المدن -
ما ارتكبته إسرائيل في غزة وتستمر بارتكابه، إبادةً وقتلاً وتوسعاً استيطانياً، عنوانه نزع سلاح "حماس"، وأبعاده وأهدافه المعلنة: إقامة اسرئيل الكبرى. تهجير السكان. اقتلاعهم من أرضهم في غزة والضفة، وتحقيق هذا "الحلم الالهي"، هذه "المهمة الروحية" كما قال قائد هذه العملية بنيامين نتانياهو.
ومن فلسطين: استهداف للأردن ومصر واحتلال أجزاء من أراضيهما. واستهداف أمنهما القومي إضافة إلى تضييق وخناق وحصار عليهما، اقتصادياً ومالياً، وتهديد استقرارهما وأمنهما الغذائي والمائي والاجتماعي.
في لبنان حرب غير مسبوقة. دمار شامل في الجنوب في عدد من القرى. جرف أراضي وأشجار. وقتل مواسم زراعية لسنوات. توقيع قرار وقف أعمال عدائية واستمرار إسرائيل في القتل والتدمير والاحتلال والتوسّع والتهديد بالتمدّد أكثر، لأن جزءاً من أراضي لبنان يقع ضمن دائرة إسرائيل الكبرى. الهدف التاريخي المنوي تحقيقه. والعنوان الذي يغطي هذه الجرائم: نزع سلاح حزب الله.
في سوريا سقط نظام الأسد. لم يكد أحمد الشرع يصل إلى دمشق حتى بادرت اسرائيل إلى تدمير المطارات ومخازن السلاح والمعدات والمواقع العسكرية العائدة للجيش العربي السوري. ولا يزال العدوان مفتوحاً لتدمير ما تبقى، وصولاً إلى قصف مقر رئاسة أركان الجيش والقصر الجمهوري والتوسّع في المنطقة الجنوبية. إنسوا الجولان، نحن في جبل الشيخ ولن نخرج وما سيطرنا عليه من أراض سنبقى فيه. نريد منطقة أمنية منزوعة السلاح من الجبل إلى دمشق ونريد أيضاً ممر داوود من السويداء إلى المناطق الكردية لتحقيق أهداف المشروع التاريخي والرسالة التاريخية إسرائيل الكبرى وليبقى الأمن السوري مهزوزاً والوضع غير مستقر!
إلى العراق، حيث انطلقت الشرارة الأولى والإشارة الأولى لهذا المشروع. دمّر البلد تحت ذريعة وجود سلاح الدمار الشامل واعترف الأميركيون لاحقاً أنها كانت كذبة. كان المطلوب تدمير العراق، نزع سلاحه ومصادر قواته وقتل علمائه، ومصادرة ثرواته، وتجفيف أنهاره وتعطيش أهله وحصارهم وتجويعهم ثم ربط مستقبلهم بـ"أمن مقابل الغذاء"، لنهب ثرواته على مدى طويل ولا أمن ولا غذاء ولا مياه ولا كهرباء في أغنى دولة، وكانت تملك أكبر جيش. وليكن الاقتتال المذهبي الداخلي. العراق منزوع السلاح النووي عندما قصفت إسرائيل مفاعل تموز عام 1980، ومنزوع كل الأسلحة لاحقاً ومنزوع الثروة النفطية والعلمية و ...
السودان، أكبر دولة عربية، تقسيم ودولة في الجنوب بدعم اسرائيل ثم تقسيم واقعي على الأرض وحروب واقتتال ونزع مصادر قوتها ولا سلاح الا السلاح الذي يصدّره العرب لتوسيع الاقتتال ودائرة الخراب والدمار والجوع ومآسي الفقر إضافة إلى ما جرى ويجري في غزة مشاهد مخزية معيبة ولا أحد يقول كلمة بل سكاكين العرب فاعلة في تمزيق الجسم العربي باقتتالهم وتنافسهم على نفوذ وأدوار لا قيمة لها في الحضور السياسي لأن الكلمة الفصل هي للأميركي والاسرائيلي.
في اليمن، اطلاق حرب بحساب إمكانية حسمها خلال أسابيع قليلة منذ عشر سنوات تقريباً. هذه هي النتيجة. استنزاف مالي. وخراب ودمار واهتزاز أمني في كل المنطقة. وتهديد لأمن الملاحة والحرب مفتوحة وأميركا متورطة وتخطط لكيفية حسم الحرب واسرائيل اللاعب الأساسي فيها والعنصر الحاسم في المرحلة المقبلة وفق الخطوط المرسومة. فوضى في الجنوب. تنافس عربي عربي. إنفاق مالي هائل. وفقر لا مثيل له. والعنوان: نزع سلاح. فأصبحنا أمام مشروع أكبر، من استهداف للمضائق إلى استحداث ممرات ورسم خرائط جديدة وتوسّع النفوذ الاسرائيلي الأميركي ويتوهّم عدد من العرب أنهم يديرون لعبة أو ينفذون مشروعاً يصبّ في خانة الانسانية والأخوة والأمن والازدهار وترامب يفاخر بأنه في رحلة دامت ثلاثة أيام جنى خمسة آلاف مليار دولار. باب رزق ودعم للاقتصاد الأميركي لا مثيل له، والمشاريع الأمنية للمنطقة المحيطة باليمن مكلفة جداً وستموّل من العرب.
أما ليبيا فحدّث ولا حرج. حرب حروب أيضاً والأهداف البعيدة، ثروات النفط وخيرات البحر وجيرة مصر والمغرب العربي وبوابات أفريقيا والاقتتال ليبي – ليبي على أراضي الليبيين لكن الحقيقة هي حرب عربية – عربية مكشوفة، وحضور تركي لكن العرب هم الأساس في لعبة الاقتتال والتقسيم.
الصومال: مجاعة وحرب مفتوحة. وأرض الصومال أرض موعودة لإقامة دولة لأهلها إن وافق المعنيون على استقبال الفلسطينيين. المنطقة العربية عدد سكانها كبير جداً وسيزداد ارتفاعاً وهذا بحد ذاته عامل ديموغرافي مقلق لاسرائيل واستهدافه أمر أساسي لرفع الخطر المستقبلي عنها! وثروات وخيرات استثنائية لا تحدّ في كل "ديرة" من ديارهم وهذا هدف استراتيجي لما يشكله ذلك من مصادر ضرورية للتنمية واقتصاد أميركا وموقع اسرائيل ومشاريع الممرات التي تجعل منها نقطة الارتكاز والمطلوب نزع كل الأسلحة إلا الأسلحة المستخدمة في حروب تخدمها كما أسلفنا والعرب يدفعون ثمن اقتتالهم اليوم، وتمويلهم الحروب المباشرة وغير المباشرة، وسيدفعون لاحقاً ثمن ما هو آت. ولن يبقى لديهم شيئ. يذهب بعضهم بتباه واستعلاء واستكبار ووهم أنهم يصنعون مستقبلاً ومنطقة جديدة ويحدثون الدول فلا تطرّف فيها ولا فوضى بل ازدهار وتنمية وتعاون وأخوة ووو ... وهم ما بعده وهم. ستكون منطقة منزوعة الإرادة والقرار وإسرائيل دولة التطرف والكراهية والعنصرية والتوسّع والإبادة وتهديد الأمن والاستقرار، هي الأكثر حضوراً ونفوذاً وتأثيراً. وهنا الخطورة الكبرى والعرب سيدفعون ثمن الحروب التي تديرها، ثم ثمن "حمايتهم" واستمرارهم بشروطها.