الدستور
للمفاوضات أحيانا يدان؛ واحدة تمتد إلى الطاولة، وأخرى تبقى قريبة من الزناد. وبين اليدين تعيش السياسة أكثر لحظاتها ارتباكا، حين يصبح الكلام محاولة لإطفاء نار لا يزال حطبها قريبا. وهذا بالضبط ما يحدث بين واشنطن وطهران؛ رسائل تسافر مع الوسطاء، فيما تظل في حقائبها رائحة البارود، ويحضر معها هرمز والعقوبات والنووي والنفط، وتحضر ذاكرة حرب لم تبرد تماما. كأن الطرفين يتحدثان فوق رماد ساخن، ويعرف كل منهما أن حركة طائشة تكفي كي تخرج النار من تحته من جديد.
وفي السياسة قد تكون الخطوة الأولى أثقل من الطريق كله. المقترح الإيراني الذي تحرك عبر الوساطة القطرية وضع إعادة فتح هرمز وعودة الملاحة الطبيعية ضمن مسار متدرج لبناء الثقة، ووصل الرد الأميركي إلى طهران، لكن العقدة بقيت معلقة في سؤال صغير شديد المكر: من يبدأ؟. فالدول، مثل البشر أحيانا، قد تعرف طريق المصالحة ثم تقف طويلا عند عتبتها، لأن كل طرف يخشى أن تكون اليد التي يمدها أولا هي نفسها التي سيقال لاحقا إنها ارتفعت استسلاما. وهكذا قد يتفق الخصمان على الباب والمفتاح، ثم يختلفان على من يدير القفل.
ولهرمز طريقة عجيبة في جعل العالم يشعر بضيق الجغرافيا. هو خط أزرق صغير على الخريطة، لكن ارتجافة فيه تصل إلى ناقلة بعيدة، ومصفاة، وسوق، ومحطة وقود، وربما إلى جيب رجل لم يسمع بالمضيق في حياته. لهذا لا يبقى النفط خارج غرفة المفاوضات؛ يدخل من دون استئذان ويجلس بين المتفاوضين، وتدخل معه العقوبات والأسعار ومخاوف الأسواق. فالجغرافيا هنا لا تكتفي بأن ترسم الحدود، وإنما تمد أصابعها إلى جيوب الناس وموائدهم.
وفي آخر الطاولة يجلس الملف النووي كضيف ثقيل يعرف الجميع أنه لن يغادر قبل أصحاب البيت. أجهزة الطرد المركزي ونسب التخصيب والرقابة ليست سوى الوجه التقني لحكاية أعمق اسمها الثقة. وتلك عملة نادرة بين خصمين يحمل كل منهما للآخر دفترا قديما من الشكوك والاتفاقات المنهارة والوعود التي لم تعش طويلا. لذلك يصبح التفاوض أحيانا محاولة للاتفاق على المستقبل بأدوات صنعتها ذاكرة الماضي.
والحرب نفسها لا تغادر المكان حين تبدأ المفاوضات؛ تخفف صوتها قليلا وتنتظر خلف الباب. هنا تكمن المفارقة القاسية: يجلس الطرفان كي يبحثا عن مخرج، ويخشى كل منهما أن يبدو خروجه تراجعا. تدخل الهيبة إلى الحساب، وتصبح العبارة التي ستقال للجمهور بعد الاتفاق ثقيلة كأحد بنوده. وربما كانت هذه إحدى خطايا السياسة القديمة؛ أن تتحول حياة الناس وأسواقهم ومدنهم إلى جزء من معركة على الصورة التي سيظهر بها المنتصر أمام الكاميرا.
لهذا قد تكون الشجاعة الحقيقية أقل صخبا مما نتصور. ليست دائما في الاقتراب من الحافة وإظهار القدرة على القفز، وإنما في معرفة اللحظة التي ينبغي فيها الابتعاد عنها. فبعض الانتصارات تلمع جيدا على المنابر، ثم تصل فواتيرها لاحقا إلى بيوت لا تعرف أسماء المفاوضين. وبين الطاولة والزناد مسافة قصيرة جدا، وكل ما نرجوه من السياسة أن تتقن فنا واحدا يبدو سهلا وعصيا منذ اخترع البشر الحروب: أن تجعل هذه المسافة أطول.