مقبولًا، والآن لم يعد كذلك.
مع ذلك، ما تزال المجازر مستمرة. لم تُترجم الصحوة المفاجئة للضمير بعد إلى أي تحركات مادية أو تغييرات ملموسة.
لو أن هذه الصحوة حدثت في تشرين الأول (أكتوبر) أو تشرين الثاني (نوفمبر) 2023، كما كان ينبغي، ربما كنا لنرى اليوم معارضة فعالة تؤدي إلى إنقاذ غزة. لكن الضوء لم يشتعل سوى الآن. ولا ضمانة حتى الآن بأن من بدأوا في رفع أصواتهم سيواصلون ذلك.
أنا سعيدة بأن الناس بدأوا يستيقظون على الحقيقة القاسية لهذا الكابوس. وأنا ممتنّة لكل صوت مؤثر يستخدم منصته للتحدث -حتى ولو في هذا الوقت المتأخر. أنا حقًا كذلك.
لكنني أعتقد أيضًا بأننا في حاجة ماسة لأن نلقي نظرة صارمة وغير مريحة على أنفسنا كمجتمع. إذا كانت كل تلك الفظائع الوحشية قابلة للتحمّل بالنسبة لنا على مدى العامين الماضيين، فإن هذا يعني أن هناك شيئًا مريضًا بقوة وعمق في حضارتنا.
إننا لا نعيش بطريقة صحيحة. نحن لا نفكّر بطريقة صحيحة. نحن لا نشعر بطريقة صحيحة. نحن مشوَّشون ومنحرفون. المعلومات التي نستهلكها، والمعايير التي شُرِبناها وتعلّمنا أن نقبلها، أفسدت أرواحنا.
لقد تم تحويلنا إلى شيء سيئ وشرير. شيء قبيح. شيء مخزٍ. شيء يجب أن نبذل كل ما في وسعنا لتغييره.
نحن في حاجة إلى إنقاذ أنفسنا مما أصبحنا عليه. نحن في حاجة إلى تحول عميق وجذري إلى شيء لا يمكن له أن يسمح، في أي حال من الأحوال، بحدوث شيء كهذا مرة أخرى.
من الواضح أن الطريقة التي تسير بها الأمور الآن لا تعمل. الرؤية السائدة للعالم هي كذبة مفضوحة. وكل ما تعلّمناه عن مجتمعنا، وأمتنا، وحكومتنا، وعالمنا كان زائفًا بوضوح.
نحن في حاجة إلى أن نشقّ طريقنا بالنضال عبر مسالك التنافر المعرفي الناتج عن إدراك أن طريقتنا الجماعية في رؤية الأمور قد فشلت، وأن نجد وسيلة جديدة للوجود.
وإلا فسنظل نتلقى الصفعات المتتالية على وجوهنا في هيئة الأشياء المرعبة المتزايدة التي تذكرنا بما سمحنا لأنفسنا أن نتحوّل إليه.
الدروس ستتكرر حتى يتم تعلّمها.
ومن الأفضل أن نبدأ في تعلّمها الآن.
 
*كيتلين جونستون Caitlin Johnstone: كاتبة وصحفية أسترالية مستقلة، معروفة بمقالاتها النقدية التي تتناول الإعلام الغربي، والسياسة الخارجية للولايات المتحدة، والدعاية الإمبريالية. تركز كتاباتها على كشف التلاعب الإعلامي الجماهيري، وفضح السياسات الاستعمارية الجديدة، وتنتقد النخب الحاكمة الغربية، سواء من الأحزاب الليبرالية أو المحافظة. وهي صوت بارز في نقد التغطية الإعلامية السائدة، خاصة في قضايا، مثل الحرب في الشرق الأوسط، والصراع في أوكرانيا، وقمع الحريات الإعلامية.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Mainstream Voices Sudden Pivot on Gaza